مؤتمر”أستانة” القادم: (الشيطانُ وحدَه المسؤول عما حدث)!

معبد الحسون 

يتوقع مراقبون لتطورات الوضع السوري بعد حلب، وخلال هذا الشهر، كما سرَّبت بعض الجهات الروسية الداعية للمؤتمر والداعمة له، أنباءً غير مؤكدة عن موعد ربما كان في الثالث والعشرين من الشهر الحالي، موعد لاجتماع مِفصلي وهام، يجمع بعض أطراف المعارضة مع بعض أطراف النظام بغية وضع النقاط الأولى، والتوقيع على خارطة طريق الحل النهائي للحالة السورية المستعصية على كل حل.

من حيث الزمان وتوقيت عقد المؤتمر، سوف نلاحظ منذ البداية أن الموعد لم يحمل ميزة المصادفة في توقيت الاجتماع، فالموعد الذي يتزامن مع دخول “ترامب” للبيت البيضاوي والشروع في ممارسة مهامه الرئاسية في العشرين من الشهر الحالي، يجعلنا نميل إلى ترجيح التحليلات السياسية المرتابة والسيئة الظن بالروس، والتي تقترح بأن الروس ما كانوا يتجاوزون الخطوط الأمريكية قدر ما كانوا يرسمونها على الأرض، ويهيؤون المسرح السوري، بكمية العنف غير المسبوق في التاريخ، لحلٍ جهدت روسيا لإنجازه ووضعه على طاولة الرئيس الأمريكي الجديد منذ أول يوم لاستلام مهامه الرسمية، كما تحاول الولايات المتحدة أن ترسم من خلاله (الصيغة النهائية لسوريا) كما تريدها وتتصورها..

ومن حيث المكان أيضاً، فإن اختيار عاصمة أوزبكستان، أستانة، التي تُعَدُ “حضن الوطن” الروسي وحديقة خلفية على هوامشه منذ الحقبة السوفياتية، يعني أن الدعوة للمؤتمر والقائمين عليه ومُعِدِّيْ جدولَ أعماله هم الروس فحسب، ولا أحد غيرهم، ما يجعل المؤتمر ماركة روسية مسجلة في حسابات النجاح أو الفشل، ورسالة مبطنة ومشفرة للإيرانيين والأتراك ـ شركاء الطاولة المفترضين في الحل المفترض ـ على وجه أخص: مالنا لنا.. ومالكم أيضاً لنا..

وفي العموم فإن توقيت المؤتمر جاء في لحظة انكسار خط الصعود العسكري في واقع تطورات الملف السوري، وبدء صعود الحل السياسي،(والذي أتوقع أن يبقى مفتوحاً لسنوات قادمة).. وهذه نقطة مفتاحية لابد من تسجيلها لفهم جملة الحدث المقبل، وما مؤتمر أستانة إلا لحظة زمنية وفاصلة في تاريخ الملف السوري، ولا يتوقع من حيث الأهمية أن تكون له أكثر من أهمية قص شريط الافتتاح وإعلان بداية الحل..

أما من حيث اللازمان واللا مكان، فيجب علينا أن نعتقد أيضاً بأن شر البلية لا يُضحِكُ دائماً، وأن الأطراف الداعية والمدعوة إلى مؤتمر أستانة جميعُها تدرك (أولا تدرك) بأن المسألة السورية لم تعد فاكهة غضة وثمرة يانعة وجاهزة للأكل بسبب تعقيدات بنيوية كثيرة خلفتها السنوات السابقة، وليس متاحاً حتى هذه اللحظة أن تُخْتَزَلَ وتُختصرَ قضيتُها بمصطلحين لم يعودا يحملان كثيراً من المضامين الواضحة أو الدلالات المحددة، وأعني بذلك مصطلحي (النظام والمعارضة)، إلا لمن لا تتوسع مخيلته ومقدرات عقله لتصور الرياضيات في هذا الكون بأبعد من اختزالها بعمليات(الزائد والناقص) التي تعلمها في الصف الأول الابتدائي، وأن الملف السوري بات اليوم أبعدَ مما بين السماء والأرض عن أن يكون ملكاً لشيء اسمه (نظام) أو شيء اسمه(معارضة)..

جميع الأطراف المعنية بالحضور في مؤتمر أستانة الموعودين به تعتقد بأن المبدأ القائل:” الله يلعن الشيطان.. فالشيطان وحده هو المسؤول عما حدث”، هو مبدأ صحيحٌ وكافٍ في المرحلة الحالية لغسل ثوب الواقع الحاضر تمهيداً لارتدائه في المستقبل، كما تعتقد بأنها أنجزت ماتريد، وحققت ما تريد، وواضحٌ صريحٌ في تصورها كل ما أرادته من سوريا أو تفكر فيه مستقبلاً.. والأمر أشبه تناصَّاً وترادفاً في ذهنية جميع الأطراف المدعوة، من حكومة ومعارضة، بذلك القائد الروماني الذي انتبه فجأة إلى أحد الجنود الآسيويين وهو يقاتل في جيش روما، فسأله القائد الروماني: أيها الآسيوي .. نحن هنا نقاتل من أجل مجد روما وعِزَّتِها ورفعتها، فما الذي يدعو أمثالك كي تقاتلوا معنا..؟ أجاب الآسيوي: إنما أقاتلُ أنا من أجل المال ياسيدي.. فأجابه القائد:(صدقت.. فكلٌ منّا يقاتلُ من أجل الشيء الذي ينقصه).

رئيس التحرير 

اترك رد

Translate »