الغناء الشعبي في وادي الفرات (الموليّا)

حسن العدواني 

استوطن وادي الفرات أغلب العشائر العربية المتجذرة بالأصالة، والتي جاءت مهاجرة من اليمن بعد خراب سد مأرب مروراً بنجد والعراق، ثم سوريا حيث سكن أغلبهم على وادي الفرات طلباً للكلأ والمرعى.

ومن أهم تلك العشائر الجبور والعقيدات والبكّارة والعفادلة والخرصة والدليم  والولدة، وامتدت سكناهم بدءاً من نهر الفرات في جرابلس ولغاية شط العرب.

يمتهنون الزراعة والرعي والصيد، ويحملون العادات العربية الأصيلة من كرم وشجاعة ونبل وأصالة، ويتعاونون في السراء والضراء ويعيشون مسراتهم وأحزانهم في الفرح والعزاء..

يعشقون الطرب والغناء، ولهم طرق خاصة وأنواع معينة من فنون الطرب الشعبي في جلساتهم وأعراسهم وأفراحهم .

وقد اشتهر لديهم أنواع من الرقص الشعبي والدبكات الشعبية التي تجمعهم في الأعراس والأفراح، مثل دبكة الخمسة والولدة والقوصار والأسمر والديرجة والمفتول والدحة … وتأثراً بالمكان والعمل الذي يقومون به، ظهر بينهم الغناء والطرب الأصيل أثناء عملهم وجلساتهم  وأفراحهم  مثل أنواع الغناء التالية :

النايل -السويحلي – العتابة – اللكاحي -الموليا

ويجدر بنا القول إن كل نوع من أنواع الطرب هذه جديرة بأن يكتب عنها كتب ومقالات عديدة، لأنها فنون مستقلة ومتميزة تطورت عبر أزمانها الخاصة.. فإذا ذكرنا الموليا على سبيل المثال: نجد أن الموليا من أهم أنواع الغناء الشعبي في وادي الفرات، يتذوقه كل من عاش واستوطن ضفاف الفرات، كون هذا اللون من الغناء يصدر من أعماق وأحاسيس ابن الفرات المثقلة بالهموم والمتاعب، فلهُ عذوبة وشجن وجمال باللحن، ولهُ وقعٌ على النفس وتأثير بالغ يزيل الهم والتعب والمعاناة،  فكم من حبيب عانى من عشق حبيبته فأبدع وغنى هذا اللون وذاع صيته :

ياسايجين الضعن بالله  تعيجونو

معكم حبيب القلب محد خطم دونو

لكعد على المنهل الكل يوم يردونو

وارجاك يابوزلف يومن تجي ليه

وهذا الغناء ( الموليا ) مؤلف من أربعة أشطر، حيث نرى الأشطر الثلاثة الأولى متشابهة في القافية، أما الشطر الرابع فإنه ينتهي بالياء والهاء حصراً :

السلسبيل الجرى ياخوي مايهمني

وبجلة المعرفة تريد تتهمني

فرقت درب الهوى من جفي هاليمني

ويلاد مادبرت بيوت مو ليه

وهناك من ذكر أن هذا النوع ( الموليا ) قد نشأ في بداية القرن التاسع عشر، وذهب البعض إلى أن (الموليا ) أقدم من ذلك، حيث أنها نسبت لحادثة العباسيين والموالي، في مذبحة مشهورة آنذاك، حيث صدرت صيحات حزينة من النسوة(وامواليا)

وأن منشأها من ضفاف الفرات، وهي غنية عن التعريف والبيان.. كما يذكر في هذا المقام كيف شاعت في كل بلاد الشام ولقد غنتها فيروز اللبنانية :

هيهات يابوزلف …. عيني ياموليه ..

وكذلك غنتها سميرة توفيق في أشهر حفلاتها التي أقامتها في الأردن :

ع العين موليتين عيني ياموليه

وكذلك اشتهرت الموليا في فلسطين، وعمت بلاد الشام خاصة بعد شيوع التلفاز والإذاعات وأجهزة النقل والتخاطب الحديثة والسهلة الاستخدام.. ولسهولة تركيب مقاطعها الغنائية على المقامين : مقام النهاوند والبيات . والتراكيب تأتي عادة على البحر البسيط :

يما تعاليلي يما تعاليلي

اني بجمر الغضى وانتي بتعاليلي

عند مغيب القمر سمره تعاليلي

تشوف من يدحمج واني اجرع الميه

شاعت وعمت أغلب البلدان العربية، ورددتها الألسن والحناجر، غير أنها ظلت متأصلة في المنبت على ضفاف الفرات،  ومتجذرة بأصالتهم العربية وحبهم للغناء والطرب . وأشهر من غنى هذا اللون الغنائي( الموليا ) في وادي الفرات وفي الرقة حصراً هم : خلف الفرج – حسين الحسن – محمد الحسن – أبو فلوط – خلف الحسان- حسين العلي العصمان – ابراهيم الأخرس وغيرهم ..

وأشهر من كتب ( الموليا ) الشاعر المرحوم شاعر الفرات محمود الذخيرة – والأستاذ محمد الحومد – وزيد الهويدي – وشعبان الحسن وغيرهم ..

ويعتبر هذا اللون من الغناء الشعبي المحبب لقربه من النفس فهو يحمل اللون الشجي الحزين والذي يألفه الإنسان الفراتي المحب للسهر والتعاليل ومناجاة الحبيب، حيث لاتخلو جلسة غناء من هذا اللون.. ومن الأدوات الموسيقية التي ترافق هذا اللون الغنائي : الدف ( الرق )  – وقوس الربابة – والمزمار.. وكل ماذكر عن هذا اللون الغنائي ماهو إلا جزء بسيط لا يفي حق ذكره، كونه يعتبر أحد أهم أنواع الغناء الفراتي المشهور والمحبب لنفوس أبناء الفرات.

ونختم ذلك بالبيت التالي :

شدت على هودجا ماهابت المطلاع

زينة حلايا وفوق الزين زين طباع

وحات من نبت الصفصاف فوق الكاع

انتي بروحي العزيزة المشركة بيه

*باحث ومدير دار التراث والتقاليد الشعبية بالرقة 

اترك رد

Translate »