أم الغيث أسطورة دينية تتحول إلى فلكلور لوادي الفرات

حسن العدوانــي

إنه من الاعتقادات الدينية التي سادت منذ قبل الاسلام في بلادنا التي سكنها الانسان منذ القديم، معتمداً على الرعي والزراعة.. ذلك ما يمكن ان ندعوه بالاعتقاد الديني، وهو النداء الذي يتوجه إلى “أم الغيث”..

و”أم الغيث” ماهي إلا استغاثة بالله تعالى أن ينزل المطر، ولقد نسخت هذه العبادة بعد ظهور الإسلام بصلاة الاستسقاء المعروفة. غير أن البعض ظل متمسكاً بها حتى يومنا هذا، كمعتقد ديني يتوسل فيه إلى الله أثناء انحباس المطر وجفاف الأرض والضرع وعند يباس النبات، وذلك في صورة فلكلور شعبي غنائي ظل يتنقل عبر الأجيال والعصور..

نساء فراتيات تتوسطهن أم الغيث

ومبدأ هذا الاعتقاد وطريقة أدائه، في أن تلبس فتاة أو صبي دون البلوغ ملاءة بيضاء تُسدل على الوجه حتى الكعبين، ثم يحمل الفتاة أو الصبي بين امرأتين مطهرتين من الحيض، وذلك ابتغاءً واستدراراً لعطف الله ورحمته، ولكي ينظر بعين الرأفة والعطف ويستجيب لدعاء الداعين، والنظر اليهم وسماع نداءهم واستغاثتهم بالنداء التالي :

ام الغيث غيثينا

بلي بشيت راعينا

راعينا حسن اقرع

النا سنتين مانزرع

ام الغيث غيثينا بلي بشيت راعينا

تدور النسوة والصبية والبنات بين الحواري والبيوت تنشد هذا الغناء وتقف عند الأبواب مرددة :

التعطينا بالحفنة جوا الكاع مندفنه

والتعطينا بالغربال يصبح ولدها خيال

وحتى يصبح لديهم كمية كافية من الحبوب والبقوليات والهكط والسمن حيث تشعل النار وتوقد على اربع مفارق ليوضع عليها القدر الذي جمع من الحواري والبيوت ويوضع في قدر ويوضع على النار حتى ينضج مابداخله وتسمى (السليجة ) ثم توزع لكل عابر سبيل قد يمر طالباً طعاماً من هذه المائدة، أينما صادف مروره من الأربعة مفارق..كل ذلك الدعاء يأتي كطقس ديني يعود بجذوره إلى عهود الوثنية القديمة، وينشد ابتغاءاً لنزول المطر من الجهات الأربع التي ارتفع الدعاء عندها..

في هذا الاعتقاد يتجلى الصدق والإخلاص والمحبة والتعاون لمجابهة حالة الجفاف، وتوحد الضمائر والوجدانات والمشاعر في طقسية مشتركة تؤكد على حضور الخالق والإيمان به ..وأنه هو الرازق الوحيد في هذا الكون. وهناك الكثيرمن الاعتقادات التي شاعت ثم اندثرت بتوالي الأزمنة، كما أن هناك ما بقي منها ورسخ، وظلت  متداولة بين الناس

كالاعتقاد السائد والشائع بين النساء في وادي الفرات  بالتمائم والأضرحة، وحتى يومنا هذا ماتزال كثير من النسوة تأتي المشايخ والأضرحة للتبرك، وحيث كانت صاحبة الحاجة ـ وخاصة من تقدم بها العمر وتأخر زواجها ـ فهي تأتي المقام المشهور بـ”مقام سيدنا أويس القرني”، تشتكي له همها ومعاناتها.. ومنهن من تقول :

ياويس جيتك زايرة

وعذوق راسي طايرة

كل البنات انخطبت

واني ظليت بايرة

ثم تأخذ شيئاً بيدها، أثراً بسيطاً، من المقام للتبرك به..كشريط تربطه أوخيط تضعه في معصمها، وذلك بعد أن تنفح طاسة ويس المشتهرة بماجادت به نفسها من بعض مال بسيط.. وفي حجرة المقام تجمع تلك الأموال لتكون في آخر الأمر من نصيب أحد المعتكفين الدائمين في حجرة المقام، أو تذهب تلك العطاءات والمنح البسيطة مباشرة إلى خادم المقام الذي يقوم على شؤونه العامة. وهناك الكثير من الاعتقادات التي لاحصر لها توارثتها شعوبنا في فترة من الزمن بسبب كثرة الشعوب والأمم والحضارات التي عرفها وادي الفرات، والتي مضت مخلفة آثارها ومعتقداتها في نفوس الناس تتوارثها جيلاً بعد جيل..

*باحث ومدير دار التراث والتقاليد الشعبية بالرقة 

 

اترك رد

Translate »