القصة الرقّية

الرقة بوست – خاص

عايد السراج

الذين يكتبون القصة الرقية كثيرون، منهم على سبيل المثال : خليل جاسم الحميدي – إبراهيم الخليل – عبد الله أبو هيف – سامي حمزة – أحمد محمود المصطفى – هيثم الخوجة – تركي رمضان ـ رشيد رمضان -أحمد المصارع –محمد الحاج صالح– بسام الحافظ – يحيى الكفري – خليل الرز – خليل الجرادي – محمد علي المزعل – محمد جاسم الحميدي – صبحي حمشو – إبراهيم كبة ـ  عبد اللطيف الجاسم – مصطفى حقي – نجاح إبراهيم ..وآخرون .
ومن كتاب : (( الدم ليس أحمر )) إعداد الدكتور ابراهيم الجرادي , الذي يحتوي على خمس عشرة قصة لخمسة عشر قاصاً، جميعهم من الرقة. وصدر هذا الكتاب عام 1984 وفي الكتاب قول ربيعة الرقي , الشاعر العباسي ابن الرقة :
حبذا الرقة دار وبلد         بــــلد ساكنه ممن تود
ما رأينا بلدة تعدلها لا       ولا أسمعنا عنها أحد
إنها برية بحرية سورها     بحر وسور في الجدد
وكذلك جرير الذي قال في الأنهار التي شققها هشام بن عبد الملك من الفرات بين الرقة والرصافة :
شققت من الفرات مباركات      جواري قد بلغن كما تريد
وقد ازدهرت الرقة وتقدمت في عصر هارون الرشيد، إذ كانت الرقة قبل عام 180 هجرياً / 699م مصيفاً له ومنها تنطلق غزوات الصائفة لحروب الروم , وهنا قصر الخلافة المعروف (( بقصر السلام )) وقد ذكر ( الجومرد ) أن مقر بلاط الرشيد ( قصر الخلد ) حين يكون ببغداد و( قصر السلام ) عندما يقيم في الرقة 0 وكلا القصرين من أفخم قصور الدنيا في ذلك العهد وأكبرها سعة ومجالاً، وقد بلغت الرقة في ذلك العصر أوج عصرها الذهبي إذ كان الرشيد يقول :

الدنيا أربعة منازل : دمشق والرقة والري وسمر قند

وكانت زبيدة تقول لمنصور النمري : قل شعراً تحبب فيه بغداد إليّ فإني أختار الرافقة عليها، هذه هي الرقة التي فيها كم كبير من كتاب الأدب والثقافة فالناس هنا بفطرتهم يعشقون الشعر والقصص والجمال ورمزهم في ذلك الفرات ، ومن الذين أجادوا في الشعر الكلاسيكي شاعر الرقة المرحوم فيصل البليبل والشاعر الكبير المرحوم: مصطفى الحسون الذي يسمونه بحتري الرقة ، أتصور أن القص ليس ذلك الذي يجتره الإنسان ليعيد رتابة الملل ويخيط الأثواب المهترئة مع بلادة الواقع، بل القص تبدّل وتغيّر صهرته كثافة الحياة وأصبح زمناً شاقولياً تحول في القص إلى جوهر القص , والإبداع إلى جوهر الإبداع وراحت البنية اللغوية تنفض عنها كل ما هو ليس متسارعاً وملموماً والقصة الرقية بشكل عام تعتمد على الحكاية وجوهرها بسيط ومترامي الأطراف , والحالة الشعبية الرقية ذات السمات الريفية تناسب هذا الجو نفسياً واجتماعياً ومعرفياً وهذا سبب الإقبال على كتابة القصة والعزوف عن الشعر إذ أن الشعر الحديث يعتمد على المعرفة والتخصصية منها , وهذه أهم الأسباب للعزوف عن كتابة الشعر رغم الاستفادة من الجملة الشعرية في القص أحياناً .

القصة طاقة كامنة بذاتها مثلها كمثل أي كائن متكامل مخلوق من رحم الحياة وخصائصها متفرعة منها، يضرب عميقاً في أعماق الأرض , ومنها من يسير على وجهه, وآخر لا هو بالسائر على وجه الأرض ولا هو بالضارب عميقاً فيها بل يعتاش على فتات ما تخلفه دوابها ، القصة كائن قديم قدم الإنسان وحاجته إلى التعلم والتعليم, فكل من حكى حكاية هي قصة فتعقدت القصة بتعقد الوعي ,ولملمت أطرافها وذيول أثوابها ليحافظ شكلها الخارجي على جوهر الكائن الذي تريد ، فالقصة حكاية – أو فكرة محكاة أو حادث ذو دلالة تطورت إلى كل هذا وذاك, في بناء متكامل له خصائص وسمات يعبر عنها بقدرات مختلفة تصل إلى ذروة الإبداع عند قلائل وهذا ما جعل الكثيرون يستسهلون كتابتها ويراكمون بساطتها على شكل كتابات نحترمها بأشكالها ومضامينها ولكن لا نسمح لها أن تثير الغبار على جلالة السيدة المبدعة القصة إذ أنه يتوجب على البشر أن يتمتعوا بالجميل المبدع ، وليس دائماً يكون مثالهم الغث مخترقاً جهالتهم في عوالم الأدب.

