الحميماتي ومعارضتنا

معبد الحسون 

ربما كان أميز ما يميز الحميماتي في مجتمعنا هو المبالغة في تقديره الشخصي لطيوره وقيمتها الحقيقية، وذلك ما بين نظرته الخاصة لها وأنظار الناس.. فالناس لا يرون فيها أكثر من طيور جميلة تزين المنازل والطبيعة، وأحياناً تصلحُ لحومُهُا على ضآلة أحجامها لتكون وجبة متواضعة؛ بالكاد قد تشبع إنساناً.. ومن المحال أن تقنع غير العاشق لهذه الطيور أن”جوز الحمام” هذا تعدل قيمته مئآت آلاف الليرات، بسبب سلالته النادرة أو ميزاته الأعجوبة، وخصائصه الغرائبية  والمخفية عادة على غير أهل الاختصاص وجَهَلَةِ المصلحة من أمثالنا..

الحميماتي يتداخل مع عالم الحمام ورف الطيور حتى يتماهى به، فينفصل عن المجتمع والناس، ليعيش متعة لهوه وانصرافه بكلية عقله وقلبه إلى تلك المخلوقات المحلقة المرفرفة، وشيئاً فشيئاً يصبح متعبداً في محرابها، يهينُ أعماله واشغاله ووقته كله في الليل والنهار من أجلها، حتى تهونَ أخيراً في بصيرته كل قيمة وكل معنى، فالكذب والتدليس والمهاترات والمشاجرات هي فضائل عليا طالما أنها تبذل في سبيل عبادة “كشة الطيور”، والتعطل والتبطل والانفصال عن مسؤولياته وعن المجتمع، وهدر كل عاداته ومروءاته من أجل “الكشة” هو ضرب من الترقي في سبيل عبادة الطيور.. والحميماتي لا يؤمن بالعقل ولا بالعمل، وإنما بالحظ والمصادفات، وباستدراج الطيور الشاردة والجانحة عن سربها وقطيعها، فهو يكاثر قطعان طيوره بالصدفة أكثر مما يؤمن بالبيوض وقوانين التكاثر الطبيعي، وديدنه ضربة الحظ التي تسوقها الطبيعة العمياء، والتي قد يلتقط من ورائها بعض شوارد الحمام التي يُطَيِّرها الآخرون، والآخرون دائماً بغيضون وبعيدون عن عقله وروحه واهتمامه، وهو منفصل عنهم أتم الانفصال.. لا يعبد ما يعبدون، ولاهم عابدون ما يعبد.

والحميماتي ليس لديه فريق عمل مساعد، ولا يثق بالآخرين أبداً حتى لو كانوا من أصحاب المهنة نفسها،، فالآخرون قد تتكشف لهم أسرارٌ لا يجب أن يَطّلع عليها أحدٌ، وهو موقن بكامل اليقين أن لديه ولدى طيوره أسراراً خارقة للطبيعة، لا يجب أن يطلع عليها أحد، وهو إذ يقضي معظم وقته وعيناه شاخصتان نحو الفضاء يراقب “الكشة”، تصبح السماء مسكنه الدائم والبديل، ودار مقامه المحبب، وتتحول الأرض وأهلها إلى مأوى موحش ومؤقت، كالنزل أو الفندق السيء الخدمة والإقامة، والذي يعج بغرباء وأناس عارضين طارئين، يسخرون منه ويُنْحُون عليه باللائمة بدون سبب، وهو يستوحش من رؤياهم كلما صادفهم على مضض وكراهة.. والحميماتي يبغض أكثر ما يبغض زملاء المصلحة وشركاء المهنة، فهم خصوم لا يؤمن جانبهم، ومنافسون في السر والعلانية، وإن كانوا حين تجمعهم المجالس يبالغون في احترام بعضهم الزائف، فلا حليف يوثق به في (دِيْن الحمام)..

