الرقة بوست – خاص
د. رشيد الحاج صالح
يعاني غالبية السوريين, هذه الفترة, من حيرة في أمرهم حول الموقف الذي يمكن أن يتخذوه تجاه التطورات الأخيرة لثورتهم ضد الطاغية, في ظل تصدر الفصائل الإسلامية للمشهد الثوري, وانفرادها بتمثيل الثورة والدفاع عنها. وتعود تلك الحيرة إلى ثلاثة أمورعلى أقل تقدير:
الأول, أننا كسوريين بسيطين نمتلك فكرة عامة عن الإسلام مفادها أنه دين عدالة ومساواة وإحقاق لحقوق الناس, وبالرغم من ذلك لم نرَ أي حضور لتلك القيم في سلوك وأفعال الكتائب الإسلامية المسلحة التي ترفع رايات الإسلام وتريد تطبيق شريعته.حتى أن تلك الكتائب بالغت كثيراً في همجيتها وطغيانها واستهتارها بالقيم الإسلامية السمحة بطريقة تماثل أكبر الهمجيات التي مرت على البشرية خلال تاريخها الطويل.
أما الأمر الثاني المُحير فيعود إلى أن تلك الفصائل, وعلى الرغم من أنها أوصلت الثورة إلى طريق شبه مسدود عبر اعتمادها الكلي على الممولين والارتهان لمصالهم أولاً, واقتصارها على الخيار المسلح ثانياً, إلا أنها ترفض رفضاً قاطعاً أي تغيير في استراتيجياتها أو طرق عملها أو أولوياتها, بمعنى آخر إنها لا تشعر بالمسؤولية تجاه الثورة ومستقبلها الذي يلفه الغموض, على الرغم من أنها تعتبر نفسها الممثل الرئيسي للثورة. فكما هو معلوم الاعتماد على نفس الطرق القديمة وانتظار نتائج جديدة أمر يناقض المنطق والعقل, وحتى الأخلاق.
أما ثالث الأمور المحيرة بالنسبة للسوريين فيعود إلى عدم فهم كيف تريد هذه الكتائب الإسلامية تمثيل الثورة وقيادتها وهي لا تعترف بأهدافها وتطلعاتها للحرية والديمقراطية وإقامة مجتمع مدني يسوده القانون؟ دون أن ننسى تنكرهم لمن أشعل فتيل الثورة وبقي لأشهر طويلة يتلقى رصاص الأجهزة الامنية بصدره العاري (تُقّدر أعداد من استشهد في السنة الأولى للثورة بـ 8 آلاف والمعتقلين بـ 200 ألف معتقل), لتواصل تلك الكتائب مهمة قتل الناشطين وخطف أعداد كبيرة منهم (تهمة ناشط في الرقة تعني الإعدام من قبل داعش).
عدم حسم السوريين لتلك التناقضات بينهم وبين أنفسهم يؤدي إلى نتائج وخيمة عليهم وعلى الإسلام معاً؛ فعدم الحسم والفصل التام بين الإسلاميين والثورة يعني أولاً السكوت على متاجرة تلك الكتائب بالدين الإسلامي, وهي تجارة مربحة بلا شك بالنسبة لقادة تلك الكتائب. وهذا يعني أنه لا بد من إدراك الاختلاف الجوهري بين تلك الكتائب من جهة، وبين الثورة والإسلام من جهة ثانية بنفس الوقت. يبنى على ذلك أن دعوة السوريين تلك الفصائل إلى التوحد وإكمال المشوار ومحاسبة الفاسدين أمر ليس له أي معنى, ويشبه من يريد أن يشعل النار بالماء, لأن تلك الفصائل لا يعنيها الإسلام ولا الثورة ولا السوريين لا من بعيد ولا من قريب, إلا في حدود استثمار تلك المكونات في بقائها. وبالتالي هي دعوات تدل على قصور حاد في الوعي السياسي ناتج عن الفوضى التي تعيشها الثورة السورية هذه الأيام, ولا تذكرنا تلك الدعوات إلا بدعوات المؤتمرات القطرية لحزب البعث لبشار الأسد بضرورة القيام بإصلاحات كبرى.
