يوسف دعيس
التطورات المتسارعة التي شهدتها المنطقة ألقت بظلالها السوداء على المشهد السياسي والعسكري، وخلطت أوراق القوى السياسية الدولية والإقليمية المتصارعة على الأرض السورية والعراقية، وأثارت العديد من الأسئلة وجدلاً واسعاً حول مسألة محاربة الإرهاب، في الوقت الذي يواجه المجتمع الدولي تحديات موازية في إطار عمليات احتواء اللاجئين والنازحين عن ديارهم، والتهجير القسري والانتهاكات الناجمة عن هذه الصراعات، والتي يدفع فاتورة الدم فيها أولاً المدنيون في العراق وسوريا، بالمقابل بدأت هذه الصراعات تؤسس لصراع أساسي ينحصر في مواجهة قوى الإرهاب والتطرف، فيما تؤجل القضية الأساسية في محاربة الاستبداد والطغاة والتي إحدى تجلياتها التأسيس لمجتمعات الحرية والديمقراطية، وتبقى مسألة جانبية سيُعاد النظر فيها إلى حين القضاء على قوى الإرهاب والتطرف.
في المقابل أيضاً ينشغل الناشطون والقوى السياسية المحلية في مسائل جانبية، فمثلاً تستيقظ على غفلة قضية إدارة الرقة بعد تحريرها، قبل البحث عمن سيحررها، وتبرز صراعات ثانوية عن أدوار محتملة للمجالس المحلية، ومدى شرعيتها، أو مهام القوى المدنية المحتملة، وعن أحقية الدور العشائري في مقابل الدور المدني، وكلها تدعو إلى صرف النظر عن القضايا الرئيسة في الصراع، وأهم تجلياتها ما يجري في قاعات وأروقة مجلس الأمن الدولي، ومكاتب الخارجية في الدول صانعة القرار، وما يجري أيضاً في جنيف وفيينا وغيرها من العواصم الغربية، والتي تهدف برمتها إلى ترحيل الحل السياسي في سوريا، وتعطيل المبادرات التي تسعى إلى إيقاف نزيف الدم السوري، وتعويم النظام، وإضفاء الشرعية للتواجد الروسي في سوريا، وإعطائها الضوء الأخضر لقتل وتدمير المزيد دون حسيب أو رقيب، وتكتفي المؤسسات الدولية والحقوقية بالقلق، وإصدار بيانات الشجب والاستنكار التي لا تقدم ولا تؤخر.
ماذا عن تحرير مدينة الرقة؟ وما هي التجاذبات الحاصلة بين القوى المتصارعة لقيادة معركة تحرير الرقة، والسؤال الأهم هل ستتحرر الرقة على أيدي أبنائها، أم ستتكفل قوى أخرى بتحريرها؟!
فور الإعلان عن بدء عملية تحرير الموصل، أو كما سمتها الحكومة العراقية “قادمون يا نينوى” بتاريخ 16 تشرين الأول 2016 والتي تهدف لتحرير الموصل من داعش، ويشارك فيها أكثر من 100 ألف مقاتل من قوات الجيش العراقي وشرطة مكافحة الإرهاب وقوات البيشمركا والحشد الشعبي العراقي، المدعومة بإسناد جوي من قوى التحالف الدولي الذي تقوده أمريكا، وبمشاركة على الأرض بقوات أمريكية مهمتها تدريبية واستشارية، وما إن مضى عليها أسابيع حتى سارعت قوات سوريا الديمقراطية إلى إطلاق عملية “غضب الفرات” في السادس من تشرين الثاني 2016 لتحرير الرقة، بمشاركة نحو 30 ألف مقاتل وبإسناد جوي أمريكي، تزامن مع وصول مستشارين عسكريين أمريكيين وفرنسيين إلى مناطق شمال الرقة، وتهدف العملية لتطويق مدينة الرقة، وحصارها ثم تحريرها من داعش، هذا في الظاهر أما في الباطن فقد جاءت عملية “غضب الفرات” بهذه السرعة لقطع الطريق على تمدد عملية “درع الفرات” التي تقودها تركيا، رغم أن قوات سوريا الديمقراطية دفعت بقوات قوامها نحو 30 ألف مقاتل، وهو عدد غير كافٍ لتحرير الرقة، هذا أولاً رغم الشكوك حول هذا الرقم.
كانت تركيا قد أعلنت عن بدء عملية “درع الفرات” بتاريخ 24 آب 2016 وهي تهدف بالدرجة الأولى لإبعاد “داعش” عن حدودها، وتحصين أمنها القومي، بما يكفل قطع الطريق على قوات سوريا الديمقراطية لتأسيس مشروعها “روج آفا” في شمال سوريا، والذي يقوده حزب الاتحاد الديمقراطي، التي تشكل قوات حماية الشعب عماده الرئيسي.
عملية “درع الفرات” وصلت إلى محيط مدينة الباب، شمال شرق مدينة حلب، والتي تسيطر عليها داعش، وتحاصرها من جهة الغرب قوات البيدا، التي اصطدمت أكثر من مرة مع قوات “درع الفرات” الساعية لطرد قوات سوريا الديمقراطية إلى مناطق غرب الفرات، وهو ما استدعى سحب بعض وحداتها من محيط الرقة باتجاه مدينة الباب للتصدي لقوات درع الفرات.
الآمال التركية أكثر من جديّة في توسيع نطاق عملية “درع الفرات” باتجاه محاربة داعش في معقلها الرئيس في الرقة، وتجلّى ذلك في التوسع بتدريب قوات الجيش الحر ضمن معسكرات خاصة، والتي قامت بتخريج الدفعة الأولى منهم مؤخراً، ومشاركة الفرقة 101 شرقية كقوة أساسية في معاركها بمحيط مدينة الباب، والتي تمكنت من تحرير عدد من القرى، منها الشيخ ناصر وصويران التي كانت خاضعة لقوات سوريا الديمقراطية.
