هل نحن بحاجة إلى ثورة جديدة؟

رئيس التحرير

يقال بأن أحد الأعراب ممن شارك في معركة القادسية، عاد إلى قومه وراح يحدثهم عن بلاد الفرس، قائلاً:”يقولون بأن الأعاجم ينكحون أمهاتِهم.. والله لو أعطوني ألف درهم ما فعلتُها”.. هذه ليست نكتة، ولا كان من بواطن قصد ذاك الأعرابي أنه لو أعطيَ ألفين أو ثلاثة أو عشرة آلاف فإنه ربما كان يفعلها، بل إن مغزى القول وجوهر مضمونه هو أن الأعرابي قد استفرغ “حدود المُطْلقات” كما يتصورها، وبما يحتمله فهمه وتصوره لتلك المطلقات، والتي كانت تُخَيِّلُ له أن العدد ألفاً هو نهايات الأمور ومدياتها القصوى، حيث لا يتاح في الأفهام والتخيلات أن يكون هناك أكبر من العدد ألف أو مايفوقه.

والسؤال الآنف؛ هل نحن بحاجة إلى ثورة جديدة، على قدر ماهو مخاتل ومراوغ، هو حمّالُ أوجهٍ وأفهام؛ فمن جهة هو ارتداد عاطفي غاضب على كل مايحدث في سوريا، وهو من جهة أخرى معايرة هادئة، واستقصاء صلب لفكرة أصيلة، مفرغة من كل حاشيتها الذاتوية والعاطفية، فكرة تؤكد على الحقيقة ولا تخترعها من منطق عدمي على قياس ظاهر أضدادها؛ لتذهب بأن كل مالم يُنْجَزْ ويحققْ أهدافه جميعها يحتاج إلى إعادة نظر، وفحص خبراته المتراكمة لاستعادة مضامينه الحقيقية مجدداً.

نذهل دوماً عن مبدأ عام كان لصيقاً بالثورة منذ أيامها الأولى؛ مبدأ لم تعد اليوم أي ريبة تغلفه أو تلتبس به أو يروغ من التصور المبدأي الأول الذي رافق انطلاقة الثورة السورية، وهذا الغائب الذهني والمتنحي طيلة السنوات الماضية، هو أن أهلَ الثورة أنفسهم كانوا منذ انفجارها فئتين لا فئة واحدة، وفريقين لا واحداً. كانت الوحدة الظاهرية فيما بين الفئتين محمولة على وحدة الالتزام براية الثورة وشعاراتها، وبكل ما حملته من رموز في وجدان وضمائر من هتفت حناجرهم بغضب مندد بالنظام، وكل من لم يؤمن بمساومته، وليس لديه أي تصور عن أنصاف حلول أو أجزائها في التعامل مع هذا النظام. بيد أن غير الملحوظ في هذه المشهدية الظاهرة أن هذه الكتلة التي كانت كبيرة وصلبة منذ بداياتها، والتي أقول اليوم إنها كانت فئتين لا واحدة، وطائفتين من الناس قد ظنتا في فورة الغضب، وتبادر الحركة الفوارة والتي اخذت تنداح في  كل الاتجاهات أنهما على قلب واحد وهدف واحد ومبدأ واحد، قد أثبتت الأيام والأحداث عكس ذلك وخالف المنظرُ المَخْبَرَ، وبالقطع لم يعد يساورنا الريب اليوم أن أهل الثورة هم أهلُ طريقين شتى، ومختلفين في الهدف والنية والقصد، ولم يكونوا منذ البداية شيئاً موحداً يستحق بأن يوصف بواحدية مضمون تلك الجموع الثائرة، إلا لمرحلة موضوعية واضطرارية قد تجاوزتها الأحداث وأصبحت شيئاً من الماضي.

الفئة الأولى كانت ثائرة حقاً لأن لها”مشكلة مع النظام”، ولم تكن الثورة بالنسبة إليها إلا فتحاً جديداً في نوافذ الواقع، وشهية لتغييره واستبداله آنَ أوانُها، أي أن الثورة كانت المعالج الموضوعي لحل تلك المشكلة وتسويتها، وفرصة لتصفية حساباتها مع النظام لا غير، وبكل تأكيد كانت الغالبية الساحقة منها لا ترى حلاً أو تسوية للمشكلة إلا بالإطاحة بالنظام واجتثاثه وتشليعه من جذوره. أما الفئة الثانية فقد كانت ترى أن معنى الثورة كله مركوز في”مشكلة ما بعد النظام”، وبهذا فإن مشكلتها مع النظام هي بديهية أو تحصيل حاصل، فلا يمكن الوصول إلى مرحلة مابعد النظام إلا بعد المرور على جثة هذا النظام وتجاوزها بمسافة، وتجاوز حتى رائحة عفونتها.

