تأملات في كتاب إدارة التوحش (2)

معبد الحسون

يتابع: { هذه الدراسة الموسومة بـ]إدارة التوحش.. أخطر مرحلة ستمر بها الأمة[عبارة عن خطوط عريضة لا تعنى بالتفاصيل، وإنما تترك التفاصيل لفريقين، فريق المتخصصين في الفنون التي تتحدث عنها الدراسة وفريق قيادات الواقع في مناطق إدارة التوحش ،وعندما تأتي بعض التفاصيل في ثنايا الدراسة فإنما تأتي لأهميتها أو كمثال لشحذ الذهن..إدارة التوحش هي المرحلة القادمة التي ستمر بها الأمة ،وهي تعد أخطر مرحلة، فإذا نجحنا في إدارة هذا التوحش ستكون تلك المرحلةبإذن الله هي المعبر لدولة الإسلام المنتظرة منذ سقوط الخلافة، وإذا أخفقنا أعاذنا الله من ذلك لا يعني ذلك انتهاء الأمر ولكن هذا الإخفاق سيؤدي لمزيد من التوحش..!!}ص4.   

الموضوع إذن منذ بدايته هو موضوع “سيطرة وإدارة”، ولا علاقة لمنهاج الله ووصاياه وتعاليمه بالأمر، فهي قضية مرتهنة باجتهاد البشر مثل كل الإدارات، والمهول في الأمر أن السيد أبا بكر ناجي يُحَمِّل الإسلام مالم يحمله يوماً، ويُقَوِّلُ الله مالم يقله يوماً، ويتأول كلامه ونواياه كمن يضع نفسه بدلاً منه، إن لم نقل إنه يستبدله بنفسه وبأفكاره وبمسلكيات جماعته التي افترضَ بأنها هي مَن يمثل أهل السنن الشرعية والكونية.. بل لدينا كثير من الأدلة والأقوال الشرعية التي تؤكد أن الله لم يكن له أية مصلحة يوماً ما، أن يَعْمُرَ هذا الكون الذي خلقه بإدارة متوحشة، كما يرغب ويتمنى السيد أبو بكر ناجي.. (هل يحتاج السيد أبو بكر ناجي إلى أدلة نصية من الدين نقدمها له برهاناً على ذلك؟)كما أننا نرغب أن نسأل”المتخصصين في الفنون” و” قيادات الواقع”، ونسأل السيد أبا بكر نفسه: ماهو دليله الشرعي المنقول من صريح الدين في مسألة إدارة التوحش هذه؟وهل هذا الحكم الذي قرره بأن: { إدارة التوحش هي المرحلة القادمة التي ستمر بها الأمة ،وهي تعد أخطر مرحلة، فإذا نجحنا في إدارة هذا التوحش ستكون تلك المرحلةبإذن الله هي المعبر لدولة الإسلام المنتظرة منذ سقوط الخلافة}، هل هذا الحكم حكم شرعي ثبت من الدين بالضرورة(نصاً أو اجتهاداً) أم هو اجتهاد عقلي خاص به، أوجبه النظر والرأي وحكم منطقه هو لا نصوصاً دينية شرعية؟ كما أننا نتساءل عن أخص المراحل التي شهدتها الدولة الإسلامية في الماضي، حقبة الخلفاء الراشدين وذروتها مرحلة خلافة عمر بن الخطاب، وحقبة الخلافة الأموية وذروتها خلافة عمر بن عبد العزيز، والدولة الزنكية ورأسها فترة تولي السلطان نور الدين محمود آل زنكي، والدولة الأيوبية وذروتها في فترة تولي السلطان صلاح الدين الايوبي.. هذه نماذج تفضيلية لا أكثر، فهل في هذه النماذج من التجربة الإسلامية التاريخية ما استحال تحققه وظهوره على واقع الحياة والمجتمع ما لم يكن إلا بعد المرور بمرحلة مستقطعة ومقدمة ممهدة حيث {هذا التوحش.. ستكون تلك المرحلةبإذن الله هي المعبر لدولة الإسلام المنتظرة منذ سقوط الخلافة}.. ثم تابع: {خالفت هذه الأنظمة عقيدة المجتمعات التي تحكمها، وقامت مع مرور الوقت والتدرج في الانحطاط بتضييع وبسرقة مقدرات تلك الدول وانتشرت المظالم بين الناس. وطبقاً للسنن الكونية المحضة نجد أن القوى التي يمكن أن ترجع الحكم لقيم وعقيدة المجتمع، أو حتى ليس من أجل العقيدة والحق، بل من أجل رد المظالم والعدالة التي يتفق عليها الجميع المؤمن والكافر} ص5..

