في الرقّة.. خوف ورعب ودمار.. وبقاء الأهالي معلّقين بين النزوح والعودة!!

عبد الكريم البليخ – الرقة بوست

في الرقّة، كغيرها من المحافظات السورية، عانى المواطن المزيد من حالات الإحباط والتوتر واللّوعة، وهذا ما استرعى من أبنائها أن يعيدوا النظر بهذه الحالة المضطربة التي تركت بالنسبة لهم أكثر من إشارة استفهام. المعاناة رافقها قسّوة من نوع خاص، وحوار داخلي مع الذات أفرزت إرهاقاً جسدياً ونفسياً، لم يسبق له وأن عايش ابن الرقّة مثل هذا المشهد الذي أخرجه عن إرادته، وتصرّف بتهوّر، ومتخذاً من النزوح طريقاً يحفظ، أقلّها، ماء وجهه. وأن الدوائر عادت الكرّة، في هذه المرّة، فقلّبت أوجاع أهل الرقّة، التي احتضنت يوماً النازحين الفارّين من حلب، ودير الزور، وحمص، وإدلب، وحماة، هاهي اليوم تُصاب في الصميم، بالعاهة ذاتها، بسبب الدمار والخراب الذي لحق بها، ما دفع أبناءها للنزوح عنها، جرّاء الواقع المؤسي! وتعجز الكلمات عن وصف الوحشة والهوان الذي أصاب ابن الرقّة، وما صاحب ذلك من معاناة، لاسيما وأن الوضع الذي يمرّ به غريب الأطوار، وهو الذي يختلف عن البقية من أبناء المحافظات، معللاً واقعاً لازال يتأزم يوماً بعد آخر، وهذا ما زاد من تفاقم المعضلة، وأفرز عناوين كبيرة. تساؤلات عدّة بمعنى آخر، إنَّ ابن الرقّة لا يمكن له أن يستمر على هذه الحالة، وهو غير القادر أصلاً على أن يحتمل مجرد وصف الحالة التي يمر بها، ولكن فُرض عليه هذا الواقع ما اضطر العديد من العائلات مرغمين للنزوح إلى القرى والمدن البعيدة عن المدينة.. تخوفاً من الوقوع ضحايا بيد عصابات داعش المجرمة، وعلى الرغم من ذلك فانّ غالبية العائلات لم تحتمل البعد عنها، ففضل قسم كبير منهم العودة الى بيته بعد غياب أيّام معدودة، ومنهم لازال يعاني مرارة الغربة والبعد عن الأهل والأحبة!. ومن بين الأسر التي عادت إلى منازلها، برغم الصعاب العديدة التي رافقتهم، فإنهم يأملون الاستقرار في هذه المدينة، التي نالت نصيبها مع ما شهدته أخواتها المدن السورية البقية من معاناة، وكر وفر، ونقص في المواد الغذائية والتدفئة والمحروقات!!. إنّ ابن الرقّة عاش مرارة الواقع، والمعاناة بكل أبعادها، ونأمل لهذه الأزمة، والحال الذي ترك في ذات كل واحد من أبنائها تساؤلات عدّة، أن لا تطول، والإبقاء على هذه الخطوات التي هُيئت له بأن تقتصر على بعض الحلول التي يرمي بها ابنها ويتأملها، ويطالب بتسريعها اليوم. ويبقى السؤال: إلى متى يظل أهلها يعيشون في موقف حذر جراء هذا الواقع الذي لا يمكن له أن يحقّق هدفاً ومرمى، بل يزيدهم معاناة وألماً، ويبعث في نفوسهم مزيداً من الهلع، ويحفر في قلوبهم أوجاعاً وحرقة وأسى؟!. أليس من الأجدى أن نعيد النظر بواقع مدينة، وشعب لم يعرف يوماً طعم النزوح، والهجرة التي اضطر أن ينغمس فيها، “مكره أخوك لا بطل”، وأن يعيش مأساتها، وانقلبت السعادة التي كان يعيشها يوماً إلى خوف، وانتظار مضنٍ، وتعب جسدي، وترقب لمستقبل غير معروف؟ وهذا المستقبل ظل بحاجة إلى طريق يقوّي مفاصله، وينعش آماله، ويمضي بأبناء الرقّة إلى طريق قويم، ويخلو من أي ضغينة.. وبوسعنا أن نقول: إنَّ هذه المحصلة ما هي إلاّ صورة لماضٍ، وهذه يلزمها أكثر دقّة وإتقاناً، ومعرفة بالتقاطها، ومن أي زاوية حتى يمكنها من أن تخدّم الموقف. حركة تسوّق ويكفينا احتفاظاً بما يجري، ونتأمل بعودة الحياة إلى أبناء الرقّة، وشوارعها، وحركة الأسواق التي ظلت بطيئة، وروّادها هم الأكثر إخفاقاً في الإقدام عليها، وتسوّقهم منها بتلبية احتياجاتهم المعيشية اليومية حتى تكتمل دورة الحياة التي نأمل، والتي نريدها أكثر تسارعاً. وفي صورة لواقع الحياة في الرقّة وجريانها التقينا مع بعض أبنائها، ونقلنا وجهة نظرهم. يقول أبو عبد الله صاحب محل تجاري: من بين الملاحظات التي استرعت انتباهي هو عودة الحياة وبشكلٍ تدريجي في مدينة الرقّة، وتجلى ذلك بعودة بعض العائلات إلى بيوتها، وفتح المحلات التجارية من قبل أصحابها في أسواق المدينة، وعلى وجه الخصوص شوارع تل أبيض، و23 شباط، وشكري القوتلي، ونشاط ملحوظ لحركة التسوق مع افتتاح عدد من الصيدليات، والأفران لتوفير مادة الخبز، ورفع الأنقاض، وتصليح الأبواب، واستبدال واجهات المحال البلّلورية التي تحطّمت نتيجة الانفجارات الذي تعرّضت له المدينة. وكانت هناك حركة نزوح كبيرة مع بدء تفاقم الأزمة باتجاه محافظات حلب، ودير الزور، واللاذقية، ومدن معدان، والسبخة، وتل أبيض، مع ملاحظة استغلال أصحاب الفوكسات والحافلات الصغيرة للنازحين، حيث وصلت أسعار نقل الراكب باتجاه حلب ودير الزور إلى أرقام خيالية. كما لاحظنا قيام عدد كبير من الشباب بعمليات التنظيف، وتجميع القمامة لكي يتمكنوا من نقلها إلى المكبات المخصصة لهذه الغاية. الأهم من هذا كله، وضوح حالة الوعي والتعاون بين أهالي الرقّة، مع اهتمامهم الزائد بحراسة الأملاك الخاصة، وبيوتهم وبيوت جيرانهم، فيما لوحظ الاهتمام الزائد والتنظيم والضبط من قبل بعض العناصر بحراستها ولم تسجل إلا بعض الحالات النادرة للسرقة، وتم ضبط معظمها، وإلقاء القبض على مرتكبيها. وعي وتعاون ويشير المواطن فراس الأحمد: في الأيام التالية شملت زيارتنا، برفقة عدد من الأصدقاء، شوارع وحارات مدينة الرقّة، والملفت في هذه الجولة، كما يؤكد، أن الحياة عادت إليها بشكل شبه طبيعي، وترحيل القمامة من الشوارع بالتعاون مع الشباب والأطفال المتواجدين فيها، والأسواق التي تضمّ العديد من المحلات قد عادت الحياة إليها من جديد، وحركة التسوّق جيدة قياساً على الأيام الماضية، واللافت أن بعض الصيدليات مفتوحة، والمارة والسيارات بوفرة في هذه الشوارع الرئيسة، وقابلنا في هذه الجولة عدداً من الشخصيات المعروفة، وبعض من شباب المدينة، وهذا يدل على وفرة الناس المتبقين في مدينة الرقّة. وفي الإطار ذاته يقول المدّرس أحمد سعود، وهو من سكّان مدينة الرقّة، الذي لجأ مع أهله إلى مغادرة المدينة إلى إحدى القرى القريبة من المدينة، حيث يقيم بعض أقاربه ولم يمضوا هناك أكثر من خمسة أيام ثم عاد بهم حيث موطنهم الأصلي: نرجو أن تحل الأزمة التي تمر بها البلد بأسرع وقت ممكن، وأن تعود الحياة للرقّة كما كانت عليه، مع أن حالة اللجوء إلى القرى والمدن القريبة من الرقّة تقلّصت، مع مرور الوقت، وانقضاء يومين أو ثلاثة، وعلى العكس تماماً نجد إنه وخلال الفترة الماضية