الدور الأمريكي في معركة الرقة، منذ البداية، كان واضحاً انحيازه لمساندة قوات سوريا الديمقراطية، مع إعطاء دور للأتراك في المعركة، رغم أن قوات سوريا الديمقراطية أعربت عن رغبتها بعدم مشاركة الأتراك في هذه المعركة، وبالمقابل رفضت تركيا مشاركة قوات البيدا في أية معركة مرتقبة لتحرير الرقة، رغم التجاذبات في تصريحات الدول الإقليمية والدولية، كما أنها جاءت ضمن سياق متباين مع رغبة سياسي الرقة وناشطيها وقواها المدنية التي طالبت مجتمعة من مبعوث الخارجية الأمريكية المختص بهذا الملف عن رغبتها بأن تكون القوى المحررة للرقة من أبنائها، وتحفظها تجاه قوات سوريا الديمقراطية، وإصرارها على دور تركي في هذه المعركة. رغم كل ذلك ضربت قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من أمريكا عرض الحائط بهذه المطالب، وسعت لاستمالة القوى العشائرية في المنطقة، وبحثت عن موالين من القوى المدنية لتشكيل مجلس محلي لإدارة المدينة حال تحريرها، رغم أن لمحافظة الرقة مجلساً محلياً معترفاً به من الحكومة السورية المؤقتة، والائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة.
أما على الأرض، وبعد إعلان قوات سوريا الديمقراطية عن بدء معركة تحرير الرقة، وتحرك قواتها تحت مسمى “غضب الفرات”، بدأت طائرات التحالف الدولي بضرب مواقع المدنيين في بلدة الجرنية وقراها بدءاً من تل عثمان ومروراً بشمس الدين والزريجية وصولاً إلى الجرنية نفسها، وآخر الغارات التي شنتها طائرات التحالف استهدفت محطة مياه الشرب في الجرنية، والتي راح ضحيتها أكثر من ثمانية شهداء وعشرات الجرحى، كما استهدفت الطائرات الحربية المواقع المدنية شمال الرقة، وتحديداً في محيط بلدة عين عيسى والهيشة والكالطة والعبّارة وحزيمة ولقطة والخنيزات والشيخ حسن، ما أدى لاستشهاد العشرات، ونزوح أهالي هذه المناطق إلى البراري، في مشهد يعيد إلى الأذهان تغريبة جديدة لأهل الرقة، حيث لا ماء ولا غذاء ولا مأوى، وسط غياب أي شكل من أشكال الدعم المادي والمعنوي، ما خلا بعض المحاولات الخجولة، حيث تُرك الناس هائمين على وجوههم في البرية، وسط تقدم قوات سوريا الديمقراطية، ومحاصرتها الرقة من ثلاثة محاور، وتركز دفاعاتها حول الرقة، التي أصبحت في مرمى المدفعية والصواريخ، فيما قوات النظام وقوى الاحتلال الروسي والإيراني يعملون على مد سيطرتهم على سوريا “المفيدة” فقط، ضمن استراتيجية تكرس التجزئة والتقسيم، وترك شمال وشرق سوريا لقوى الإرهاب والنزعات الانفصالية لميليشيات صالح مسلم وأتباعه، وما تعمل عليه الإدارة الأمريكية في سياسة الإدارة من الخلف تجاه هذه المنطقة.
ماذا عن أهل الرقة، وهل هم في وارد قيادة معركة تحرير مدينتهم من داعش؟ الوقائع على الأرض تؤكد أن جبهة ثوار الرقة، التي يقودها لواء ثوار الرقة، قد أعلنت الرقة منطقة عسكرية أكثر من مرة، وعن قرب بدء معركة تحريرها، وأن ساعة الصفر قد دنت، وكان آخرها بتاريخ 29 تشرين الأول 2015 وجاء في الإعلان أن جبهة ثوار الرقة تعلن الرقة منطقة عسكرية واقتراب ساعة الصفر لتحريرها من داعش، لكن هل كان هذا كافياً، وما مدى جديّة هذه التصريحات، وهي لا تمتلك من القوة ما يؤهلها لتحرير المدينة التي تعد إحدى قلاع داعش الهامة؟
تؤكد المصادر المحلية أن باستطاعة قوات جبهة ثوار الرقة قيادة معركة تحرير الرقة إن تسنى لهذه القوات الإسناد الجوي والمدفعي الكافي، ومشاركة قوات الجيش الحر بمختلف فصائله الوطنية، خصوصاً المحلية التي أشرف على تدريبها الجيش التركي، والمنضوية الآن ضمن قوات عملية درع الفرات، وأنها تستطيع بهذه العدّة والعتاد أن تحرر المدينة من داعش، وتفتح الطريق على مصراعيه باتجاه تحرير مدينة دير الزور، تزامناً مع معارك تحرير الموصل، وهو ما ينهي أسطورة “داعش” في المنطقة، والتفرغ نهائياً لمقارعة النظام ومحاربته لإسقاطه نهائياً.
وبالمقابل هل تشهد الساحة السياسية حراكاً حقيقياً يعيد إلى أهل الرقة زمام المبادرة، وأن يكونوا على قلب واحد، ويخرجون بكلمة واحدة وصوت واحد، يؤكد حضورهم الجدي والفاعل في المشهد القادم للرقة وما حولها، أم يبقوا قابعين خلف شاشاتهم الزرقاء، يتبادلون التهم والتخوين بانتظار من يعيدهم إلى بيوتهم.
عن صحيفة الحرمل