الحق أن السيد أبو بكر ناجي يحيلنا إلى رزمة من الإشكالات والقضايا؛ أولها “مخالفة تلك الأنظمة لعقيدة المجتمعات التي تحكمها”، وثانيها “تضييع وسرقة مقدرات تلك الدول”، وثالثها “انتشار المظالم بين الناس”.. أما الأهم من كل هذا فهو” طبقاً للسنن الكونية المحضة، فإن القوى التي يمكن أن ترجع الحكم لقيم وعقيدة المجتمع”هي المرشحة من باب أولى أن تأخذ المبادرة وقصب السبق في أن “تحكم المجتمعات”، وأن تديرها ولو مرحلياً إدارة متوحشة كما يرى.. لا من أجل“عقيدة المجتمعات فحسب”، بل أكثر من ذلك“من أجل رد المظالم والعدالة التي يتفق عليها الجميع: المؤمن والكافر”.. من أجل كل هذا، وتشميلاً لما سبق، وجدنا أن الطالبان الذين حكموا أفغانستان، وجماعة “الشباب المسلم” في الصومال، وجماعة “بوكو حرام” في نيجيريا، وتنظيم داعش في سوريا والعراق، قد انجزوا هذه المهمة وفق أعلى معايير النجاح الممكنة، فأوقفوا ذلك” التدرج في الانحطاط وتضييع وسرقة مقدرات تلك الدول”، مثلما أوقفوا“سرقة انتشار المظالم التي انتشرت بين الناس”، بينما فاتت هذه الحظوة أخوانهم في الإنسانية، مثل مجتمع كوريا الجنوبية واليابان وسويسرا وفرنسا وهولاندا والسويد؛ أولئك الذين “لم يطبقوا عقيدة المجتمعات التي يحكمونها، حيث أهدروا وضيعوا مقدرات تلك الدول حيث انتشرت المظالم بين الناس”.. ويبدو أنه من سوء حظهم أنهم لم يعثروا على تلك“القوى التي يمكن أن ترجع الحكم لقيم وعقيدة المجتمع”.. لكن السؤال الأهم والأجدر بالطرح هو: هل يوجد في مجتمعاتهم من أمثال السيد أبو بكر ناجي أم أنها، ولسوء حظهم، مفتقرة حتى العدم إلى وجود أمثاله وعبقريته وإلماعاته التي لن يجدوها في مجتمعهم، لشقائهم وسوء حظهم..؟ وسوف أستعير مثالاً بسيطاً: لا أدري من قام بتفجير السفارة الأمريكية في دار السلام عاصمة تنزانيا، وفي العاصمة الكينية “نيروبي” عام 1998، هل هم”أهل الفنون والاختصاص” أم “قيادات فقه الواقع”، لكن الذي أدريه أن التفجير قتل أكثر من مائتين وخمسين إنساناً من الأفارقة ممن كان بجوار السفارة أو حضر لمراجعتها لغرض ما، ولم يقتل من الأمريكيين سوى ثلاثة أو أربعة أشخاص من الحراسة الخارجية أو عمالاً في الحديقة؛ أعلن بعدها أهل “قيادات فقه الواقع”أنهم الحرب على “اليهود والنصارى”، وأنهم أثخنوا في “العدو الأمريكي” وصدعوا عراقيبه حتى الشلل..

منذ البداية علينا أن نؤكد بأن ثنائية النور والظلام، والخير والشر، والله والشيطان، كانت حاضرة فيما يشبه الثبات في ذهنيات الشعوب القديمة، وأن هذه الثنائيات قد تطورت عبر قرون مديدة، حتى حل محلها ثنائيات أخرى مكرورة ومتبدلة أيضاً، وفي كل الحالات كانت تلعب الثنائيات دور التجلية والتظهير لفحوى الحضارات ومضامينها العميقة، وذلك لجدليتها وإشكالياتها في العقل البشري.. إذ لا تكاد تعرف الإنسانية عصراً من العصور ليس له ثنائياته الخاصة به، وليس قرننا هذا الذي نحيا فيه استثناءً، رغم أن التطور والترقي العلمي والمعرفي السريع الذي شهدته البشرية خلال القرن أو النصف قرن الماضي كاد أن يطيح بتلك الثنائيات وان يقلص استعمالاتها المعرفية، وذلك لأن صورة العالم باتت متشابكة التعقيد، لا تعرف الأشياءُ فيه مضامينَها بأضدادها غالباً، ففي الذهنية العامة اليوم، لم تعد الإشتراكية عادلة والرأسمالية متوحشة كما كانت عليه الصورة الثنائية في الماضي، وكما صادف استقرارُها الأخير، ولو من المنظور اليساري على الأقل، وذاك حين نتخيل العالم وهو يرى بنظارة ماركسية كلاسيكية.

