الرقة بوست ـ خاص
إبراهيم العلوش
الرقة اليوم حزينة في ظل داعش ووحشيتها، حزينة على حالها، حزينة على نازحيها، وحزينة على مهاجريها، الذين تناهبتهم الدروب والبحار والمجاهل التي لم تكن تخطر على بالهم أبدا، الأمهات حزينات، الدروب والحارات المهجورة من أهلها حزينة، البيوت التي اغتصبت من أهلها حزينة، اثاث المنازل التي كانت زينة وكنزا وذكريات وصارت اكواما في أسواق الأثاث المستعمل حزينة، والوسائد التي كان يلعب بها الأطفال قرب الصوبة، صارت أسيرة، وهي اليوم مراقد للقتلة او الجلادين او الملفقين والمزورين للدين.
نحن أيضا حزينون في منافينا، ونتذكر الرقة بكل تفاصيلها، ونشعر بالخوف على أهلنا الذين غيبهم المجهول على حواجز النظام، وفي المعتقلات، وعلى اهلنا الذين بقوا محرومين من كل شيء في الرقة.. عند تقاطع الظلم الأسود مع قصف الطيران، وعلى مرمى قذائف الميلشيات الغازية.
أول مرة أرى الحزن في الرقة وألامسه عن قرب عندما كنت طفلاً في السبعينات من القرن الماضي، حيث قتل شاب في حارتنا بعملية ثأر، وما أن ثبت الخبر ووصلت الجثة حتى صاحت أخت القتيل بصوت مجلجل وشقت ثيابها أمام الناس، وانهالت على شعرها تقصه وتنثر جدائلها الجميلة، وتصيح بحزن وقهر!
يترافق الحزن في أعمال الثأر مع النقمة، وينتج سيولا من الفجيعة لا ينضب تدفقها، ولعل سيرة الزير سالم واستمرارها عبر أزمان طويلة يلخص مثل هذا الحزن المشبوب والدائم الاتقاد، حتى وصل إلى الشاعر المصري أمل دنقل… والذي استمد نار الحزن المجبولة بالثأر بقصيدته الشهيرة… لا تصالح!!!
ويختلط الحزن بالفرح، وتراه جليا في زفة المرأة التي يتم تزويجها لأخي القتيل أو لأبيه كصلحة، ولكف الشر، فلا يرافق موكب عرسها الا البكاء والحزن والانكسار الذي يظل محيطاً بحياتها طوال زفافها، ويمتد كل حياتها فهي تظل رمزا بديلا لقتيل العائلة التي زفت اليها، وينظر اليها كبومة تنعق في كومة احزانهم التي يحاولون نسيانها ولكن وجودها يرفع الرماد عن جمر الحزن الدفين!
وعشية الغزو الأمريكي للعراق أقيمت أمسية في المركز الثقافي بالرقة عن الغناء الحزين وخاصة في العراق، وتحدث الدكتور عبد السلام العجيلي عن ذلك الحزن وكانت روحه طافحة بالأسى على الغزو الذي يعد له على مبعدة من الرقة، وكانت كلماته مؤثرة وهو يردد: أن العراق حزين منذ أزمنة طويلة لشدة ما لحق به من مآس. وكان كلام العجيلي نظريا بالنسبة الينا وبعيداً أو مجرد تاريخ بعيد، ولكننا اليوم وبعد المأساة والتهجير الذي عصف بالرقة وبالسوريين عموما صار الكلام حقيقياً وجارحاً ولا يجعل الكثير منا يستطيعون النوم وهم يعالجون الصور والذكريات والاحتمالات التي تتناوشهم في غربتهم السوداء التي لا تبدو أن لها نهاية في القريب العاجل!!
تتسم الموليا الرقاوية بالحزن العميق ويكاد حسين الحسن أن يقضي وصلاته الغنائية وهو يوحي بالبكاء، ان لم يكن يستعين بالبكاء ليدحرج جلاميد الحزن المعتمل في الذاكرة الرقاوية المعذبة بالنسيان وبالهجر اللذين لم يتركا فيها الا اشعة الشمس اللاهبة والعجاج والحرمان العاطفي والجنسي!
