دير الزور: تكتيكات عسكرية جديدة ل”داعش”

محمد حسان ، صحيفة المدن

باغت تنظيم “الدولة الإسلامية” في الأيام الأخيرة، عبر تكتيكات عسكرية جديدة، قوات النظام ومليشياته في محافظة ديرالزور شرقي سوريا. وتمكن التنظيم خلال الأيام الماضية من تحقيق تقدم ميداني مهم على حسابها، راسماً إطاراً جديداً لعمله العسكري، بشكل مختلف عن النمط القديم الذي اعتمده خلال العامين الماضيين. أهم تكتيكات التنظيم العسكرية الجديدة هو عدم الاعتماد على العمليات الانتحارية في التمهيد لتقدم قواته على الأرض، بخلاف جميع معاركه السابقة في ديرالزور. فلطالما بدأ التنظيم هجماته بتفجير سيارات مفخخة يليها تمهيد مدفعي وصاروخي على النقاط المستهدفة، ثم دخول قوات النخبة أو ما يسمى بـ”الانغماسيين”.معارك ديرالزور الأخيرة كانت مختلفة، فالتنظيم أتبع أسلوب التسلل إلى داخل نقاط قوات النظام، نفذته قوات خاصة كانت مهمتها الوصول إلى داخل الثكنات العسكرية المستهدفة والاشتباك معها من النقطة صفر. وتسبب ذلك في إرباك قوات الخصم، التي اعتادت على أن تفجير السيارة المفخخة هو نذير بدء هجوم “الدولة الإسلامية”.وتمكن التنظيم من السيطرة على مساكن جمعية المهندسين ومنطقة الجرية غربي المطار العسكري، ومنطقة المقابر جنوبي ديرالزور، باستخدام تكتيكه الجديد، ما وفر عليه الكثير من الجهد، بالإضافة إلى تسببه بانهيار قوات النظام، التي وقعت أسيرة المفاجأة، ما ساهم في التخفيف من خسائر التنظيم البشرية .

التغيير الثاني في تكتيك “داعش” العسكري في ديرالزور، تمثل في الاعتماد على مجموعات مقاتلة صغيرة، مرنة وسريعة التحرك، لمواجهة قوات النظام. في المعارك السابقة كان التنظيم يحشد قواته في المحافظة ومن المناطق المجاورة كالرقة وريف حمص الشرقي.وتعتبر سيطرة التنظيم على معامل البلوك والقرميد غربي المطار العسكري، خير مثال على ذلك، فعدد مقاتلي “الدولة الإسلامية” في تلك المعركة لم يتجاوز 40 عنصراً، مقسمين على مجموعتين مزودين ببنادق “كلاشنكوف” ورشاشات “BKC” وقناصات “دراقنوف” وقواذف مضادة للدروع.وهذا التكتيك الذي يتبعه التنظيم، اعتمدته الحركات المسلحة في أواسط القرن الماضي، لمواجهة جيوش نظامية تمتلك قوة نارية كبيرة وتكنولوجية حديثة. وأبرز صفة في هذا التكتيك هي وجود الاندفاع الشخصي، كعامل أساسي يعطي نوعاً من التوازن في ميزان القوة بين الضعيف والقوي عسكرياً. ويعتبر التنظيم من أكثر الحركات التي عرفتها المنطقة من حيث التركيز على الاندفاع الشخصي لعناصره، عن طريق تعزيز قداسة المعركة التي يخوضونها، وما يترتب عليها من نصر دنيوي يعز به الأفراد أو “الأمة” أو موت ينتقل فيه الفرد إلى دار النعيم “الجنة”.كما شكل تكتيك تقسيم مناطق سيطرة مليشيات النظام، وعزلها عن بعضها، بالسيطرة على النقاط الواصلة بينها، شكلاً جديداً اتبعه التنظيم، للتفرد بكل منطقة منها على حدة، وخاصة المطار العسكري، الذي يعتبر أهم نقاط قوات النظام في ديرالزور. ويأتي ذلك على خلاف معارك المواجهة في نقاط التماس التي كان يعتمدها التنظيم سابقاً.وتمكن التنظيم من عزل مطار ديرالزور العسكري وحيي هرابش والطحطوح شرقي المدينة، عن “اللواء 137″ و”المربع الأمني” و”مركز الطلائع” وحيي الجورة والقصور غرباً، بعد سيطرته على المقابر والجبل المطل على المدينة ومساكن جمعية المهندسين ومعامل البلوك والقرميد وشركة الكهرباء، الواقعة بين هذين القسمين. ما تسبب في قطع طرق الإمداد والتواصل بين مناطق قوات النظام الغربية والشرقية.توغل التنظيم في الجهة الغربية للمطار، أوقع مليشيات النظام في موقف حرج، باتت معه غير قادرة على استخدام غاز الكلور والغازات السامة لصدّ الهجوم على غرار المرات السابقة. فجميع محاولات التنظيم للسيطرة على المطار، كانت تجري من الجهة الشرقية له، والتي تعتبر خط تماس مباشر مع النظام. وكانت قوات النظام تستخدم غاز الكلور والغازات السامة لإفشال تلك الهجمات، ومن بينها هجوم العام الماضي الذي تمكن خلاله التنظيم من السيطرة على “كتيبة الصواريخ” داخل المطار، لكنه انسحب منها بعد استهداف عناصره بالكلور. تمركز التنظيم في الجهة الغربية للمطار، جنبه استخدام قوات النظام للغازات السامة، فأي استهداف بالغازات لعناصره في تلك النقاط سوف يؤثر أيضاً على قوات النظام المتمركزة في المطار العسكري.التكتيكات العسكرية الجديدة التي اتبعها التنظيم في ديرالزور، استمرت مع بعض الأساليب القديمة التي أثبتت فاعليتها؛ كالهجوم الليلي والهجوم تحت غطاء الضباب. ما قوّض ثقة قوات النظام، ومكّن التنظيم من التحرك عبر الأطواق العسكرية بسهولة كبيرة، وأكسبه حرية كبيرة في تعزيز قواته وتموضعها.وما زاد من فعالية الهجمات الليلية وتحت الضباب، هو غياب سلاح الجو القادر على التعامل مع تلك الهجمات. ويعود ذلك جزئياً إلى تقادم طراز الطائرات المستخدمة من قبل قوات النظام، العاجزة عن تحقيق إصابات مباشرة. فيما تعتمد الطائرات الروسية وقاذفاتها الاستراتيجية المساندة للنظام في ديرالزور، على القصف المكثف وسياسة الأرض المحروقة. وهي ذات تأثير بطيء ويحتاج الحسم فيه لمدة زمنية طويلة نسبياً، بسبب التحرك السريع لوحدات التنظيم الصغيرة في تلك المساحات الجغرافية الكبيرة، والتي تحوي تضاريس جبلية وأودية تقي عناصر “داعش” من تلك الضربات.

اترك رد

Translate »