ما بعد الإعلان عن “هيئة تحرير الشام”

أخذت الأمور تميل إلى الهدوء بعد إعلان وقف المواجهات بين فصائل المعارضة في الشمال السوري، الذي جاء عقب الإعلان عن تشكيل “هيئة فتح الشام”. وبعد عاصفة ردود الفعل المنددة بالحرب التي أعلنتها “جبهة فتح الشام” ضد الفصائل المشاركة في محادثات أستانة، والتي كانت من القوة بحيث لم يكن ممكناً حتى لأشد مؤيدي الجبهة مواجهاتها، بدأت الأصوات المحتفية بنتائج أحداث الاسبوع الماضي على الساحة المعارضة بالتعالي شيئاً فشيئاً، مع استفادة أصحابها من معطيات متعددة، كان أهمها الإعلان المكثف والمتسارع للقوى والتشكيلات المقاتلة الصغيرة انضمامها إلى الفصائل الأكبر، وفي مقدمتها الهيئة الوليدة و”حركة أحرار الشام الإسلامية”.

تقوم رؤية هذا الطرف على أن ما جرى لم يكن عملية “تغلبٍ” فرض فيها القوي نفسه على الآخرين بالقوة، بل مبادرة سريعة ومدروسة لم يكن بد منها في النهاية للملمة الواقع المبعثر، ووضع حد للحالة المزرية التي تعاني منها فصائل المعارضة، والتي كانت تصر رغم ذلك على رفض الاندماج والتوحد، وقد جرت هذه العملية بأقل خسائر ممكنة.

هكذا كان لسان حال مؤيدي “جبهة فتح الشام” وبقية الفصائل التي أعلنت تشكيل “هيئة تحرير الشام” أو الإنضمام إليها، بعد أسبوع صعب مر عليهم، واجهوا خلاله انتقادات واسعة في مواقع التواصل الاجتماعي وفي وسائل الإعلام، بالتزامن مع الهجوم الذي كانت تشنه الجبهة على بقية الفصائل، من دون أن يكون بمقدور المؤيدين الردّ، بسبب معطيات الواقع التي لم تكن تسمح بأي شكل من أشكال الدفاع.

وما إن وضعت المعارك أوزارها، السبت، مع إعلان قائد “هيئة تحرير الشام” المهندس هاشم الشيخ (أبو جابر)، أن “جبهة فتح الشام” أوقفت هجومها على بقية الفصائل، بالتزامن مع الإعلان عن ولادة التشكيل الجديد، حتى استعاد مؤيدو الجبهة وتيارها عافيتهم الإعلامية، والتقطوا أنفاسهم للتعبير عن احتفائهم بما أسفرت عنه هذه التطورات.

يعتمد هؤلاء وبشكل رئيس على نقطتين أساسيتين في الهجوم المرتد الذي بدأوا بشنه، اعتباراً من مساء السبت: الأولى، انضمام عدد كبير من التشكيلات العسكرية الصغيرة إلى “هيئة تحرير الشام” فور الإعلان عنها، وقد بلغ عدد هذه المجموعات حتى فجر الاثنين، خمسة عشر تشكيلاً، وفي مقدمتها “مجاهدو أشداء” و”كتائب الصحابة” و”لواء التمكين”، لتضاف إلى الفصائل الرئيسية التي شكلت الهيئة، وهي “جبهة فتح الشام” و”حركة نورالدين زنكي” و”جبهة أنصار الدين” و”لواء الحق” و”جيش السنّة”.

وعبّر هؤلاء عن الاحتفاء كذلك بانضمام أكثر من عشرين فصيلاً ومجموعة إلى “حركة أحرار الشام” خلال الاسبوع الماضي، إذ يرون أن ذلك في النهاية، لم يكن ليحدث لولا الحملة الأخيرة التي شنتها “جبهة فتح الشام”، بل ويؤكدون أن “أحرار الشام” كانت أكبر المستفيدين على هذا الصعيد.

أما النقطة الثانية التي يرى مؤيدو ما حصل أنها تصب في صالحهم، فهي تحقيق هذا “الانجاز” من دون خسائر بشرية كبيرة؛ فلم يسقط سوى أربعة مدنيين كضحايا غير مباشرين للمواجهات التي لم تسفر عن مقتل أي من عناصر الفصائل التي تمت مهاجمتها.