في الرقة، تستطيع ان تتغيب عن دعوة فرح، ولكن لا تستطيع أبدا ً التغيب عن عزاء، فهذا أمر لا يمكن نسيانه لك مهما كانت ظروفك، فالرجال والنساء يتفقدون المعزين بشكل دقيق وبإمعان، على عكس دعوات الفرح التي ترفل بالكثير من الغفران المترافق مع اللحظات المسروقة خارج الحزن الدائم المحيط بحياتنا.
ويتوزع الحزن في الرقة على ذوي الموتى الذين فارقوا الحياة لتوهم، وعلى العشاق المهجورين، وعلى الأمهات اللواتي ينتظرن أبنائهن الغائبين في البلدان البعيدة وفي المعتقلات، واليوم صار الكثير من أبناء الرقة في عداد المختطفين من قبل داعش ومن حواجز النظام الذي يبيع هوية المعتقل المتوفي تحت التعذيب بمليون ليرة، من أجل ان يقوم الأهل بمراسم الحزن، ولكي يضعوا حداً للانتظار الطويل والممض للأهل عموما للزوجات وللأولاد، وللأمهات وللآباء خصوصاً، هذا اذا كانوا قادرين على الاستمرار بالحياة، بعد كل هذا التعذيب الطويل والانتظار الممتد على كل شؤون حياتهم اليومية والذي يشاركهم الأكل والشرب والنوم والكلام والتنفس!
ولعل السيدة زبيدة خربطلي، زوجة المخطوف من قبل داعش: الدكتور إسماعيل الحامض، من اكثر النساء جرأة واصرارا على ممارسة طقوس الحزن علناً وبعناد، ولم يتوقف إصرارها بعد مرور الأيام والشهور والسنوات على غياب طبيب الثورة بالرقة… وغيرها يوجد الكثيرون ممن يلتحفون بالصمت وهم يتآكلون داخل ثيابهم، منتظرين أحبتهم المخطوفين والمعتقلين..
وكان حزن الرقة يوم قتل الشهيد علي البابنسي على أيدي مخابرات النظام حزنا راقيا في 15/3/2012، اتسم بالعمق والإصرار والتحدي، وخرج أكثر من مائة ألف مشيع في جنازته يوم 16/3/2012م، في مشهد ملائكي حزين، ونبيل، ويعبر عن ولادة مدينة جديدة تجاوزت نفسها، ولم تعد الرقة مشغولة بالحساسيات الصغيرة، واعتبرت الشهيد البابنسي طيراً من طيور الحرية التي ينشدها أهل الرقة، ورغم الثمن الفادح، والتضحيات والتهجير، فطعم الحرية الذي سال أنهاراً من العسل في شوارعها ذلك اليوم، لن ينساه أحد ولن تعود المدينة مجرد مزرعة لرجال عائلة الأسد أو متعهدي الذل والعبودية الذين كانوا يستخفون بكرامة أبنائها ويستدعون أي رجل أو أية امرأة مهما كانت مكانتهم ومهما علا شأنهم أو صغر، ولعل داعش ستدفع غاليا ثمن اعتدائها على الرقة في القريب العاجل، وعلى أيدي أبنائها…
مع الحزن على البابنسي ارتفعت قامة الرقة عاليا وكان يوم عيد للحرية ينبغي على الأجيال القادمة تسجيله كيوم شعبي ويوم تاريخي من أيام الرقة، مثل يوم الثلجة، ويوم الفيضة… فعندما كنا صغارا كان أهلنا يقولون لنا أنكم ستكبرون في يوم العيد، ونضع أيدينا على رؤوسنا لعلنا نشعر بأجسامنا وهي ترتفع لتصير أطول ونتجاوز مرحلة الطفولة الى مرحلة الشباب، وفي يوم جنازة الشهيد علي البابنسي شعرت بأن مدينتنا تكبر كثيرا في يوم عيد الحرية، كما كنا نكبر يوم العيد في غابر الأيام.