اختلطت فكرة العدالة بالعلم، وتراجعت الإنسانيات قليلاً أمام المعرفة العينية التخصصية، وتفوقت الصورة المشاهدة على الحدس والعقل المتأمل، ولم يعد العالم اليوم ينتسب إلى حالة ماهوية صارمة في قيدها والتحقق منها، وإلى اشتراع حلول نهائية تشبه اللقاح الجماعي الموحد والثابت الذي كان يُمصَل به أهل قرية بكاملها دون تمييز.. وهذا في حد ذاته قَدْرَ ما كان منشطاً لدورة الحياة الطبيعية على مستوى الإنسانية بعامة، إلا أنه كان مُربكاً وذا وطأة وحرج في الأزمات العالمية الكبرى؛ اذ يبدو أن بشرية اليوم لم تعد مستعدة لتبني قيم الماضي على عواهنها، ولا هي متهيئة للنكوص إلى الخلف، حيث عالم الثنائيات وجنتها المفقودة، والتي كانت تسير رفقة طريق في الأذهان مع عوالم التمييز العنصري والاستبداد وتقييد الحريات الفردية والجماعية وتنشيط الحروب الأهلية واستغلال الدين والنزاعات العرقية في تلك الحروب.

تراجع كثيراً دور تلك الثنائيات القديمة التي انطمرت في بطون التاريخ مع أساطيره وأمنياته الجميلة وخياله العميق والمتمني، ومثل انسداد الآفاق التي يمكنها ان تفتح نوافذ مغلقة في وجه التطور الرأسمالي الحديث والمتسارع، واشتباك العلاقات الدولية في شباك خيوط العولمة التي قلبت عالم الأمس البسيط والمحدد، أمام نوافذ المعقد واللامحدود، كذلك فإن سلم القيم والتصورات القديمة التي كان تفسرها وتبررها منظومات فكر الماضي وتصوراته المتخيلة باتت على خطر عظيم من ذلك”الانهيار”الذي اشتمله عالم اليوم من منظور الدول القوية والاقتصاديات القوية، وحجم الرأسمال الصاعد والمتحكم بمعظم مقدرات هذا الكوكب وسكانه.

كان لابد إذن من إنجاز خطوة اضطرارية إلى الوراء لاستعارة ذلك الثنائي الذي بات شيئاً يصنف في باب الحنين إلى الماضي؛ في دوائر عدم إمكان عودته كما كان، وفي بواطن غير المحتملات في مستواه الواقعي والتنفيذي، لا عقلاً ولا واقعاً..  فالخطوة القادمة التي لا مشاحة عنها كانت سوف تُعَرِّف عن ذاتها بدلالات المسيح المنتظر، وعلى أيدي المحافظين الجدد في الولايات المتحدة وغيرها، وبتشجيع وحماس من شركاء؛ بعضها لها حصة في الشراكات العالمية العابرة في القارات، وبعضها الآخر كانت له مآرب أخرى من ظهور صناعة الميسانية الجديدة، وظهور المنتظرين والمهديين، أو التعجيل بظهورهم الإفتراضي عبر إغراق الأرض بالشر الذي لابد منه..

من هذا لم تكن صناعة داعش، وإدارات التوحش بعامة، حاجة نافلة لا استعمال لها ولا أسواق، ولم تكن ترفاً يُقصَد منه الفرجة كما الفرجة على إفلام الإثارة الهوليودية.. لقد كان الأمر من الخطورة بحيث أن وصفه بأنه أحد أضخم الصناعات الأرضية التي شهدتها الإنسانية في تاريخها ليس مجازفة، ومكمن الخطورة ليس في أنها تعيد اختراع الشيطان وتجسده تجسيداً حياً على الأرض، بحيث يغدو منظوراً ومشاهداً بالباصرة والمسموع والملموس؛ لا فيلم إثارة، وحالة سياسية وجغرافية وحضارية.. لا كتاباً للمطالعة، بل واقع يحتاج إلى دقة تنفيذ وعاملين ومروجين وحسابات أرباح وخسائر، وتحسين شروط الإنتاج والجودة، ومتابعة الإستهلاك والإقبال وضبط الدعاية والإعلانات له.. وطالما أتعب أهلَ المال والشركات إنتاجُ سيارة جديدة منافسة في السوق، فكيف بالأمر وأنت تجتاز حدود الآلة ومخيلة إنتاجها بغية إنتاج كتلة من الظلام الدامس، تتحرك وتنتصر.. وتكسب وتعيد صياغة العالم بتعابير وملامح جديدة؟

ـ يتبع ـ

اترك رد

Translate »