الحَوَّاج مصطلح ربما لا يعرفُه أويستعمله إلا أهالي المنطقة الشرقية، محافظات الرقة وديرالزور والحسكة، وهو يُعَرِّفُ البائع المتجول في الأرياف والبراري حيث البادية المنقطعة عن كل أسباب التزود بالحاجات أو شرائها. والحَوَّاج مهنة متواضعة وشريفة رغم نظرة الناس المستعلية المزدرية والمستخفة بها، وأحياناً يسمى الحواج بـ”الشَرشي”، بالشين المُعَطَّشَة، وهي من المصالح التي ندرت في الفترة الأخيرة وأوشكت على الانقراض بسبب وفرة الآليات والمواصلات التي سَهَّلت اتصال الناس ببعضهم.. وتقوم تجارة الحَوَّاج بكاملها على بعض البضائع البسيطة، كالإبر والخيطان والمُخُط ولمبات وفتائل مَضْيَأة الكاز والعلك وبعض السكاكر وحباسات شعر وأنواع عطور ومكاحل رخيصة.. وقد لاتُقَوَّمُ كلُّ بضائع الحَوَّاج بأكثر من مائة أو مائتي ليرة سورية في تلك الآونة، والتي يملأها في خُرجين واسعَين على ظهر جحشٍ قوي البنية، وقوامُ تجارته غالباً ما تُضْطَرُّه الى مقايضة بضاعة ببضاعة، فيبيع الإبرَ بقليلٍ من السمن العربي مثلاً، والسكاكر ببعض الجبن، وهكذا.. فإذا لم تكن مواسم الأغنام قد بدأت، وكان أهل الوَبَر لايملكون ما يبادلون به الحَوّاج فإنهم يَعِدُونَهُ إلى قابل: حتى موسم الربيع القادم أو الشتاء القادم، فيتواعدون عند مكان معروف في البادية على أمل اللقاء بعد أشهر، فيُسَجِّلُ الحَوّاج ديونه عليهم، وينتظر الموسم حيث اللقاء القادم بهم سيكون عند البئر الفلانية أو التلة العلانية في قلب البادية..
لاغبارَ على مهنة الحواج ولا انتقاص لشخصه ومصلحته إلا في كونِه لا يستطيع أن يُطَوّرَ في تجارته، ولا أن يغيرَ في بنية عمله، بحيث يسمح بتحسين أوضاعه وزيادة ربحه، فرأسماله هوَ هوَ، لا يتبدل ولا يتغير،(لأنه مرهونٌ بسعة خرج الحمار الذي لن يقوى على السير محملاً إلا بمقدارٍ معينٍ من الحمولة)، وهكذا يقضي شطر العمر وكل مكونات تجارته قائمة على الحمار والخرجين وبضاعة لا تتعدى المائتي ليرة وبعض طعام وشراب يتزود به في البادية وبعض علف الحمار ودفتر الديون..
أجد من الصلة والعقلية والبنية العامة لكثير من المعارضات السورية التي ظهرت في سني الثورة، وبعض المؤسسات التي ادعت تمثيل الشعب السوري وثورته، علاقة ارتباط وثيقة بمصلحة الحَوّاج؛ ما يحقق بينهما قاسماً مشتركاً أعظمَ، وقرينة تشابه؛ فالمعارضات”الثورية”، أو معظمها، حسبت أن الثورة لا تحتاج إلى أكثر من بضعة بضائع بسيطة وسهلة، كرأسمال الحَوّاج: بعضُ الأسماء الطنانة الرنانة في أجواء المعارضة التاريخية السابقة، ثم بيانٌ من صفحة أو صفحتين تكثر فيه عبارات الديمقراطية والقضاء على الديكتاتورية والعدالة والمساواة بين السوريين والانتخابات الحرة النزيهة..الخ.. ثم دولة داعمة تلعب دور الأم والأب فيما هم يلعبون دورَ الأطفال القُصَّر، ثم توزيع بعض المهام والمكاتب، وأخيراً غرفة في أحد الفنادق لقيادة الثورة السورية عبر “سكايب”، وحمل مسؤولية القرارات التاريخية في تمثيل وقيادة الشعب السوري..
