الرئيسية / بعيدا عن السياسة / شجرة الكينا … خبز وملح
شجرة الكينا … خبز وملح

شجرة الكينا … خبز وملح

عروة المهاوش – الرقة بوست
حين توفيت جارتنا الكوردية عن عمر يناهز التسعين عاماً، لم تكن وقتها قد أتقنت اللغة العربية، وإن كانت تتحدث بلغة ركيكة وثقيلة، فيها نوع من الجمالية اللفظية أيضاً لظرافتها.
بلباسها التقليدي المزركش، وابتسامتها الرائعة، كنت أسألها دوماً عن شروالها الملون بألوان كانت غريبة عن مداركي كطفل، وعن غطاء الرأس الضخم جداً ذي اللون الأبيض دوماً، وعن تلك الوشوم التي رأيت واحداً منها ذات يومٍ يزين كاحلها كخلخالٍ ذي أجراس، وأستغرب اللون الأزرق الذي يملأ مساحات كثيرة من أجزاء جسدها الظاهرة رغم قلتها.
حين كبرتُ قليلاً أصبحت أدقق أكثر في وجوه وأقدام وأكف النساء من حولي، بدءاً من والدتي التي كانت توشم خدها، ومقدمة الفك أيضاً ليتضح لي لاحقاً أنها تحمل وشماً آخر في قدميها، بينما جدتي لأمي كانت كلوحة زرقاء تماماً لا تختلف عن جارتنا الكوردية بشيء سوى اختلاف الرسوم والوشوم طبقاً لما تعنيه.
ما كان يقلقنا جميعاً بمن فيهم والدي هو شجرة الكينا العملاقة التي تتوسط بيت جارتنا، والذي يقع بالجهة الغربية من منزلنا، حيث يفصل بيننا شارع لا يتعدى عرضه أربعة أمتار فقط، ثلاثة أشياء لم تكن تفارقه أبداً، قداحته الرونسون وعلبة التبغ، وبخاخ الأوكسجين ذو اللون الرصاصي، الذي يستخدمه لنوبات الربو المزمن، عدا عن ركوة القهوة الملازمة لمكان تواجده دوماً.
يستيقظ والدي قبيل آذان الفجر من مرقده المفضل تحت شجرة التين الكبيرة التي تتوسط منزلنا تماماً، يحتسي قهوته، وهو ممدد في فراشه بينما تقابله والدتي التي تفضل دوماً الجلوس على الأرض، وبعد الانتهاء من صلاة الصبح وقبيل شروق الشمس يحمل كرسيه الخشبي، وتلحقه والدتي بركوة قهوة جديدة، ويتخذ من الرصيف أمام البيت جلسة أخرى لاحتساء القهوة، تختلف هذه المرة في تنوع وجوه النسوة اللواتي يتقاطرن إلى جلسته اليومية إضافة لوالدتي،وفي بعض الأيام يحضر صديق عمره عمي أبو سعدالشكرجي ، تتوافد نسوة حارتنا على فرن عويرة القريب من بيتنا لشراء الخبز وجلسة القهوة الصباحية مع والدتي، خالتي أم بشار وخالتي أم عمر وعمتي وغيرهن، يبدأن أولاً بانتقاد نسوة الحارة غير الموجودات معهن، فلانة ضربها زوجها، وفلانة اليوم لم تحضر لتبدأ التحضيرات لزيارتها والاطمئنان عليها، ويبقى هذا الحال حتى شروق الشمس لتنتهي الجلسة الأولى.
أبي يملك قلباً طيباً جداً، لكنه سريع الغضب، لم تكن والدتي وكذلك نحن وصديقاتها والجوار نملك الجرأة على الرد عليه حينما يغضب، حتى يبادر بعد دقائق معدودة لمناداتنا لأمر ما، بعد أن يكون قد هدأ قليلاً، وأحرق لفافة التبغ الثانية، أكثر ما كان يثير غضبه ويهيج لديه نوبة الربو بشكل مخيف جداً، هبوب الريح من الجهة الغربية حاملة معها مئات الأجراس الصغيرة ومليارات البذور الناعمة من شجرة الكينا التي تملكها جارتنا الكوردية، حيث تنتابه نوبة الربو بشكل مفاجئ ليبدأ فوراً باستعمال البخاخ الخاص بالربو، وفي الوقت ذاته يبدأ بالدعاء أن تحرق النار هذه الشجرة كي يرتاح من أذيتها لصحته، رغم محاولات والدي مع الجوار السعي لاقتلاع هذه الشجرة إلا أن ضخامتها وهشاشة البيوت المحيطة بها كانت تؤرق كل من يحاول قص أي غصن منها، خوفاً من أن يقع على سطح أحد البيوت فيهدمه، إضافة الى شبكة الأسلاك الكهربائية المحيطة بالمكان.
لم تكن جارتنا ذات الأصول الكوردية تدع فرصة وجود عددٍ من الرجال مع والدي إلا وتستثمرها في وصيتها التي سمعتها منها على مدى ثلاثين عاماً فقد كانت ترغب أن يقوم والدي بواجبها في فتح بيت عزاء لها رغم وجود أبناءٍ لها أحياء ويقطنون بجوارها، وكان يرد عليها ممازحاً: أنت فقط موتي ولك علي عهد بأن أبني لك بيت عزاء لمدة سبعة أيام بدل الثلاثة، ومضت الأيام والسنون وهي تكرر كل يوم وصيتها، وفي يوم رمضاني حار استفقنا على خبر موتها، فكان لها ما أرادت من وصية، فقط قلّة من الأقرباء وبعض الجوار كان في جنازتها، ليبقى البيت فارغاً حتى قبل مغيب الشمس، وقبيل الإفطار لم يكن عدد المتواجدين يتجاوز أهل البيت ووالدي في حيرة من أمره أرسلنا إلى مفارق الطرق موصياً إيانا أن نجلب كل عابر طريق على الإفطار والدعاء لروح المرحومة، وفعلنا في اليوم الأول والثاني أما اليوم الثالث فقد دعا أقاربنا مهدداً إياهم بالقطيعة في حال عدم حضورهم وكان له ما أراد.
لم أجده حزيناً كتلك الأيام رغم أنه كان يظهر غضبه الشديد من شجرة الكينا الكبيرة والتي كانت تؤذيه وحين قرر ابنها قطعها، رفض والدي موصياً إياه بقطعها بعد وفاته فقط.
توفي والدي رحمه الله ووالدتي وأختي وبعض من إخوتي ونسوة من حارتنا، وما زالت شجرة الكينا شاهداً على الخبز والملح والجوار الحسن وما زلت أذكر مكان جلستها بزيها المزركش.

Print Friendly, PDF & Email

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »
%d مدونون معجبون بهذه: