“جند الأقصى” بلا غطاء “فتح الشام”

بعد التطورات المتسارعة التي شهدتها قضية الاقتتال بين “حركة أحرار الشام الإسلامية” و”لواء جند الأقصى”، خلال الأيام الثلاثة الماضية، والتي كان آخرها وأبرزها إعلان “جبهة فتح الشام” رفع غطاءها عن “جند الأقصى”، بدا لسان حال الكثيرين يقول: ما أشبه اليوم بالبارحة!

تطور يحيل الذاكرة إلى قضية الخلاف بين “جبهة النصرة” و”حركة حزم” في العام 2015، والتي انتهت بتفكيك الأخيرة على يد الجبهة، إثر إعلان “الجبهة الشامية” فصل “حزم” بعد أسابيع من اعلان انضمام الأخيرة إليها، وذلك تحت ضغط تهديدات “النصرة” بشن حرب شاملة ضد الحركة، وهو ما حصل بالفعل عندما أصرت “حزم” على المواجهة والخروج عن إطار التكتل الذي تم اقناع قادتها بالانضواء فيه وحمايتها، فكانت لقمة سائغة لـ”جبهة النصرة” خلال أيام.

لكن هل سيتكرر الأمر نفسه اليوم مع “لواء جند الأقصى” بعد موقف “جبهة فتح الشام” التي انضم إليها اللواء بعد تهديد “أحرار الشام” وفصائل أخرى بشن حملة شاملة ضده في تشرين الأول/ اكتوبر 2016؟

سؤال لم يطرح فقط مع صدور بيان “جبهة فتح الشام”، الاثنين، والذي أعلنت فيه أن “لواء جند الأقصى” لم يعد جزءاً منها، بعد تجدد المواجهات بينه وبين “أحرار الشام” خلال الأيام الأخيرة، بل كان مطروحاً منذ البداية من قبل طيف واسع، كان متأكداً، من أن هذا الاندماج-الضرورة، لن يكون مستقبله أفضل من مستقبل اندماج الضرورة السابق بين “حزم” و”الجبهة الشامية”.

تتعدد لدى هؤلاء الأسباب والمعطيات التي يعتمدون عليها في مقاربتهم هذه، لكن أقواها بلا شك هو الخلاف الفكري بين “فتح الشام” و”لواء جند الأقصى” كما كان عليه الحال بين “حركة حزم” و”الجبهة الشامية” التي انفرط عقدها لاحقاً.

فعلى الرغم من أن تحالف “الشامية” قد تشكل من فصائل تنتمي بمجملها إلى فضاء “الجيش الحر”، وعلى الرغم من أن تحالفها جاء بالأصل لمواجهة الاستشعار بخطر “جبهة النصرة” التي كانت منتشية بانتصارها على “جبهة ثوار سوريا” في ذلك الوقت، وتلويحها بعصا التهديد للآخرين وفي مقدمتهم “حركة نور الدين زنكي” و”حركة حزم”، إلا أن الأخيرة كانت في النهاية أقل تأثراً بالخطاب الاسلاموي، وأكثر وضوحاً في تبني النزعة الوطنية التقليدية، ناهيك عن استشعارها قوة ظنت أنها كافية لمواجهة “النصرة” وحلفائها، الذين كان من بينهم “لواء جند الأقصى” بطبيعة الحال.

التقديرات ذاتها تنطبق اليوم على تحليل موقف “جند الأقصى” في المسار الذي تتمسك بتنفيذه في ما يتعلق بالخلاف مع “حركة أحرار الشام”. وباستثناء البراغماتية التي يلجأ إليها اللواء في كل مرة كان مستوى التهديد يرتفع ضده، على عكس “حركة حزم” التي كانت أكثر حسماً في قرار المواجهة، فإن بقية المعطيات متطابقة إلى حد بعيد!

بالنسبة للجانب الفكري، ورغم أن “لواء جند الأقصى” ينهل من المنبع ذاته الذي تصدر عنه “جبهة فتح الشام”، وهو المدرسة السلفية الجهادية، بل ورغم أن التنظيمين كانا فصيلاً واحداً حتى ربيع العام 2013، إلا أن استراتيجية وتكتيك كل طرف تباينا في غالب الأحيان، بل وأكثر من ذلك، إذ يتعلق الأمر أحياناً باختلافات فكرية.

