خفض التوقعات الروسية من طبخة أستانة

بكر صدقي

هدنات عديدة أفشلها المحور الإيراني في سوريا بشأن الصراع على وادي بردى. وحزب الله يرسل تعزيزات إلى دير الزور في محاولة لإنقاذ بقايا قوات النظام في المدينة المهددة بسيطرة «داعش». في حين تقوم المقاتلات الروسية والتركية بعملية مشتركة ضد «داعش» في مدينة الباب، ويصرح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قائلاً إنه لولا التدخل العسكري الروسي في سوريا، لسقطت دمشق في غضون أسبوعين أو ثلاثة، وتضرب إسرائيل مطار المزة العسكري.
لم يعد الصراع على «التركة السورية» بين روسيا وإيران خفياً، بل إن الوقائع المذكورة أعلاه تشير إلى تحوله إلى صراع مكشوف على السلطة في دمشق، ليس بين النظام والمعارضة، بل بين الدولتين الوصيتين على الأول، بعد انسحاب طوعي لما كان يسمى بـ»أصدقاء الشعب السوري» بدءا بالأمريكيين، مروراً بالأوروبيين، وصولاً إلى المنظومة الخليجية. في حين بقيت تركيا وحدها في الميدان، فتفاهمت مع موسكو على حصتها الصغيرة من التركة، مقابل شراكتها في تسوية سياسية محتملة أرادتها روسيا، بعد انتصارها على حلب.
غير أن الصراع الروسي ـ الإيراني على ما تركته لهما إدارة أوباما الراحلة، بعد تهميش الأوروبيين والخليجيين عن الصراع في سوريا وعليها، خفض من التوقعات الروسية الطموحة التي علقتها على اجتماع أستانة، بعد سريان وقف إطلاق النار في الثلاثين من كانون الأول/ديسمبر الماضي. وهكذا تحول الاجتماع من منصة للبحث عن تسوية سياسية، إلى اجتماع لتثبيت وقف إطلاق النار، وفرضت إيران نفسها، من خلال هجومها الذي لم يتوقف على وادي بردى، شريكاً في الاجتماع الذي كان من المفترض أن يتم برعاية روسية ـ تركية فقط. فلم يبق أمام روسيا سوى الاستنجاد بالولايات المتحدة، من خلال دعوة إدارة دونالد ترامب إلى المشاركة في الاجتماع على رغم الرفض الإيراني المعلن.
وبذلك، أي بمشاركة الإيرانيين المؤكدة والأمريكيين المحتملة، يمكن القول إن روسيا فشلت، مؤقتاً، فيما أرادته من اجتماع أستانة، ومن غير المتوقع أن ينجح الاجتماع حتى في تثبيت وقف النار نفسه، بالنظر إلى تركيبة وفدي النظام والمعارضة المعلنين إلى الآن: وفد دبلوماسي برئاسة بشار الجعفري (هذا على فرض أن المذكور «دبلوماسي» فعلاً)، مقابل وفد «عسكري» برئاسة الناطق باسم جيش الإسلام محمد علوش، على فرض أن ممثلي الفصائل المسلحة هم عسكريون. وإذا كانت التوقعات المبكرة بشأن اجتماع أستانة أنها ستختلف عن حوار الطرشان الذي وسم اجتماعات جنيف المتتالية، فتدخل في مناقشة أمور جوهرية، فتوقعات اليوم هي أنها ستكرر عرض بذاءات الجعفري الذي شهدته قاعات جنيف سابقاً، بما أنه، عملياً، سيمثل إيران في الاجتماع، لا تابعه السوري الذي يتلقى الضغوط الروسية على مضض: فقد مرر الضربة الإسرائيلية الأخيرة بصمت أكثر حتى من الضربات السابقة، في حين تجاهل تماماً إهانة لافروف الذي تحدث عن سقوط دمشق لولا التدخل الروسي، وقال التابع إنه «مستعد لمناقشة كل شيء» في اجتماع أستانة.
هل يمكن القول إن روسيا باتت في ورطة أمام التحدي الإيراني الذي لن يسمح بتمرير صفقة روسية ـ تركية، مدعومة بقرار مجلس الأمن الأخير، على حسابه؟
من المحتمل أن يؤدي التمييع الإيراني المتوقع لاجتماع أستانة، إلى عودة جميع الأطراف الفاعلة إلى جنيف لاستئناف جولات المفاوضات السابقة، تحت إشراف الأمم المتحدة ممثلة بستيفان دي ميستورا الذي دعا إليها فعلاً، وحدد الثامن من شهر شباط/فبراير موعداً أولياً لانعقادها، بعدما كان توقف تماماً عن تحديد المواعيد منذ الربيع الماضي. وذلك ما يعيد الأمور إلى المربع الأول، ولكن في ظل شروط مختلفة عن تلك التي كانت سائدة في الجولة السابقة.
ولعل أول المتغيرات المهمة هو قدوم إدارة أمريكية جديدة، ما زالت سياستها السورية غير معروفة، وقد لا تكفي الفترة القصيرة المتبقية على الموعد الذي حدده دي ميستورا لبلورتها. ولكن ثمة نقطتين معروفتين، لهما علاقة مباشرة بالموضوع السوري، هما الموقف الإيجابي من روسيا، والعدائي تجاه إيران. وربما هذا ما شجع تركيا على طرح خروج الميليشيات الأجنبية من سوريا، وأبرزها حزب الله الإيراني في لبنان، الأمر الذي من المحتمل أن يلاقي تجاوباً روسياً أيضاً، بالنظر إلى صمت موسكو على الاعتداء الإسرائيلي على مطار المزة، بل وتصريح مسؤول روسي من الصف الثاني (نائب رئيس لجنة العلاقات الخارجية في الدوما) بصدد «حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها ضد منظمات إرهابية موجودة على الأراضي السورية».