إن موضوع القصة شيق وجميل ولكنه شائك ومتناقض ومعقد بتعقد أشكال الوعي والنظر إلى الإبداع , فمفاهيم الجمال الراقي تحتاج إلى وعي كبير وتربية من نوع مميز وخاص , أما إذا كانت المسألة ( كله عند العرب صابون ) كما يقول المثل الدارج فتلك هي الطامة الكبرى , فغالباً ما نحتاج إلى أطنان منه لنغسل أدران الكلمات التي سودت نصاعة الورق, سأترك سيدة الجلالة القصة بمفاهيمها وأنماطها ومدارسها وأعرج إلى القصة الرقية ، التي سطعت شموسها على مساحة الوطن العربي ومساحات أخرى من العالم فباع شيخها الدكتور عبد السلام العجيلي تلف أصقاعاً كثيرة من العالم, فالعجيلي كتب القصة منذ الثلاثينات من القرن الماضي وأصبح علماً من أعلامها في الوطن العربي , فقصصه الحكائية الجميلة جعلت منه أديباً متميزاً ورجلاً مرموقاً يذكر إن ذكرت القصة؛ فهو يركز على الحكايات الظريفة ذات المضامين الإنسانية المطعمة بالبعد الاجتماعي الذي غالباً ما يكون مشبعاً بروح البيئة الريفية , حيث حافظ على هذا النمط من الكتابة التي كانت ولا زالت ترضي وتعبر عن نمط الفكر الريفي بأنماطه المختلفة فالمرحوم الدكتور عبد السلام العجيلي خير من عبر عن الواقع الاجتماعي الرقي السائد, وهو أمين لهذا الواقع ومنسجم معه، فقصصه بسيطة وادعة غير متكلفة حكائية فيها تشويق وسرد , والعجيلي أضفى على مدينة الرقة ظلال القصة من حيث المثل ، فأعطى لها العبرة بأن الأدب شيء مهم ومحترم , وبعض كتاب القصة مثالهم في الكتابة العجيلي وحتى هؤلاء لا أرى أن ظلال العجيلي موجودة في كتاباتهم إلا قليلاً ومن الذين يكتبون القصة في مدينة الرقة : بسام الحافظ – ماجد رشيد العويد – إبراهيم الكبة – عبد اللطيف الجاسم – طلال شاهين – صبحي دسوقي – عمر الحمود – يحيى الكفري – إبراهيم العلو ش – عبد الرحمن المطر – عايد سعيد السراج – محمود البعلاو – تميم العيسى وفرحان المطر , وكل من هؤلاء الأدباء له خصوصيته في الكتابة وإن تربطهم البيئة بشكل واضح وجلي في غالبية كتاباتهم , وهي تشكل القاسم المشترك بينهم جميعاً وهناك من يكتب عن الواقع الاجتماعي الرقي بتفاصيل فضائحية مثل القاص طلال شاهين ، ومن الذين يكتبون في القص الهذياني محمد غانم، ومن الذين يكتبون في عوالم مختلفة هاجسها الحلم والمتخيل , القاص والروائي خليل الرز مثال قصة ( سولاويسي ) وأغلب الذين يكتبون القصة من الأسماء التي ذكرت يقعون في إشكالية البناء الداخلي والبناء الخارجي للنص فالبعض تأخذه الحكاية ويطيل السرد , والبعض الآخر يطيل الحدث إذ يبدأ به , ويبدأ غير قادر على ضبط العمل فيخرج عن التقني ويكثر الإنشاء ولا يستمر في القبض على الحالة وشروطها الفنية , والقص الحديث وما تطرحه الحياة من مفاهيم جديدة ومتسارعة , كاتب , والكتابة في ما هو عايش وما هو معاش، أي علاقة الجدلي بين الماضي بثقله ومفاهيمه ونمطيته والحاضر المتسارع بمفاهيمه الجديدة والمختلفة , ومن الذين يكتبوا القصة ايضاً : المرحوم -هيثم الخوجة – أحمد المصارع – خليل الطه ـ صبحي حمشو – ماجد العويد, فهيثم الخوجة لو كتبت له الحياة لكان مَعْلماً حقيقياً في كتابة القصة , أما الباقون , فالبعض منهم لا زال يكتب وهو منكفئ على ذاته ,أما الأصوات النسائية , فهناك القاصة نجاح إبراهيم وسحر سليمان وكذلك القاصة فوزية المرعي التي أصدرت مجموعة من الكتب والقاصة المرحومة :غزية العلو ،التي لم تصدر إلى الآن أية مجموعة