ثمة حزن كبير يحل بالرقة اليوم ومساحته كبيرة، هو الحزن على الغائبين في النزوح وفي الهجرة، ومن يموت منهم على دروب الغربة لا يجد من يدفنه، فيأكل جثمانه الوحوش أو الأسماك في البحار التي تفصل قارة أوربا عن آسيا، أو في البحر المتوسط الذي يلتهم المهاجرين بشهية كبيرة، أو في الغابات على الحدود البلغارية التركية، أو اثناء المسير الكبير في قلب أوروبا التي تتركهم تحت البرد والمطر والضياع، حيث يطلق المهربون عنان أساليب اجرامهم وأنواع الموت الذي يدفعون اليه المهاجرين في البرادات أو في الغابات أو في وسائط الموت التي لا ينتهي تعدادها…
ولعل صور الإمام التركي في احدى القرى الشاطئية التركية، الذي يصلي وحيدا على جثث المهاجرين التي قذفها البحر على الشاطئ، من الصور التي تمزق اكباد المنتظرين لأحبتهم الغائبين بلا اتصال ولا خبر ولو بعلامة موت صغيرة.
والذين ينجون من المهاجرين في طرقات الموت يلتهمهم الحزن على أهلهم الباقين تحت سيف داعش، أو تحت سلطة النظام الممتهنة للقتل واذلال الناس واجبارهم على مختلف أنواع القهر من نهب على الحواجز، وتذلل للجنود الهائجين كالمجانين منذ سنوات أدمنوا فيها على القتل، والتعسف، وتلقي النفاق الذي يعرفون أنه كاذب، والمليشيات الطائفية بدورها تجترح أعمالا مبتكرة في الانتقام والتعذيب والاجبار على اعتناق مذاهب التجييش الطائفية أو التزلف لها على الأقل.
ولا يجمع الفرح الناس في الرقة بقدر ما يجمع الحزن الأهل والأقارب والأصدقاء، فالعداوات لا تأخذ هدنة أو تلغى إلا في مراسم العزاء، وتكاد ان تكون بيوت الشعر التي تبنى للعزاء هي المنتديات المؤقتة للرقاويين، يتداولون فيها شؤونهم، ويتصالحون، ويتعاونون على امتصاص الحزن المنبثق فجأة في حياتهم اثر تداول الانباء عن وفاة قريب بشكل مفاجئ، أو بشكل منتظر بعد سلسلة طويلة من الامراض التي تنتهي بالدعاء له بالخلاص من الألم والعذاب الذي ينهكه وينهكه أهله المحيطين به ويتألمون لألمه الطويل والمزمن!
وقد تبكي المرأة وهي تعمل في المطبخ وهي تدندن اغنية حزينة، فتهيج ذكرياتها وأحزانها التي تدفعها للبكاء الخفيف الصامت الذي لا يوقف عملها التي تؤديه وهي مغيبة في غلالة الحزن السوداء التي ادمعت عينيها دون عزاء ودون مناسبة فهي بكت على لهيب الذكريات الخفيف!
ويعيب الناس على الرجل البكاء وحتى الحزن فهو عيب عليه، مما يحرمه من التنفيس عن الصدمة والضغوط الكبيرة التي تلم به عند الحزن ، المتمثل بوفاة قريب او هجران حبيبة تزوجت من غيره وبقي مكلوماً لا يستطيع البكاء عليها، ولا يستطيع ممارسة حياته، وحدث مرة ان هجم شاب من جيراننا على موكب حبيبته التي تزف امامه بمسدس ولكن تصرفه كان متأخراً وقد ذهبت العروس ممسوكة بأيدي عماتها وخالاتها ومحاطة بعيون اخوتها الأشداء.