المتغير الثاني هو سيطرة الميليشيات الشيعية المساندة للنظام على شرق حلب. هذه السيطرة التي بدت، للوهلة الأولى، ربحاً صافياً للنظام وحلفائه، وخسارة صافية للمعارضة بمستوييها العسكري والسياسي، تحولت إلى مشكلة وعبء، بالنسبة للأول، حين اعتبرتها موسكو الختام المظفر لتدخلها العسكري في سوريا، وأرادت تثميره مباشرةً في انتصار سياسي عبر مؤتمر أستانة. في حين أرادها النظام وظهيره الإيراني بداية استعادة مختلف المناطق التي ما زالت خارج سيطرتهما. بكلمات أخرى: تفارق طريقا روسيا من جهة، وإيران وتابعه السوري من جهة أخرى، بعد معركة حلب، روسيا من الحرب إلى التسوية السياسية، والطرف الثاني إلى مزيد من الحرب حتى سحق العدو تماماً. فإذا امتنع هذا، بسبب التحول الروسي المعزز بتفاهمات مع تركيا، فإيران تريد لمفاوضات أستانة أن تعكس، على الأقل، نتيجة انتصار حلب، أو إفشال أي تسوية لا ترضيها.
المتغير الثالث هو بداية التعاون العسكري الروسي ـ التركي في معركة الباب. ويشكل هذا التعاون سابقة مثيرة واستفزازية لطرفين: فبوصفه أول تعاون عسكري عملاني بين روسيا ودولة عضو في حلف شمال الأطلسي، يشكل تحدياً للولايات المتحدة وحلفائها الأطلسيين، من الأتراك أولاً ومن روسيا ثانياً. لا نعرف، إلى الآن، كيف يمكن للأطلسي أن يتعاطى مع هذا التحول، لكن المؤشرات الأولى متناقضة. فمن جهة رفع الحلف من جهوزيته الحربية في البحر الأسود (العصا في وجه روسيا) ومن جهة أخرى شنت الطائرات الأمريكية ضربات ضد مواقع «داعش» في الباب، بعد امتناع طويل منذ بداية عملية «درع الفرات» التركية في 24 آب/اغسطس 2016 (وهذه جزرة ممدودة لأنقرة). وإن كان التطوران المذكوران قد تما قبل انتقال السلطة في واشنطن إلى إدارة الرئيس المنتخب دونالد ترامب.
أما الطرف الثاني الذي يثير التعاون العسكري التركي ـ الروسي، فهو بالطبع إيران التي ما زالت تعتبر العملية التركية اعتداء غير مقبول على السيادة السورية! إضافة إلى استيائها من التفاهمات السياسية الروسية ـ التركية عموماً.
المتغير الثالث يتعلق بعودة تنظيم «الدولة» إلى التوسع، من بعد فترة من الانكماش، على حساب النظام في كل من تدمر، بالتزامن مع انتصار النظام على حلب الشرقية، ودير الزور، في فترة الإعداد لمؤتمر أستانة. هذا المتغير يعزز من الموقف الروسي في وجه شريكها الإيراني وتابعه السوري، من حيث كشفه لتهافت قوات النظام وعدم قدرته على تحقيق أي انتصارات، بما في ذلك انتصار حلب الذي تراه روسيا انتصاراً صافياً لها. ولتكريس هذا التفرد في تسجيله لصالحها، زجت موسكو بقوات من الشرطة العسكرية الروسية (من الشيشانيين) لضبط الأمن في شرق حلب، وثمة توقعات بإرسال مزيد من القوات الروسية، ربما تمهيداً للتحرر من «الفضل الإيراني» المتمثل في الميليشيات الشيعية التي شكلت القوة الضاربة على الأرض تحت المظلة الجوية الروسية.
أخيراً، هناك عودة، وإن كانت خجولة، للدور الأوروبي في سوريا، من خلال الوساطة الألمانية لتحقيق آخر «هدنة» في وادي بردى. صحيح أن النظام وحزب الله لم يحترما الهدنات المتتابعة، في هذه المنطقة، ولو لساعة واحدة، لكن يبدو أن ألمانيا، ومن ورائها أوروبا، أرادت التأكيد على رفضها للتهميش التام عن مساعي حل الصراع السوري، سواء من خلال التفرد الأمريكي ـ الروسي، بين شباط/فبراير وأيلول/سبتمبر 2016، أو التفرد الروسي ـ التركي، منذ معركة حلب. خاصةً وأن أوروبا هي التي تعاني من موجات اللاجئين، وهي التي تدفع رشوة المليارات الثلاثة لتركيا لكي تمنع هذه تدفقهم، وهي المرشحة أيضاً للمساهمة بالقسط الأكبر من إعادة بناء ما دمره النظام خلال سنوات الحرب، في حال توصلت القوى الفاعلة إلى فرض تسوية سياسية تنهي الحرب.
الخلاصة أن مؤتمر أستانة الذي عملت روسيا بكل طاقتها العسكرية والدبلوماسية على توفير أسباب نجاحه في تحقيق اختراق سياسي من شأنه أن يشكل الجائزة الكبرى على تدخلها العسكري في سوريا، سيكون على الأرجح «طبخة بحص» بلا نتائج، بسبب تصاعد التنافر الروسي ـ الإيراني على سوريا.

القدس العربي 

 

اترك رد

Translate »