وفي هذا الصدد، يجدد هؤلاء التأكيد على أن قيادة “جبهة فتح الشام” كانت قد أعطت عناصرها تعليمات مشددة مع بداية الحملة، بأن يتجنبوا المواجهة المباشرة التي يمكن أن تؤدي إلى سقوط ضحايا. ويتطابق ذلك مع ما سبق وأن صرح به بعض مسؤولي “جبهة فتح الشام” في حساباتهم الشخصية في مواقع التواصل الاجتماعي، مع بداية حملة الجبهة على الفصائل، قبل أسبوع، إذ أكدوا أن الحملة بدأت بزيارة “مناصحة” قام بها شرعيون وقادة من الجبهة إلى الكثير من من مقرات وتشكيلات الفصائل الستة التي أعلنت الحرب عليها. وتم خلال الزيارات شرح الموقف من مؤتمر أستانة، وحثّ المقاتلين على رفض مشاركة قادتهم فيه. وقد أثمرت هذه الزيارات، حسب تأكيدهم، عن تسليم قسم لا بأس به من هذه التشكيلات سلاحها إلى الجبهة، والانشقاق عن فصائلها. بينما كانت المرحلة الثانية من العملية تقوم على التهديد واستعراض القوة أكثر من استخدامها، ضد من يعلن المواجهة، وذلك حرصاً على عدم سفك دم هؤلاء المقاتلين، بحسب قول مؤيدي “فتح الشام”.

ويبدو أن النجاح الذي حققته حملة “فتح الشام”، والذي توج بانتصار سريع بالفعل، لم يكن محل احتفاء أنصار الجبهة وحسب، بل بدا أنه موضع ترحيب من قبل شخصيات لطالما كانت على خصومة مع الجبهة أو مع التيار السلفي الجهادي. وعبّرت هذه الشخصيات عن مباركتها لما جرى، وتأييدها للحملة “التي لم يكن هناك بد منها في النهاية” وفق تعبيرها، وهذا نابع على ما يبدو من اليأس من واقع الفصائل المتشرذمة.

ومن هذه الشخصيات كان الناشط والمقاتل الحمصي المعروف عبد الباسط ساروت، والذي كان حتى أشهر قريبة مضت، أحد أهم المطلوبين لـ”جبهة فتح الشام”، التي فككت كتيبة كان يقودها الساروت في ريف حمص، العام الماضي، ولاحقته مع العناصر الذين تمكنوا من الهرب إلى إدلب، بتهمة مبايعة “الدولة الإسلامية” سراً. ومثل الساروت، كان الداعية الحلبي المعروف إبراهيم سلقيني، وهو أحد المؤيدين البارزين للجيش السوري الحر، والمعروف بمناوءته للتيار السلفي الجهادي. وأكد الاثنان في تصريحات لهما، أن ما حدث كان لا بد أن يحدث، باعتباره “اسهاماً في وضع حد للمهزلة التي تعيشها فصائل المعارضة، والتي أثبتت حملة (جبهة فتح الشام) الأخيرة، أن العديد منها لم تكن سوى فصائل ورقية”، بدليل أنها لم تستطع “رغم كل مسمياتها الرنانة كألوية وتجمعات وجيوش، من الصمود أمام الحملة الخاطفة للجبهة سوى ساعات”.

ختام جميل، وفق هذا التصور، لأسبوع مرير عاشته المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة في شمال البلاد، وضع قوى الفصائل بأكملها على صفيح ساخن، والأهم ما خلفه من أسئلة كبيرة وكثيرة لدى المعترضين.

أول هذه الأسئلة، هو أنه إذا كان هدف “جبهة فتح الشام” من هذه الحملة بالفعل هو الدفع باتجاه فرض الاندماج، بعد المحاولات الفاشلة المتكررة لاتمامه بالطرق التقليدية، فلماذا كان وضع اليد على سلاح وذخائر الفصائل التي تمت مهاجمتها على رأس أولويات المهاجمين؟ سؤال تم طرحه منذ اللحظة الأولى لبدء الهجوم، بالتزامن مع انتشار معلومات لم تعد خافية على الكثيرين حول الضائقة المالية والشح في ذخيرة “جبهة فتح الشام” وبقية الفصائل التي أعلنت تشكيل “هيئة تحرير الشام”، بما فيها حركة “نورالدين زنكي”. وذلك بعد التضييق الذي عانت منه هذه القوى خلال الشهور الماضية على صعيد الإمداد والتمويل، إلى حد أن قادة وعناصر في الجبهة والحركة كانوا يرددون ذلك باستمرار.

وعليه، فإن من يطرح هذا السؤال لا يرى في ما حدث بهذا الخصوص سوى “حملة سطو” كان لا بد منها بالنسبة لهذه الفصائل التي كانت تعد لاندماجها الذي أعلنته أخيراً، من أجل توفير مؤونة كافية تغطي النقص الذي تعاني منه، وتوفر مخزوناً احتياطياً استعداداً لأي تضييق جديد محتمل يستهدف مواردها. وذلك باعتبار أن أحد أهم أعمدة تشكيلها الوليد، “جبهة فتح الشام” إلى جانب “جبهة أنصار الدين”، المصنفتين على “لوائح الإرهاب”. أمر يرد عليه الطرف المقابل، بالتشديد على أن هذه الأسلحة إنما هي ملك الشعب، وجاءت لمن يقاتل النظام، ولم تشترَ من مال خاص.