معطيات كانت تؤشر وبشدة إلى حتمية الانفصال من جديد، بعد أربعة شهور من إعلان “جند الأقصى” انضمامه إلى “جبهة فتح الشام”، وإعلان “فتح الشام” قبولها بيعة “جند الأقصى” في تشرين الأول/أكتوبر 2016، وهو قبول كان مشروطاً بالتزام اللواء بتسليم المطلوبين من عناصره إلى محكمة مستقلة، والانصهار الكامل داخل الجبهة.

إلا أن ما صيغ كشروط من جانب قيادة “فتح الشام” لقبولها انضمام “جند الأقصى” إلى صفوفها، ظهر أنه غير ممكن التحقق بالفعل كما قدر الكثيرون، الذين رأوا بناءً على معطيات واقعية معروفة عن “جند الأقصى” أن حتمية الانفصال في النهاية لا بد منها.

“جند الأقصى” الذي يمكن وصفه من الناحية العسكرية بأنه قوة معتبرة رغم أن تعداده لا يزيد عن ألف مقاتل، يمثل في الوقت ذاته حالة نخبوية من الناحية الفكرية أيضاً، فهو يتبنى أكثر خطابات الفكر السلفي الجهادي راديكالية، وغير معني كثيراً بالحاضنة الشعبية، الأمر الذي جعل منه وعلى الدوام أقرب إلى “تنظيم الدولة الإسلامية”. كما أن “جند الأقصى” يتصرف، كتنظيم وأفراد، بطريقة متعالية واستفزازية تجاه كل ما عداه، وخاصة قوى “الجيش الحر” والفصائل الإسلامية المحلية، ويكرر بلا حذر ممارساته ضد هذه القوى حتى وهو محسوب رسمياً على “جبهة فتح الشام”. مثل تكرار الهجمات على مقرات وحواجز الفصائل الأخرى، أو تنفيذ عمليات اغتيال وتفجيرات لا يتبناها ولا يتبرأ منها، والأهم عدم اعترافه بأي محكمة في مناطق سيطرة المعارضة يسلم لها عناصره وقياداته المطلوبين بتهم مختلفة.

كل ذلك أدى في النهاية إلى الافتراق الذي لم يكن سهلاً على “جبهة فتح الشام”، التي تعرضت خلال الأيام الأخيرة الماضية إلى ضغوط كبيرة من أجل اتخاذ موقف حازم تجاه “الجند”، بعدما تجدد الاقتتال بينه وبين “حركة أحرار الشام” في ريف إدلب. وتركزت الضغوط على مطالبة “فتح الشام” بالقيام بالتزاماتها التي تفرضها عليها تبعية “جند الأقصى” لها، أو رفع غطاءها عنه والتوقف عن تقديم الحماية المباشرة وغير المباشرة له.

وعليه، كما كان منتظراً بالنسبة للكثيرين، وإن كان مفاجئاً بالنسبة للبعض أيضاً، أصدرت “جبهة فتح الشام” بيان فصل “لواء جند الأقصى”، الإثنين، على الرغم من المحاولات الجاهدة التي بذلتها الجبهة خلال الشهور الأربعة الماضية، لإظهار أن إندماجاً كاملاً وناجزاً تمّ بالفعل.

لكن مع تجاوز الأمر مجرد الحوادث المنفصلة والانتقادات المعتادة في مواقع التواصل الاجتماعي، إلى حرب متجددة بين “جند الأقصى” و”أحرار الشام”، ومع اعلان ثمانية فصائل تشكيلها “تحالف ردع” مع “حركة أحرار الشام” ضد “جند الأقصى”، وصولاً إلى إصدار جهات وازنة مثل “مجلس شورى أهل العلم في الشام” بيانات رسمية تطالب “فتح الشام” باتخاذ موقف حازم من “الجند”، لم تجد الجبهة على ما يبدو، وأمام عجزها عن ضبط اللواء واحتوائه، سوى إصدار بيان إعلان فك ارتباطه بها.
لكن البعض لا يرى أن هذه الاسباب هي وحدها التي دفعت “جبهة فتح الشام” لاتخاذ هذه الخطوة، بل ويضيفون إلى ذلك عاملين غير مباشرين يعتبرون أنهما كانا سببين رئيسين للدفع بهذا الاتجاه. والأول منهما، هو تجاوز “حركة أحرار الشام” خلافاتها الداخلية، والإعلان عن ذلك بشكل شبه رسمي، الأمر الذي سينعكس مؤكداً على قوة موقف الحركة وتعاطيها مع قضية “لواء جند الأقصى”، خاصة بعد الخلل الواضح الذي ظهر في صفوفها في المواجهات الأخيرة مع “الجند” الذي تمكن مقاتلوه من الحاق خسائر غير متوقعة بها.