حين يفشل الحواج عادة، وحين يصاب بكارثة تجارية مهددة ،يعمد إلى خطط إصلاحية جذرية وبديلة: يبيع الحمار ويشتري بدلاً منه حماراً آخر، ويبيع البضاعة ويشتري بدلاً منها بضاعة جديدة، وأيضاً لا تتجاوز قيمتُها المائتي ليرة، ويرمي بالخرج القديم ويشتري عوضاً عنه خرجاً جديداً، ثم يطوح بدفتر الدين المهترىء ويشتري دفتراً جديداً لتسجيل الديون الجديدة، ثم ينطلق في تجارته الجديدة في الأعم الغالب على نفس الطرق، ومع نفس الناس السابقين وعند ذات المحطات والتوقفات في الريف والبادية، والتي لا يعرف غيرها على الأرجح.. أما المعارضة فإنها، وبعد كل فشل، وعقب كل كارثة، وعند إحساسها بالانهيار لدى محطات العطب المزمنة، فإنها سرعان ما تعلن عن انسحابات وحل هيئات ومراجعات وإقالات ومحاسبات.. ثم تبادر في اليوم التالي إلى دعوة الناس لإنقاذ سوريا وحماية الثورة، فتصدر بياناً جديداً، قوي اللغة والسبك والصياغة، كسابقه من البيانات، وتعيد تشكيل بعضها من جديد.. ومثل رأسمال الحواج، بنفس الرأسمال السابق: دولة ممولة ومضيفة، وغالباً بمعظم الأسماء السابقة،(حتى أن المراقبين الدوليين للواقع السوري شرعوا يتساءلون: ألايوجد في سوريا سوى هؤلاء؟)، ثم تشكيل مكاتب جديدة يستبدل فيها منصب عضو الدائرة السياسية السابق بمسمى مسؤول قطاع الزراعة والصناعة مثلاً، فيباشر المسؤول مهامه فوراً، وبعد التوكل على الله، في تطوير الزراعة والصناعة في سوريا وهو مستلقٍ على فراشه في الفندق.
لا ألوّحُ من خلال ماسبق بإشارات إلى جهة مقصودة، كما قد يفهم من سياق القول، ولست بوارد التنصيص على المجلس الوطني أو الائتلاف أو حكومة طعمة أو حكومة أبو حطب أوغيرها من التشكيلات والتجمعات القديمة والجديدة، لكنني أريد أن أصل إلى النتيجة التالية: إن السوريين يحتاجون اليوم إلى برنامج سياسي تنفيذي الطابع، قابل للحياة والعمل والتطور، برنامج محدد ومُلَزَّم بمِلْزَمة زمنية، وله غايات واضحة الجدوى، ومحتوى ومضمون له كل متاحات وقابليات المراقبة والمحاسبة، والكفاءة المطلوبة في مراقبة تطور الحدث العام بنفسه ومن داخله .
ولم يعودوا بحاجة إلى قادة من ذوي الكارزما والحضور، برنامج يقوم على منطق وحسابات مزودة بأرقام وحقائق يحددها الواقع، وله قابلية الفاعلية وليس المضي فقط مع ردات فعل الواقع، وشراكات واضحة مع القوى الدولية والإقليمية، مكتوبة ومشفوعة بضمانات، وقبل كل هذا يجب الدعوة الى تشكيل جمعية وطنية عامة تمثل دورة برلمان الشعب السوري في هذه الظروف، قادرة على إدارة المهام المنوطة بها على الارض السورية مباشرة، وهي مسؤولة عن كامل تفاصيل مصائرهذه الإدارة سياسياً وقانونياً.
تخيلوا معي مجرد تخيل لو أن الذين قادوا الثورة الفرنسية قادوها برأسمال”حوّاج”، وأن ماو تسي تونج وغيفارا ورفاقهما قادوا الثورة في الصين وفي بوليفيا برأسمال”حوّاج”، وأن لينين قاد الثورة البلشفية برأسمال “حوّاج”.. ثم لنقرَّ معاً أنه ما بقيت بضاعتنا السياسية قاصرة على آليات عمل الحَوّاج ومحدودية رأسماله وأفق تطوره المحدود، فعلينا إذن أن ننتظر خمسين عاماً أخرى قادمة، قبل أن يحقَّ لنا مجرد الحلم، ناهيك عن التفكير، في سوريا الجديدة.. سوريا المستقبل التي نحلم بها، وما زلنا .
معبد الحسون