تستدرجني الذاكرة لأقلب أصناف المعارضات التي مرقت في دهاليز هذه الثورة العاصفة وفي ممراتها المظلمة، فأتذكر ائتلافاً أُنْفِقَ عليه ومن أجله مئات ملايين الدولارات(هل منكم من يتذكر أنه فعل شيئاً أو قدم شيئاً مفيداً لهذه الثورة ولهذا الشعب؟غير أنه وجد في الثورة وشهدائها وحجم التضحيات التي قدمها البلد فرصةً مثل “كشة” حمام مفيدة وفي وقتها المناسب)؟ وأتذكر “وحدات مجالس الدعم” و”وحدات متابعة المجالس المحلية”.. أتذكر الحكومات المؤقتة بوزرائها المؤقتين، والتي أنفقت الملايين بدون طائل..أتذكر فصائل مسلحة، وفصائل مدنية غير مسلحة على هيئة شلل.. تلك الفصائل المسلحة التي لا تفعل شيئاً اليوم غير أن تندمج وتنفصل على مدار الساعة، وأن تقتتل وتنهب سلاحها من بعضها وتسفك دماء بعضها، ثم تذهب مجتمعة إلى محاكمها الشرعية لتحكم لها”بشرع الله”، وأيضاً على مدار اليوم والساعة، وبكامل البلادة المطلوبة، ودون أي إحساس بمصير الوطن ولا بواقع الناس.. أتذكر مؤسسات مدنية(كما تسمى) شادت وبادت دون أن يعلم أحد كيف جاءت وأين اختفت.. وتسوقني الذاكرة المتدحرجة ككرة الثلج إلى واحد من قادة الفصائل المسلحة الذي كان يخضع له فصيل مقاتل تقارب إمكاناته الثلاثة ألوية مجتمعة، وكيف استطاع بطرقه الخاصة أن يراسل ويتصل ببعض الشركات والمؤسسات الأوروبية التي تعاني من مشاكل مالية، أو تقف على حافة الإفلاس، وهي تترنح واقعة تحت تهديد الضرائب والبنوك..

كانت بعض قوانين تلك الدول تعفي تلك المؤسسات المفلسة إذا استطاعت أن تقدم وثائق وبراهين تثبت وتؤكد أنها ساهمت في أعمال إنسانية أو شاركت في دعم السلم والديمقراطية، أو غير ذلك مما يؤخذ بعين الاعتبار في نظر تلك الدول، وتوقره مبادئها ودساتيرها وقوانينها الخاصة. فاستطاع ذلك الحميماتي.. عفواً، ذلك القائد العسكري المجيد والثائر الصنديد أن يتفق مع عشرات من تلك الشركات المفلسة، بحكم ما يحتله من مكانة، وما يؤهله اعتبارياً موقعه ومركزه العام في الثورة السورية، وأن يوَّقع لها ويبصم على أوراقها ومستنداتها بأن أموالها المفقودة ورأسمالها المتدهور تعود أسبابه لكونها ذهبت إلى السوريين، فهي انفقت على مؤتمرات وتجمعات مجتمع مدني وساهمت في إغاثة مناطق منكوبة، ودعمت الديمقراطية في مناطق أخرى، وساعدت على السلم الأهلي، وحاربت الإرهاب ودعمت من يحاربه..

القوانين في تلك البلدان تسمح بإعفاء المبالغ والقروض المترتبة على تلك الشركات، وأحياناً بإعفاء قسم منها وتقسيط القسم الباقي؛ بل ودعم تلك المؤسسات المتهاوية البائسة من قبل الحكومات وإعادة تأهيلها وتمويلها.. فقط كان المطلوب من تلك المؤسسات أن تثبت بأدلة من خلال تعاقدها مع ذلك القائد المعارض، والذي استطاع أن يمهر ثبوتياتها بالأختام المطلوبة لينقذها، وبالطبع مقابل عمولة مخصوصة تقدم له سراً مقابل هذه الخدمة، فما كان من ذلك المعارض إلا أن سلَّم فصيله المسلح لداعش، بسلاحه ورجاله وكامل إمكاناته، وذهب يطلب اللجوء في إحدى تلك الدول، وبمساعدة تلك الشركات، حيث ما يزال مقيماً حتى الساعة.

هكذا تورد الإبل.. وهكذا تكون”كشة” الحمام الناجحة.. وإلا فلا..

أخيراً أحب أن أنوه وأنا أختم بالفارق الضئيل بين الحميماتي وبعض المعارضين، وهو فرق يحتسب لصالح الحميماتي ويصب في خانته؛ فبينما نجد الحميماتي يؤمن بالفرصة السانحة التي تتيح له أن يستدرج حمام الجيران وطيور الآخرين وأن يقتنصها مردَفَةً مع سربه حين يختلط بها، ويجرها جراً إلى أعشاشه، نجد معارضتنا، أو معظمها، فقد فقدت الإحساس بالزمان وقيمته، فلم تعد تقيم وزناً ولا اعتباراً لا لفرصة  سانحة ولا لفرصة بارحة.. ومن فقد الحِسَّ بقيمة الزمن ومضمونه تنازل عن الواقع مختاراً، وطفقت قضيته تتملص من بين يديه شيئاً فشيئاً، وبعد كل طور ومرحلة.

رئيس التحرير 

اترك رد

Translate »