كان النظام إذن بالنسبة للفئتين رابط بنيوي وقاسم مشترك الهدف، وهو الذي جمع الشعارات والرموز ووحدها في عداوته الظاهرة؛ لا نتنكر أو ننسى اليوم أن الدواعش والنصرة وأحرار الشام وأضراب هؤلاء جميعاً قد كانوا معنا يوماً ما، وأن كثيراً من العنصريين والطائفيين والفئويين والقبليين اليوم قد شاركونا ثورتنا، وأردفونا في التظاهرات السلمية(وحتى في مرحلة حمل السلاح)وأردفناهم، وأن كثيراً من أهل”الائتلاف” ومجاميع المجتمع المدني كما يتسمون اليوم،وكثيراً من تجمعات اليوم السياسية؛ لا مِراءَ بالقطع أنهم خرجوا في هذه الثورة مثلما خرجنا، وشاركوا فيها بإمكاناتهم(ولا يضر حتى لو كان بعضهم قد شارك في التغيير بأضعف الإيمان؛ القلب)، فالفئة الاولى كانت ترى أن المهمة الوحيدة المنوطة على العاتق هي إسقاط هذا النظام فحسب، والانتصار عليه بأية وسيلة، وبعد ذلك كل شيء مفوض لاحتمالات الواقع وقابل للتسويات.. وكل التحالفات يمكن إعادة النظر فيها، وكل الحلول سوف تصبح شيئاً مُفَكَّرَاً فيه في الظرف والأوان المناسبين. والفئة الثانية تدرك، وإن تخالفت في مدرجات تعبيراتها عن نفسها، أن الحرية التي خرجت تنادي بها إنما كانت تعني (الدولة).. الدولة السورية الحديثة، الدولة المدنية الديموقراطية العلمانية العصرية، والسائرة في طريق عالم الحداثة والمعاصرة، والتي تشيد بنيان الوطن على قاعدة من العلم والإنتاج والتنمية المعاصرة التي توفر المواطنة الحرة والمستقلة، وتؤسس للعدالة في أجلى مثال قانوني مُتَصَوَّر.

المدى و”حدود المطلقات القصوى” بين الفئتين كانت متخالفة في الذهنيات ومتباعدة، مثل ذلك الأعرابي الذي كان لا يتصور العدد ألفاً إلا بكونه آخر الأشياء ومنتهى الأعداد، وحين بدأ النظام يترنح وينسحب ويفقد مركزيته لصالح قوى الاحتلال الجديدة، إيران وروسيا وداعش وتركيا ومختلف الميليشيات الأخرى، بدأ المسكوت عنه ينطق، والغائب المدفون في قاع الضمير ينبثق ويفصح عن نفسه شيئاً فشيئاً، وباتت إمكانية أن يبقى أهل الثورة على جهلهم بأنهم فئتين اثنتين لا واحدة، متعذرة، ولم يعد كما كان عليه الحال في الماضي يجمعنا علم الثورة توهماً، ولا تُلَبِّسُ على أذهاننا الرموز أو تتغشانا الشعارات، أوتوحدنا الادعاءات الغضبية والمزاودات الطافرة في ملاعب الاستعجال وعدم الاستبيان كما كان عليه الواقع في سني الثورة الأولى.. لقد بات من أبسط بدهيات الواقع اليوم أن نقرر، بمنتهى الجرأة والصراحة وقوة الإفصاح عما آلت إليه حقائق الأمور: نحن أهل الثورة التي خرجنا فيها جميعاً موحدين متضامنين، مجتمعين ككتلة بنيانية شعبية واحدة مرصوصة ومتماسكة.. لم نعد اليوم كذلك، بل أصبحنا موضوعياً فئتين،(لا ناتج خلافات أو تفرق مصالح أو تضاد في وجهات نظر)، نسير على دربين مختلفين، كل واحد منهما يفضي إلى وجهة مباينة للوجهة الأخرى.. هذه هي الحقيقة فمن شاء فليؤمن بها، ومن شاء فليكفر بها، وليغضب من هذه النتيجة إذا شاء أو يرفضها، فقد أصبحت الفئتان كلٌّ منهما تلعب في ملعبها بعيداً عن الأخرى، وأصبح الواجب هو تصحيح صيغة السؤال، بعد الإجابة عليه بـ: “لا”.. إننا لسنا بحاجة إلى ثورة جديدة، إنما نحن بحاجة إلى إعادة تعريف أنفسنا، وتفاصل ما بيننا ومقايسة المسافات على بيضاء ناصعة ووضوح، قبل أن ننتقل إلى سياق جديد مُلزِم من تطور الثورة ، وإلى مرحلة تنظيمها وبعث أدائها المتجدد الحي، والمناسب للمرحلة القادمة .

اترك رد

Translate »