أصداء سيرة غير ذاتية (3)

معبد الحسون – الرقة بوست
لم يكن حال سوريا قبل خطاب بشار الأسد الأول بعد الثورة، والذي ألقاه في مجلس الشعب، في 30/ 3 / 2011، كحالها بعد ذلك الخطاب. كان الناس مايزالون يعيشون صدمة الربيع العربي.. وكان الاستسلام للخيال والأمنيات اللذيذة يومذاك أقوى من أي منطق متماسك.. الإحساس القديم بالحياة القديمة غدا شيئاً مفارقاً، وكلُّ شيءٍ بات يبدو وكأنه قد تغير؛ أو أنه في طريقه نحو التغير بطريقة ما، مع أنه، واقعاً وفعلاً، لم يكن ثمة شيء ذو أهمية قد حدث، أو بداية متسقة واضحة قد بدأت.
الآذان والعيون جميعها كانت يومئذٍ مشدودة إلى الفضائيات التي لم تذهلْ لدقائق عن متابعة ما يحدث في تونس ومصر واليمن.. هل كنا، نحن السوريين، كتونس ومصر واليمن؟ أم أننا شيء مختلف؟ وفيمَ هو مختلف؟ وهل يجرؤ ذلك الربيع الفظ والمتحدي أن يقترب من أسوار مملكة الأسد المحكمة في عزلتها ونأيها عن العالم أجمع؟هل يستطيع أن يدنوَ منها من تجرأ على الدنوِّ من عرش مبارك وبن علي؟ الناسُ هناك يُرشون بخراطيم المياه لتفريق المظاهرات، ونحن ندرك يقيناً أن هذا الترف في المعاملة لا يمكننا أن نحظى به في مملكة الجحيم التي تأسست منذ عقود على جماجم الناس وجثثها.. بل وندرك أكثر أنه حتى تلك التغطية الإعلامية التي صاحبت أحداث تونس ومصر كانت امتيازاً يصعب أن يجدَ طريقه إلى هذه المدن والقرى الصامتة الذاهلة التي ترقب بصبر وانتظار، وهي لا تعرف كيف تردُّ على الربيع العربي، ولا حتى كيف يمكن أن تُتَرجمَ تلك المشاعر الخبيئة الدفينة في القلوب.. هل سيتعاطف العالم معنا كما تعاطف مع غيرنا ولو في الحدود الدنيا؟ وهل للأخوة العرب والمسلمين رأي يتفق مع ما يجري في بلدان ذلك الربيع أم أن الأوضاع هناك ستختلف بالتأكيد عن الوضع هنا؟ وأمريكا .. وأوربا.. وتركيا.. بلدان الحرية ومساحاتها المضيئة بالنور والدفاع عن الحريات والديمقراطيات في هذا العالم.. كيف ستتصرف.. كيف ستحدد مواقفها.. والله..!! الله نفسه مع من سيكون في هذه المعركة الهاجسة التي تشتعل في النفوس.. هل يتخلى عنا كما تخلى في السبعينات والثمانينات حيث أسلَمَنَا إلى مصير مجهول..؟ وحيث أعلن الدكتاتور الأسد الاب، ظفراً ساحقاً على الشعب كله، وسحق نواة تمرد وتغيير؛ وإن بدا ذلك التمرد وكأن مجموعة مسلحة من الأخوان هي التي تقوده، ولم يكن الشعب السوري أكثر من متفرج لا يعنيه ما يجري في شيء..؟ ذلك ما ظهر على السطح يومها.. وإن يكن من طبع الحقيقة أن تختبىء بعيداً عن ألسنة الناس وأنظارهم وإعلامهم وصمتهم المكتنز بغير ما يظهرون في الباطن..
ولكن مقابل هذه الهواجس المشتعلة.. ماذا لوحصل اتفاق ما.. بطريقة متعينة وواقعية بين السلطة والشعب..؟ ألم تشهد السلطة ما تشهده من عواصف قادمة تجوب المنطقة كلها، وهي ليست من الغباء قطعاً بمكانٍ يمكن أن لا تحسِبُ حسابَها بأن القادم عظيم جليل، وأن التفاهمات وأنصاف الحلول بينها وبين شعبها ربما يكون أنجع الحلول.. خاصة وأن كثيراً من السوريين مازال ينطبع في مخيلتهم أن الأسد الابن يختلف كثيراً عن الأسد الأب، وأن نصف الربح عند اشتعال الحريق هو ربح كامل، وأن الفوز بأطراف الجنة يعني النجاة من النار..؟
