مازن الحسون – الرقة بوست خاص
تستيقظ في الصباح ، تنظر الى الساعة في هاتفك الجوال (ذلك لأنّه لم يتبقَ أيّ نقودٍ من النقود التي أعطوك اياها لشراء حاجة المنزل لتشتري بها ساعة حائط) إنّها السابعة والنصف !!!
تقفز من الفراش بفزعٍ فلديك موعدٌ بعد نصف ساعة فقط ، هذا الشهر لم يرسل لك “الجوب سنتر” (مكتب العمل) كامل نقود الإعانة ، هناك ثلاثمئة يورو ناقصة ، فتأخذ منهم موعد لتفهم السبب ، بالكاد لديك الوقت لتغسل وجهك وترتدي ثيابك وتخرج من منزلك مسرعاً دون فطور ، تهبط على الدرج فتتذكر أنك نسيت كشف الحساب من البنك فتعود مسرعاً وتفتح الباب وتدخل لأخذه ثمّ تنزل على الدرج مرّةً آخرى ، في الطابق الارضي تلقي نظرةً خاطفة على علبة البريد ، لديك “بوست” رسالة جديدة ، تأخذ الرسالة وتمضي مسرعاً الى الخارج ، تسير باتجاه محطة قطار النقل الداخلي ، تصل اليها في الساعة الثامنة الا ربع ، تركض بسرعةٍ صاروخيّة لأنّك رأيت القطار قد وصل ، واذا فاتك عليك أن تنتظر عشر دقائق وبذلك ستتأخر على الموعد ، واذا تأخرت دقيقة فسيقوم الموظف بالغاء موعدك ، يضع أحد الركّاب الألمان يده على الباب ليمنعه من الاغلاق ، فتتمكن من اللحاق به ، “Danke ” تشكر ذلك الألماني.
تشعر بالقليل من النصر لأنّك ستتمكّن من الوصول الى موعدك في الوقت المحدد ، تتذكر الرسالة التي وجدتّها في علبة البريد ، تمزق الغلاف وتخرج الرسالة منها ، تقرأ المكتوب فيها فلا تفهم شيئاً أبداً سوى المبلغ 125 € يورو وكلمة “Rechnung” فاتورة أي مخالفة كما نراها نحن السوريين ، من شركة فودافون ، لأنّهم حاولوا أن يأخذوا من حسابك البنكيّ القسط الشهري لجهاز “الجلاكسي إس 6” الذي أخذته منهم بالتقسيط ، والذي سُرِق منك لاحقاً ، ولم يستطيعوا أخذ مالهم ، ترتفع حرارة جسمك بعد هذه المخالفة ، وتلعن الساعة التي أخذت بها هذه الجهاز ، مع بضعة لعناتٍ لحظّك المشؤوم ، تصل الى محطة القطارات الرئيسيّة في المدينة “Dortmund Hauptbahnhof ” وتركض مسرعاً الى الخارج ، وسط نظرات المارّة الذين يسيرون بهدوءٍ في المحطة ، لكن كلّ ما يهمك الآن هو أن تحلق بموعدك ، كي لا تضطّر الى الإنتظار أسبوعاً آخر وبالتالي زيادةً آخرى في فواتيرك .
تصل الى “الجوب سنتر” وتصعد الدرج اثنتين اثنتين ، لتصل في الثامنة الا دقيقة الى باب الموظّف ، تطرق على الباب وتدخل “Hallooo ich habe einen Termin ” مرحباً لديّ موعد ، الموظف يتحدّث الى الهاتف ويطلب منك الإنتظار بالخارج ، تخرج وتنتظر مع جموع اللاجئين العاطلين عن العمل ، تصادف أحد أصدقائك، وتبدأ الأسئلة بالهطول عليك وأنت في وضعٍ مقرف ، فلا يزال النعاس يسيطر عليك ، ولا رغبة لك بالحديث مع أيّ كائنٍ ، كما لو كنت حاقداً على البشريّة :
-يا فلان ماذا تفعل هنا؟؟
-لم يرسلوا لي مبلغ الإعانات بالكامل هذا الشهر ، هناك ثلاثمئة يورو ناقصة !!
-“العمه !!” أعانك الله عليهم ، أنا هنا لأنّ …..
ويبدأ بشرحِ قصّته ولما هو هنا ؟ وأنت بالكاد تستطيع الكفاح لتبقى يقظاً .