المشكلة الأخرى التي ظهرت, بسبب عدم حسم السوري لمواقفه من الإسلاميين, هي استمرار السوريين في التفكير بشؤون الثورة ومستقبل سورية بمنطق ولغة وطروحات الكتائب الإسلامية نفسها. هكذا تجد أعداداً كبيرة من السوريين ينتقدون الكتائب الإسلامية ويخوِّنونها وعلى الرغم من ذلك يستخدمون لغتها ومصطلحاتها, ويقسمون السوريين بنفس الطريقة التي قسمتها تلك الكتائب.(تقسيم السوريين إلى طوائف وعرقيات وفرق أمر يفيد تلك الكتائب بنفس الطريقة التي يفيد بها النظام الأسدي, على اعتبار أن تقسيم الناس يسهل الهيمنة عليهم ). فتجد المصطلحات الطائفية والعرقية تلوث غالبية النقاشات السياسية وصفحات التواصل الإجتماعي دون أي شعور بالمسؤولية تجاه الآخر. وهذا طبعاً مردُّه إلى الثقافة السياسية للنظام الأسدي وتلك الفصائل التي تقوم على ضرورة تخوين الآخر لتعزيز الخوف منه وعدم تقبله في المستقبل تحت أي ظرف من الظروف.الدين الإسلامي شيء والقوى والكتائب والأحزاب الإسلامية شيء آخر ليس له علاقة بالإسلام إلا في حدود استغلال العواطف الايجابية للناس العاديين تجاه دينهم, هذا كل ما في الأمر.وعلى ذلك فإن الانجرار وراء تلك الكتائب هو عمل لا ديني, وخيانة للدين الإسلامي نفسه, على كل السوريين التنبه لها, فكيف لشخص يحترم دينه يسمح للآخرين باستغلاله وتشويهه والهيمنة على الناس باسمه, وهذا يعني أن المشكلة هنا هي مسؤولية الجميع.
والمشكلة تتوسع إذا علمنا أن علم النفس الاجتماعي يقول: إن شعور المرء بالحيرة والتناقض تجاه أمر ما لا يؤدي إلى تغيير في قناعاته بشكل مباشر, لأن مسألة تغيير القناعات في غاية الصعوبة وتحتاج لوقت, سيما وأن قناعات الناس وأفكارهم عن أمر ما هي جزء عزيز من شخصيتهم. وعلى ذلك فإن السوري اليوم مدعو, أكثر من أي وقت مضى, في ظل تسارع وقائع الثورة التي تهددها, إلى بلورة قناعة واضحة وصريحة مفادها أن القوى الكتائب الإسلامية ليس لها أية علاقة لا بالإسلام ولا بالثورة ولا بالسوريين من الأساس, وأنها ليست أكثر من أحد مظاهر الفوضى التي تتعرض لها الثورات عادةً.
الثورة في الفقه الإسلامي هي ” فتنة ” لعن الله موقظها. هذا هو تعريفها في عشرات كتب الفقه الإسلامي, وهكذا تحدث الدكتورمحمد سليم العوا وهو أحد المحسوبين على الأخوان المسلمين في مصر, قبل أسابيع من اندلاع الثورة المصرية. وهذا يعكس تاريخ الفقه الإسلامي الذي كُتب أغلبه في الغرف الخلفية لقصور الملوك والأمراء, ولذلك نجده فقه محافظ يسعى لترسيخ ثقافة الطاعة والولاء للسلطان عبر تلبيسها بفكرة الولاء والطاعة للدين, مثلما أنه فقه يرفض أي تغيير وينصب جل أهتمامه على التفريق بين المسلمين وتكفيرهم لبعضهم البعض (عشرات الحروب والصراعات الإسلامية الإسلامية كانت بفتاوي شرعية).لكي يسهل للحاكم أمرالسيطرة على الرعايا ( كما ذكرنا قبل قليل)؟
ما علينا .. نرجع لثورتنا وإسلامييها. الثورة ثورة في العقل وليس فقط في الشارع والمعتقلات وجبهات القتال, لأن الثورة هي صراع من أجل حرية الإنسان وكرامته وليس من أجل عقائده, فما كان يفتقده السوري ليس دينه( في عهد بشار الأسد كان السوريين يمارسون عباداتهم بحرية مطلقة , كما أن بناء الجوامع وافتتاح دور تحفيظ القرآن وصل لأرقام قياسية), بل كان يفتقد حريته وكرامته بكل بساطة.