وجاء الإعلان عن توافق “الأحرار” على لسان أبو جابر الشيخ، القائد السابق للحركة، وأحد أقطاب تيار “جيش الأحرار” الذي شكله مع قادة تياره قبل شهور بعد تصاعد الخلافات الداخلية. وأعلن الشيخ، الإثنين، حلّ “جيش الأحرار” وعودة تشكيلاته إلى الوضع الذي كانت عليه سابقاً ضمن صفوف “أحرار الشام”. أبو جابر وفي كلمة نشرتها الحسابات الرسمية التابعة له في مواقع التواصل الاجتماعي، أشار إلى أنه “وفي خضم المستجدات العاجلة وتحملاً للمسؤولية في هذا الظرف العصيب، وجدنا أن عودتنا الى وضعنا السابق في الحركة وسعينا في اصلاحها… هو السبيل الأفضل في اللحظة الراهنة، إذ أن الساحة وهي على هذا الصفيح الساخن والموج المتلاطم من فتن الخارج وضغوطه، واضطراب الداخل وخلافاته، صارت تتطلب بشكل ملح انطلاقة الحركة كجسم واحد متماسك”.

أما العامل الثاني، فهو الإستقالات التي تقدم بها اثنان من أعضاء “مجلس شورى” قيادة “جبهة فتح الشام”، السبت، وهما المسؤول الاقتصادي للجبهة جهاد الشيخ “أبو أحمد زكور”، والقائد العسكري لمدينة حلب في “جبهة فتح الشام” حمزة سندة. ورغم أن القياديين عللا سبب استقالتهما بعدم نجاح محاولات الاندماج بين الفصائل، ورغم أن تكهنات متناقضة حاولت قراءة ما بين سطور بيان الاستقالة المقتضب، إلا أن تقديرات قوية أكدت أنها جاءت بسبب رفض هذين القياديين، ومعهما تيار داخل الجبهة لأسلوب تعاطي قيادتها مع بقية الفصائل، وعلى رأسها الخلافات الأخيرة مع “حركة أحرار الشام”، وما يقال عن تحضير الجبهة لاستئصال “جيش المجاهدين”.

وما يزيد من قوة هذه التقديرات، المعلومات التي تحدثت عن تحرك “فتح الشام” ضد مواقع لـ”جيش المجاهدين”، مساء الإثنين في ريف إدلب، ما دفع مراقبين إلى وضع هذه الاستقالة في سياق خلافات داخل الجبهة حول هذا الموضوع بالتحديد.

تطور جديد وصادم للكثيرين الذين بالكاد تنفسوا الصعداء مع توقيع “حركة أحرار الشام” و”لواء جند الأقصى” لاتفاق صلح بينهما، الأحد. إذ وبينما كان الجميع ينتظر نجاح هذا الاتفاق، الذي ينص على عودة الوضع إلى ما كان عليه قبل المواجهات الأخيرة، ويشمل ذلك إعادة السلاح والممتلكات التي تم الاستيلاء عليها من الجانبين، وإطلاق سراح الأسرى مع إحالة المطلوبين إلى لجنة قضائية مستقلة بضمانة “جبهة فتح الشام”. وبينما أكدت مصادر ميدانية إنسحاب “الجند” من قرى في جبل الزاوية كان قد سيطر عليها بعد المواجهات الأخيرة مع الحركة، أطل فجأة ومن دون مقدمات، مشروع هجوم جديد تشنه “جبهة فتح الشام” على أحد فصائل “الجيش الحر”، لتبدأ مجدداً دورة أخرى من متاعب فصائل المعارضة وحاضنتها الشعبية المتعبة أصلاً.

المدن

اترك رد

Translate »