وإرادة المرأة مكبلة بالعشيرية وبالعادات والتقاليد قبل الدين، خاصة وأن من المستحيل ان تزوج المرأة نفسها ولو كانت في السبعين من عمرها، وارث الخطيفة ارث مدمر وقاتل ونادر في الرقة، بسبب تداعياته المدججة بمختلف أنواع العار المدمر لأهل العروس، ولأهل العريس المتخاطفين، وذلك اذا قيض لهم النجاة من الموت في الهروب الى بيروت، حيث كانت بيروت أبعد مسار يستطيع ان يلجأ اليه الخاطفون الذين تلحق بأهلهم اشاعات الدعارة وتدنيس العرض، ولا تخضع مثل هذه العملية لأي حل أو مفاوضات أو تخريجات، الا بعد القتل حيث يستطيع الأهل التفاهم على الدية وعلى الاجراءات الأخرى.
يحزن الطلاب الراسبين عند صدور نتائج التاسع خاصة ويشعرون مع اهاليهم بالغبن الكبير وهم لايجدون أسماءهم في اللوائح التي تعلق بشكل عشوائي، وكان الطلاب وأهاليهم يتزاحمون عليها بقوة وبإرادة لا تهدها الا النتيجة السوداء، وغياب اسم الابن الذي كانوا يعوّلون عليه كثيراً، وما يزيد حزنهم هي كثرة الهلاهل والافراح حولهم، والتهاني التي تقفز من فوقهم، وهم يمتصون دموعهم، أو يخفونها عن الناس أو يتركون بيوتهم الى بيت الجد، أو الى مكان آخر ريثما تخف ضجة الأفراح التي تخرب حزنهم على أولادهم الراسبين.
أما طلاب البكالوريا، فكانوا قليلين في السبعينات والثمانينات، ولم يتزايد عددهم إلا في السنين الأخيرة، وهم أكثر وعياً وتقديرا لنجاحهم، خاصة وان الكثير منهم ينسحب من الامتحان للتغلب على الإجراءات البيروقراطية التي تمنعه من دخول الكلية التي يتوق هو أو اهله لدخولها، وغالبا ما ينتقل من فشل الى فشل ويمتص حزن الرسوب المختلط بأفراح زملائه وجيرانه الذي أقلعت امورهم، وبدأوا يعدون العدة للذهاب الى الجامعة التي يفتخر أهل الرقة بالتحاق ابناءهم بها مهما كانت الصعوبات المادية والحياتية، وأكبر انفتاح على قبول تعليم الفتيات هو موافقة المجتمع على ذهابهن الى الجامعة، اذ كثيرا ما يتنازل الأهل والأقارب المتشددين عن الكثير من شروطهم من اجل تمكين العائلة، أو العشيرة الحصول على دكتورة أو محامية او مهندسة أو مدرّسة أو ما الى ذلك مما تتيحه العلامات، وليس الرغبة والهواية والحاجة الحياتية او فرص العمل.
ويحزن الصوفيون في اغانيهم الشجية، ويبكون أمام شيخهم المتسم بالتماسك والحزم، ولكن عينه تدمع مع ارتفاع صوت المنشد الشجي:
ياراحلين الى منى بقيادي… هيجتموا يوم الرحيل فؤادي!!
وتتعالى صيحات التكبير الممتزج بالبكاء، وتنطلق الجوقة بترتيب تكرارها وصهره بصوت واحد:
الله.. الله.. الله…
يرددون كلماتهم في تكرار أزلي لا يكاد ينتهي، ولا يتوقف الا عند إشارة الشيخ المتشح بسلوك أمير غير آبه بكل هذا العالم.
كان الحزن في الرقة مقتصرا على العاشقين المهجورين وعلى أغاني الموليّا وأناشيد المتصوفين، وعلى الموتى من الجدات والأجداد، لكنه اليوم حزن تمتد بحاره، وتغمر حياة الرقاويين الباقين في الرقة، والرقاويين النازحين، والرقاويين المهاجرين، ويلطم حياتهم، ويهيّج أشواقهم ويجعل ملامحهم دائمة التجهم والترقب…
ألا أيّها الليل الطويل ألا انجلِ.. ألا انجلِ عن الرقة الجريحة.. وعن كل سورية الحزينة!