قصصية رغم أنها تكتب القصة الرومانسية الجميلة , أما القاصة والروائية : نجاح إبراهيم, فهي تكتب قصصاً ذات كثافة لغوية وكذلك الكاتبة القاصة والروائية شهلا العجيلي فهي تكتب القصة الواعدة إذ أنها تكتب بجرأة وبعمق إنساني ،ومن الذين يكتبون القصة المتقنة : سامي حمزة –محمد الحاج صالح – مصطفى حقي – وفيصل حقي – ومعبد الحسون،، ،ويوسف دعيس، وفرحان مطر / وتطورت قصة سامي حمزة إلى درجة صناعة القصة المكثفة المتماسكة ذات الرموز العميقة والدلالات الموحية , أما محمد الحاج صالح (( الرّقي )) فيكتب قصصاً ذات أنماط مختلفة مثل القصة القصيرة جداً والقصة القصيرة وهو جاد في كتابة أدب قصصي متميز .
يرى الناقد والمفكر : جبرا إبراهيم جبرا – عدداً من المقاييس لاكتمال العمل القصصي الحديث منها 1– الاستكشاف 2-  الشخصية -3  نقد الحياة 4 – الشكل – ( أما الاستكشاف فهو دلالة الحركة , دلالة الانطلاق , وهو كذلك محك الموهبة , فبعض موهبة القاص , عين شديدة الملاحظة , نَفّاذة الرؤية , ونحن كقراء نريد من يستصحبنا في سفراته الفكرية والتصورية , لأنه دائب الحركة , دائب البحث , يتوغل في الأزقة المظلمة , ويقتحم الأبواب المقفلة , وهذا الاستكشاف في القصة , لن يكون مقنعا ً إذا لم تقم به شخصيات تتكامل مع تكامل القصة , فالشخصية هي لولب الحدث , ووسيلة الاستكشاف , ولذا يهمني جداً أن يكون بين أشخاص القصة من هو قوي النطق فيستدل من تجربته , أو يُيسر لنا الاستدلال، لعلة الغضب الذي هو سمة هذا العصر , ولكن مهما تكن حصيلة هذا النقد , أو التقييم , أو السخط , يجب أن يتوفر فيه , فضلاً عن الشمول والعمق , ذلك الشيء الذي يعجز عنه كل تحديد , ذلك الشيء الذي رغم انغراسه في الخاص والآني يستطيع نشر فروعه في المطلق وما يتعدى الزمن، وأخيراً الشكل فكل ما ذكرناه ما هو إلا العناصر الأولية , التي لا تؤلف قصة إلا عندما يتذكر القاص مسألة ( الشكل ) الشكل هو الخارج والداخل في ترابط وتماسك وتعاكس ،
ويظل السؤال: هل فعلاً هذا الذي يُكتب هو فعلاً أدب , وبما أننا في مجال القصة – هل الأعمال التي بين أيدينا هي فعلاً قصص , وبالتالي ينطبق عليها شروط القصة – أي هل مقومات عمل قصصي هي متكاملة في هكذا أعمال – مثل – الشكل – المضمون – اللغة – الحدث – التقنية – والترابط بين جميع هذه العناصر مجتمعة , وبالتالي القدرة على معالجة موضوع إنساني بأسلوب فني , أم أن المسألة لا تتعدى ( شذر , مذر ) عند البعض – وما هي القوة أو الضعف في البناء العام للقصة , أم أن كل من طبل له زّيد , وزمر له عَمرو , أصبح قاصاً , وتباهى في ذلك , بل هو معجب لا بأبيه فقط بل بنفسه وكتاباته , كيف لا وهو مدّاحها , أمْ أننا سوف نحول هذا الشح المعرفي والإنساني إلى كتابات جوفاء , تُذبح على موائد البؤس والنفاق؟

هذا ما سنعرفه تباعاً لكتاب القصة الرقية الذين كتب ويكتب البعض منهم قصصاً جميلة ومتكاملة , ويكتب الآخرون مقالات هامشية , يدعون أنها قصص – حيث سنمر على الجميع , بما في ذلك الذين لم يخجلوا بأخذ أفكار أو نصوص مترجمة أو غير مترجمة، وادعائها لهم , وهذا ما سنوضحه تباعاً في دراساتنا القادمة , أما الآن فإننا سنأخذ بعض الكتاب كنموذج لكتابة القصة الرقية –في الدراسة- القادمة. ،،وهناك بعض كتاب القصة الذين سوف نعرج على اسمائهم حيث هذه الدراسة قديمة وتحتاج الى اعادة .

شاعر وكاتب صحفي

 

اترك رد

Translate »