عودة عدد من الأهالي إلى المدينة. ويضيف المعلم أنس عبد الرزاق: مع عودة الأهالي إلى المدينة، لحظنا أنّ هناك عدداً من المحال التجارية بدأت تعود إليها الحياة من جديد، أضف إلى أن بعض الصيدليات مفتوحة أبوابها، وكذلك المخابز الخاصة والعامة لتلبية احتياجات الناس، وهذا الحال يشجّع الغالبية من المواطنين على عودتهم إلى الرقّة، لأن الواقع صار لا يحتمل التأخير بالبعد عن المدينة. حاجز الرعب وقال المواطن جاسم عليان: ذهبت مع أسرتي المكوّنة من ثمانية أشخاص إلى قرى الحمرات، والتي تقع إلى الشرق من مدينة الرقّة.. وإن الظروف الحالية، وبصراحة، لم تعد تسمح لنا بالبعد عن بيتنا أكثر من أيام معدودة، ولم أستطع تحمّل هذه الحالة فرجعت برفقة أسرتي إلى بيتي في المدينة، وهذا برأيي هو الحل الأسلم، لأنه لا يمكن بحال للمرء العيش بعيداً عن بيته مهما توافرت له من معطيات سبل العيش الكريم. أما المواطن شريف علي، فقال: لم أغادر الرقّة، بل أنني فضلت البقاء فيها برغم كل الصعاب والخوف والرعب الذي صاحب أسرتي. وأمضينا الأيام التالية بالمكوث مطولاً داخل منزلي برفقة أولادي، وزوجتي، وتحمّلنا عبء الحياة. وأضاف الطالب الجامعي حسين مخلف: ما لنا معيل إلا الله سبحانه وتعالى، والظروف المادية لم تسعفني بإلحاق أسرتي بالقرى القريبة من المدينة، وصبرنا ولازلنا باقين في منازلنا، وكان برفقتنا أيضاً العديد من الأهل والأصدقاء في الحي الذي نقيم فيه، وهناك حركة دؤوبة ساهم فيها شباب الحي حيث قاموا بتنظيف عددٍ من الشوارع طواعية، وحمل القمامة، في الوقت الذي كنا نرى فيه تجمهر أعداد من الناس وعودتهم إلى المدينة، وافتتاح المحال التجارية، وقيام الأهالي بشراء حاجياتهم، إلا أنَّ المشكلة الأساس تكمن في ارتفاع أسعار المواد الغذائية، والخضار والفواكه، واستغلال التجار في هذا الظرف ما دفع بهم إلى البيع بسعر زائد. التعلّق بالأرض وما عاناه المواطن من ضيّر الأحداث، وهول الانفجارات، والدمار الهائل، والخراب الذي حل في الرقّة وأهلها الذين عايشوا المعاناة، بكل قسّوتها، اضطر الغالبية منهم، وكما ذكرنا، إلى النزوح عنها وترك أبنائها منازلهم بمحتوياتها، حفاظاً على أرواحهم من هجوم الطيران المرعب، وصواريخ سكود، والبراميل المتفجرة، ومدافع الهاون، ناهيك بجبروت داعش وبطشهم، والإفتاء الجائر الذي كانوا يشرّعونه على عباد الله البسطاء، وارتكابهم الجرائم الشنيعة بذريعة تطبيق الشريعة التي حصدت الكثير من الأبرياء.. كل ذلك ساهم في هروب المواطن، وهو غير القادر أصلاً على تأمين لقمة العيش لأطفاله، فكيف بإمكانه أن يؤمّن أجرة حمل أغراضه، و”عفش” بيته، بصورةٍ متكررة، ما اضطره إلى تركها، كما هي، هرباً من الموت الزؤام الذي كان يلاحقه!؟. ومع هذا، ونتيجة تعلّق المواطن ببيته وبأرضه وبجواره، وأقاربه، فضّل البعض المكوث في بيوتهم، وتحمّل المصاب الذي حل بهم، على الرغم من غياب الخدمات، وغلاء الأسعار، وهول الدمار والخراب الذي حوّل كل ما هو جميل إلى صور بكائية تركت أكثر من حكاية في نفوس أبناء الرقّة الذين يفضلون العودة إلى مدينتهم المنكوبة. *صحافي سوري مقيم في النمسا

اترك رد

Translate »