هل المشكلة كانت في عاطف نجيب وأطفال درعا؟ وأهالي حمص ومحافظها الذي تضافرت نقمة القلوب واجتمعت على تغييره بأي ثمن مهما بلغ..؟ وماذا لو سارع الأسد إلى إلغاء المادة الثامنة من الدستور.. وسن قانون حرية التظاهر وتنظيم الأحزاب وإتاحة كل الحريات الفردية والجماعية، وفتح الباب للمعارضة وتنظيم فوضى البلد التي أصبحت مستباحة للرشاوي والفساد في سابقة لم تعرفها أية أمة من الأمم، وما الضير في تحجيم الفاسدين من آل الأسد وبعض المقربين من السلطة، من علويين وسنة وغيرهم من بقية الطوائف..؟ لماذا لايعاد تنظيم اقتصاد هذا البلد الموفور الثراء والإمكانات والموارد، ويتم القضاء على الفقر وعلى هذه الفوضى الشاملة المتبادلة بين الدولة(أو ما يسمى مجازاً الدولة)، باعتبارها واجهة السلطة الحاكمة وسوط أوامرها الذي يقرع ويلسع، وإرادتها التي توجه الأفراد والجماعات السكانية في سوريا، وهل هذه العملية مستحيلة نظرياً، من حيث المبدأ؟ ما الذي ستخسره السلطة لو شرعت في محاولة إصلاح ممنهجة وشاملة..؟ أما كانت ستستفيد هي أيضاً..؟ بل لعلها ربما كانت المستفيد الأكبر؟
إنني إذ أستعيد اليوم هذه الذكريات التي مرت بي كالعاصفة عن الثورة، لا أحاول أن أستعيد أجزاء من ذاتي من خلالها، في نوع من الأنانية الإنسانية التي لا يستطيع الإنسان، بطبيعته الخاصة، أن ينفصل عنها.. وإنما بالعكس، أحاول تجميع تلك الصور المبعثرة التي مرت بي، وكانت جزءاً من تجربة خاصة حفرت نفسها في كياني الداخلي العميق، لأعيدَ فحصها على ضوء ذاتي مرة أخرى.. كأن الأسئلة البدئية الأولى التي تساءلتُها وأنا أعبر تجربة إثر تجربة، وأجتاز مخاضات عسيرة لا تكاد تنتهي إلى أية ولادة، كأن تلك الأسئلة تزداد بمرور الزمن ولا تنقص.. تتكاثر وتتضاعف، ثم تنداح في الكون دون أي جواب.. وأنا بحق، لم أعد مهتماً حتى بالجواب على تلك الأسئلة..
يبقى سؤال واحد لا أجد عنه محيصاً ولا متحولاً.. وهو سؤال يُمِضُّني بسعير الحريق كإنسان، أكثر مما يؤلمني كسوري.. ماهو مستقبلنا نحن معشر البشر؟ وطالما نكص ذلك السؤال نفسي وردها إلى طبقات لاشعورها البدائي وأعادها إلى أنفاق من العدم واليأس.. مادمنا نتقدم شبراً ونتراجع ألف متر في اليوم، وطالما أن أعداد من قتلوا وعذبوا واضطُهِدوا، وهم ما يزالون يقتلون ويعذبون ويضطهدون يومياً، في ازدياد متواصل كلما ترقى العلم وتقدمت الإنسانية، مع مايحيط بنا من لا مبالاة بهذه الزيادة التي لم تعد تعني شيئاً للإنسان في سلم القيم والأخلاق.. وكلما تقدمت بنا المعرفة وزادت العلوم والخبرات وربت، وكلما اتسع الإنسان، وتمدد أفق الكونيات والمعارف.. ما فائدة الفلسفة والعلم والخبرات المتراكمة ونحن نقتل بعضنا يومياً في هذا القرن أكثر مما فعلنا خلال عشرة آلاف سنة ماضية.. ولو استمرت هذه المتوالية الحسابية في صعودها فهل سيأتي علينا يوم نشهد فيه انقراض الإنسان بوصفه حيواناً علمياً متطوراً، لا يستطيع التلاؤم مع هذه الطبيعة ولا التواؤم مع هذه الحياة..؟ ولماذا لا تفعل الحيوانات بنفسها وبأجناسها مانفعله نحن البشر يومياً بأنفسنا، باعتبارنا جنساً متفوقًا عليها، ولا نقاس بها كما نعتقد؟
لقد بات يخيل إلي أن معنى “الواقعية” وتفسيرها، أو الترجمة الحرفية لعبارة” لنكن واقعيين” هي ذلك الفقر الإيماني الشديد بأنفسنا، كبشر، وبعالمنا.. وبالمستقبل أجمع..
ـ يتبع ـ

اترك رد

Translate »