الرقة بوست – خاص
يوسف دعيس
نجح الأسد بمعونة من الروس والإيرانيين وحزب الله والميليشيات الطائفية بالسيطرة على حلب الشرقية، التي استعصت عليه أكثر من أربع سنوات، بعد أن أمطرها بالصواريخ والقنابل والكلور والنابالم والفوسفور، ودمر طيرانهم البيوت والجوامع والكنائس، وحولوها إلى خرائب، وها هو المعتوه يستعد للرقص على جثث القتلى، وعلى أنقاض عمائر شيدها أهالي حلب بالعرق والدم.
نجح الأسد في اقتحام حلب، كما نجح المغول في اقتحامها في غابر الأيام، فالتاريخ يقول لنا أن هولاكو تمكن في الخامس والعشرين من كانون الثاني سنة 1260 من احتلال الشهباء، التي صمدت كثيراً أمام همجية المغول، الذين استباحوها سبعة أيام بلياليها، وأعملوا سيوفهم بالرقاب، وسالت الدماء، وذبحوا أهلها وسبوا نساءها وأطفالها، واغتصبوا الحرائر، ونهبوا القصور والبيوت والمتاجر، ودمروا البساتين، وحرقوا الزرع والضرع، ونشروا الخراب في كل مكان، وقيل أيضاً أن نهر قويق قد اصطبغ بالأحمر القاني، وهو ما أراح هولاكو الذي رقص وجنده على جثث أهل حلب في مقتلة كبرى لم يشهدوا مثلها من قبل.
القصص الواردة من حلب في هذه الأيام تتحدث عن جثث تملأ الطرقات، والناس هائمة في الشوارع على غير هدى، في صورة تعيد إلى الأذهان هولاكو وجنده الغزاة المدججين بالدم، وتعيد أيضاً مشهد الدمار الذي حلّ في حلب إثر الزلزال العنيف الذي ضربها في آب سنة 1822 والذي يصف وقائعه الشيخ كامل الغزي في كتابه “نهر الذهب” على لسان أحد شهود الزلزال، يقول: “وسطع في جو الفضاء ضوء أشرقت به الدنيا إشراقها بالشمس تتجلى في ذروة الفلك الأعلى فرفعنا أبصارنا إلى العلاء فرأينا هذا النور الساطع صادراً من كوة مفتوحة في كبد السماء كأنها نافذة من نوافذ جهنم، وما كدنا نرجع أبصارنا إلى الحضيض حتى أوقر أسماعنا دوي كهزيم الرعد، وإذا بالأرض قد مادت بنا يمنة ويسرى والنجوم أخذت تتناثر وتتطاير في أفق السماء كشرر يتطاير من أتون، ثم انتفضت الأرض أربع مرات متوالية أزاحتنا عن مقاعدنا، فنهضنا على أقدامنا وما منا أحد إلا وقد أحس بدنو أجله كأن السماء وقعت عليه أو الأرض كادت تنخسف تحت قدميه فصرنا نكرر الشهادتين ونضرع إلى الله”. ويقول الغزي إن الذين ماتوا تحت الردم في هذا الزلزال العنيف تجاوز الخمسة عشر ألف نسمة.
ثلاث حوادث مرّت على حلب متلاحقة، إحداها من ظواهر الطبيعة التي من الممكن أن تحدث لأي مدينة في العالم، أما ما جرى علي يد هولاكو وجيش النظام فيفوق التصور، مع الفارق بين الحادثتين من حيث عدد القتلى وحجم الدمار قياساً بعدد السكان، والتوسع في الأبنية الطابقية والبرجية، والتفنن بأشكال القتل والاغتصاب.
أليس غريباً أن يكون قاتلك من أبناء جلدتك، أترى إن قلنا: “إن التاريخ لن يرحم”، هل نكون أنصفنا الناس، أم للتاريخ كلمته، فمن يكتب التاريخ أصحاب القوة والمال والجاه، فليس ببعيد مجازر حماة التي راح ضحيتها أكثر من 40 ألف إنسان، والتي اقترفها الأسد الأب بدم بارد، دون أن يتعرض للسؤال أو المحاكمة.
ضحايا هولاكو والأسد الأب، لم يتسنَ للتاريخ توصيفها لغياب التقنيات وآلات التصوير والفضائيات والميديا المتطورة، لكن ماذا عن ضحايا اليوم في حلب؟ وماذا عن الجرائم المرتكبة بحق الشعب الأعزل؟ في ظل وجود كل هذه التقنيات، والتطورات الحاصلة في الميديا بما تمتلكه من قوة تمكنها من تسخير الأقمار الصناعية، التي تستطيع تصوير الكائن في غرفة نومه.
مشكلتنا ليست في التاريخ ولا في الميديا وتطورها الرهيب، مشكلتنا يا سادة أننا خرجنا لأجل الحرية وانتصرنا للكرامة، فمن ينصفنا؟ أم ننتظر أن يأتي غزي آخر لنقل وقائع ما جرى على ألسنة المعمرين الذين شهدوا الموت والدمار؟! وليس ببعيد من يأتي ليجري مقارنة بين أحداث سنة 1260 وأحداث سنة 2016 ويقول ما أشبه اليوم بالأمس..!
كاتب وصحفي سوري