أما السؤال الثاني، فيتعلق بالموقف من “لواء جند الأقصى”، الحليف الأول لـ”جبهة فتح الشام” في الهجوم الأخير الذي شنته على الفصائل الأخرى، كما هو الحال في جميع هجماتها السابقة المماثلة. وتنبع أهمية هذا السؤال، لا من أن “الجند” لم يكن إحدى القوى التي تشكلت منها “هيئة تحرير الشام”، بل وبالدرجة الأولى من السبب الذي جعل “جبهة فتح الشام” تعلن فصله قبيل ثلاثة أيام فقط من شنها الهجوم على بقية الفصائل. وذلك بعد تجدد المواجهات بين “الجند” وبين “الأحرار” وبعض هذه الفصائل، في 24 كانون الثاني/يناير. ورغم أن “فتح الشام” كانت قد بررت قرارها فصل “جند الأقصى” في بيان أصدرته وقتها، إلا أن مشاركته للجبهة في الهجوم الذي شنته على تلك الفصائل، دفع بالعديد من الفرضيات المشككة إلى السطح.

وبقدر ما يحمل هذا السؤال والإجابات عنه من تشكيك وتأويلات لا مكان لحسن الظن فيها، يحمل السؤال الثالث الذي تم طرحه حول تسمية المهندس أبوجابر الشيخ، القائد السابق لـ”حركة أحرار الشام” رئيساً للتشكيل الجديد، وإعلان عدد من قادة الحركة المحسوبين على تيار أبي جابر، التحاقهم به مباشرة، وفي مقدمتهم القائد العسكري السابق للحركة أبو صالح الطحان، والناطق العسكري باسم “أحرار الشام” أبو يوسف المهاجر، ومسؤول التسليح فيها خليل أبو اسماعيل.

واللافت في ذلك أن هذه النقلة المفاجأة، جرت رغم توافق هذا التيار مع التيار الآخر في الحركة قبل فترة قصيرة على تجاوز الخلافات الداخلية، وقد تم تتويج ذلك بإعلان أبي جابر حلّ “جيش الأحرار” الذي شكله مع تياره داخل الحركة كقوة ضغط على التيار المنافس. وجاء حلّ التشكيل بإعلان من أبي جابر نفسه قبل اسبوع واحد فقط من الاعلان عن تأسيس “هيئة تحرير الشام”.

وما يجعل هذا السؤال ملحاً، من وجهة نظر من يطرحه بتشكيك كبير، الوضوح في أن الترتيب للتشكيل الجديد والتوافق عليه كان معداً بشكل مسبق، الأمر الذي يرى فيه هؤلاء نوعاً من “الخداع” تمت ممارسته بحق كامل الحركة، التي كانت طيلة هذه الفترة العصيبة، تواجه اتهامات كبيرة من حلفائها بالتواطؤ مع “جبهة فتح الشام” في ما جرى من أحداث، لتقاسم كعكة الفصائل الأصغر.

اتهامات بدت كبيرة، وطرحت سؤالاً لا يقل حضوراً عن الأسئلة الثلاثة السابقة، خاصة مع استفادة الحركة من انضمام عدد كبير من التشكيلات لها، وخاصة الفصائل الستة الكبيرة التي وجدت نفسها في مرمى نيران “جبهة فتح الشام”. في الوقت الذي بدت فيه الحركة عاجزة عن حماية هذه الفصائل بالفعل، مع تواصل الهجوم عليها، بالرغم من مبايعتها للحركة، وعلى الرغم أيضاً من محاولات “أحرار الشام” التي كانت تبذلها في هذا الاتجاه.

إلا أن النتائج النهائية التي تمخض عنها هذا الاسبوع العصيب، وخاصة التحاق التيار المقرب من “فتح الشام” داخل “حركة أحرار الشام” إلى “هيئة تحرير الشام”، جاء بمثابة صك براءة من نوع ما للحركة، التي يرى الكثيرون أيضاً أن ما حصل يصب في صالحها في نهاية الأمر، إذ يُفترض أن مغادرة التيار المتشدد لها، سيعيد الوحدة إلى صفوفها ويعيدها أكثرة قوة وتماسكاً.

يطالب تيار “هيئة تحرير الشام” اليوم تيارات الثورة والمعارضة الأخرى، بتجاوز آلام ومتاعب المرحلة الماضية، والنظر إلى المستقبل من أجل التعاون لمواجهة “المؤامرات والتهديدات”. ويعتمد التيار في ذلك على أن مكونات الهيئة، وفي مقدمتها “جبهة فتح الشام”، ورغم كل ما عليها، إلا أن ما يحسب لها من وجهة نظرهم، أنها حققت دفعة لم تكون متوقعة باتجاه تجميع شتات الفصائل وإجبارها على التوحد من دون الإضطرار للسباحة في برك من الدم. ويقارن أولئك، ذلك مع تجربة “داعش” الذي فرض إرادته بالقوة والبطش على الآخرين لتحقيق هذا الهدف. وهي مطالبات لا يبدو أنه من السهل القبول بها على الآخرين، الذين، مع ذلك، لا تبدو خياراتهم محدودة وحسب، بل وأفضل ما يمكن وصف حالتهم به اليوم، هو أنهم “محكومون بالانتظار”.

المدن

اترك رد

Translate »