بعد ربع ساعة ، يُفتح الباب ويخرج الموظف :
-“Bitte” تفضّل
تدخل اليه وتسأله هل يتحدّث الإنكليزيّة ؟ يجيب بالنفي ، وتبدأ بشرح مشكلتك بلغتك الألمانيّة المُكسرة ، وعندما لا يفهم ما تقول ، تخرج له كشف الحساب البنكي ، “ach soo” بدأ يفهم القصّة ، يشرع بالبحث عن اسمك في حاسوبه ، يبقى حواليّ الدقيقتين يقرأ ويتفحّص ملفك ، ثمّ يبدأ بالتحدث معك باللغة الألمانيّة الصعبة ، لغة المكاتب ، هو يتحدث بسرعةٍ وأنت بالتأكيد لا تفهم ممّا يقول شيئاً ، فقط تكتفي بأنّ تهز رأسك موافقاً ، كما لو كنت “أطرش في زفّةٍ” ، فإذا أخبرته بعجزك عن فهم ما يقول ، حتماً لن يكترث لعدم فهمك وقد يطردك خارج المكتب بحجة عدم إحضارك مترجم الى الموعد .
يتبيّن له أنّ هناك خطأً ما ، فقد ظنّ “الجوب سنتر” مكتب العمل بأنّك تعمل ولديك دخلٌ آخر لذا خفّضوا مبلغ الإعانات الشهريّة ، كيف ظنّوا وكيف وصلوا الى هذه النتيجة ، لا أحد يعلم ، يطلب منك الخروج وتفهم من كلامه أنّهم سيرسلون لك رسالة الى بريدك ، وتخرج دون أن يعتذر لك عن ال125€ يورو التي سببها لك مع شركة فودافون ، فيكتفي بعبارة “هذه ليست مشكلتي” .
تخرج من المبنى مُسرعاً وتتجه الى المحطة ، الساعة التاسع وعشرة دقائق ولقد تأخرت على المدرسة ، يفوتك القطار الأول وتنتظر عشر دقائق في المحطة ، تراقب الناس في المحطة بهيئتك المزرية ، الشعر المبعثر غير المصفف ، فلم يكن لديك الوقت لتصفيفه ، وتخفي رائحة فمك بكوب قهوةٍ سعره 1.50 يورو وكعكة بذات السعر ، لقد أنفقت هذا الصباح ثلاثة يوروهاتٍ ، قد يبدو لك المبلغ سخيفاً وقليلاً لكنه ليس بالمبلغ السخيف لدى اللاجئ المُثقل بالفواتير والمخالفات الذي يأخذ معونته من مكتب العاطلين عن العمل .
تصل الى المدرسة مُتأخراً ساعةً ونصف الساعة ، تنظر الأنسة لك بغضبٍ رقيق ، وتكاد تطردك من الدرس ، لكنّك تُسرع حاملاً دليل برائتك (رسالة الموعد لدى مكتب العمل) فتسمح لك بالدخول ، في الحقيقة معظم الأنسات الألمانيات لطيفاتٌ حقّاً .
في اليوم التالي تستلم رسالةً من الجوب سنتر ، لا تفهم منها شيئاً على الإطلاق ، حتّى مترجم “غوغل” يعجز عن ترجمة بعض الكلمات ، صدقاً ، أمّا الكلمات التي استطاع ترجمتها ليست بمفهومة وغير ذات معنى ، تأخذ الرسالة الى المدرسة وتريها لأنستك ، تتفاجىء الأنسة وترسم أشكالاً عجيبة على وجهها ، ذلك من شدّة دهشتها وعدم قدرتها على فكّ رموز هذه الرسالة ، كما لو كانت شِفرةً سريّة ، تخبرك بأنّها فهمت من هذه الرسالة أن مكتب العمل سيقوم بإعادة النقود الناقصة اليك خلال بضعة أيامٍ أو اسبوع ، هنا تعود الى المنزل وتحضّر نفسك الى دزيّنة من الفواتير والمخالفات ، انترنت ، عقد هاتف جوّال ، كهرباء ، لتستلم الثلاثمئة يورو بعد عدّة أيامٍ وتوزعها على هؤلاء ، ليتبقّى لك منها خمسة يوروهاتٍ فقط.
