“تحرير الشام” تعلن الحرب على “لواء الأقصى”

تصاعدت حدة المعارك بين “هيئة تحرير الشام” و”لواء الأقصى” في ريف إدلب الجنوبي وريف حماة الشمالي، حيث بدأ الطرفان مواجهات شاملة، مساء الأحد، بعد أسبوعين من المناوشات المتفرقة بينهما. وذلك على خلفية إعلان قادة التيار الأكثر تشدداً في “لواء جند الأقصى” إلغاء العمل بالاسم القديم، واستبداله بـ”لواء الأقصى”، نتيجة الانقسام الذي حصل داخله، بسبب الموقف من “هيئة تحرير الشام”.وفيما اكتفى “لواء الأقصى” بإصدار بيان مقتضب دعا فيه الهيئة إلى العدول عن موقفها وأكد استعداده الكامل للمواجهة، توالت المواقف والتصريحات الصادرة عن “تحرير الشام” للدفاع عن موقفها وشرح أسبابه، في ضوء حملة الانتقاد الواسعة التي وجهت لها بسبب هذه التطورات.المعارك انطلقت، مساء الأحد، مع شنّ الطرفين هجمات متبادلة، استهدفت بداية الخواصر الرخوة للآخر بهدف توجيه ما أمكن من ضربات استباقية تساعد في تسريع حسم المعركة. وأحكم “لواء الأقصى” سيطرته الكاملة على مدينة خان شيخون في ريف حماة، بعدما اقتحم “دار القضاء” التابعة لـ”هيئة تحرير الشام” وبعض المواقع الأخرى في المدينة، ما أدى إلى مقتل العديد من عناصر “جبهة فتح الشام”، القوة الرئيسية التي تتكون منها الهيئة.من جانبها، بدأت “تحرير الشام” هجماتها ضد اللواء في بلدتي كفر زيتا في ريف حماة الشمالي، والتمانعة في ريف إدلب الجنوبي، وحقق مقاتلوها تقدماً كبيراً في هذا الهجوم الذي واجهه “لواء الأقصى” بتنفيذ ثلاث عمليات انتحارية. مصادر الهيئة قالت إن عنصرين من اللواء فجرا نفسيهما في بلدة كفر زيتا مستهدفين تجمعات لـ”تحرير الشام”، بينما استهدفت سيارة مفخخة يقودها عنصر ثالث حاجزاً للهيئة في بلدة التمانعة، ما أدى إلى وقوع خسائر لم يتم الكشف عنه.لكن مصادر محلية من مدينة خان شيخون قالت إن 18 عاملاً وحارساً في “دار القضاء” في مدينة خان شيخون تمت تصفيتهم على يد عناصر “لواء الأقصى”، الذين اقتحموا الموقع والقوا القبض على جميع العاملين فيه وقاموا باطلاق النار عليهم بعد اطلاق سراح الموقوفين فيه. كما تحدثت المصادر عن مقتل عدد من قادة اللواء خلال اليوم الأول من المواجهات، ومنهم القائد العسكري أبو الوليد هيش، والمسؤول الأمني العام أبو ريحانة، بالإضافة إلى أبو حسين هرموش أحد القادة العسكرين في اللواء. ولا يبدو أن هذه التطورات قد منعت “هيئة تحرير الشام” من مواصلة هجومها، بل على العكس، فقد شكّل ذلك فرصة جديدة بالنسبة للهيئة لإضفاء المزيد من الشرعية على هذه المعركة، وخاصة داخل التيار الجهادي الذي يحظى قادة “لواء الأقصى” ببعض التأييد فيه. تأييد تصاعد نوعاً ما على حساب “جبهة فتح الشام” منذ تشكيلها “هيئة تحرير الشام” مع فصائل أخرى.وبحسب كل المؤشرات والتصريحات الصادرة عن الهيئة، فإن المعركة تهدف لاجتثاث “لواء الأقصى”، بشكل نهائي، وذلك بعد التطورات التي شهدها الاسبوعان الماضيان، والتي بدأت بمناوشات وحرب إعلامية تركزت على “مفاصلات عقدية” وانتهت بـ”مناظرة شرعية” بين الجانبين، قبل يوم واحد من انطلاق المعركة.جاء ذلك بعد الانقسام الذي عصف بـ”لواء جند الأقصى” على خلفية الموقف الداخلي من “هيئة تحرير الشام”، إذ أعلن التيار المتشدد في اللواء والمتمركز بشكل رئيسي في ريف حماة الشمالي، تشكيل تنظيم جديد باسم “لواء الأقصى”، بينما فضل عشرات آخرون من عناصره الانشقاق عن اللواء والانضمام لفصائل أخرى.الإعلان عن بدء المعارك، تزامن مع نشر المسؤول الشرعي في “جبهة فتح الشام” الزبير الغزي، تفاصيل المناظرة التي جرت بين ممثلين عن “هيئة تحرير الشام” و”لواء الأقصى”، بطلب من الهيئة، من أجل احتواء الموقف واقناع قيادة اللواء بتغيير مواقفها وأفكارها، على حد قول الغزي، إلا أنها لم تؤد إلى نتائج مفيدة.وبحسب الغزي، فإن المناظرة التي مثّل فيها “لواء الأقصى” كل من أميره أبو عبدالله الغزاوي، وشرعيّيه أبو أحمد حاس وأبو ذر الصوراني، وبحضور عدد من المحايدين، كشفت عن تعامل اللواء مع تنظيم “الدولة الإسلامية”، وتبنيه أفكاره في ما يتعلق بتكفير الفصائل الأخرى، بما فيها تلك المنضوية في “هيئة تحرير الشام”، بناء على أدلة واعتبارات لم يستطع ممثلو اللواء تبريرها فقهياً، إلا أنهم رفضوا التراجع عنها في النهاية، كما قال.كما أكد الغزي أن ممثلي “لواء الأقصى” في هذه المناظرة، رفضوا إحالة الملف إلى محكمة مستقلة تفصل فيه، كونهم لا يرون في أي من القضاة المرشحين من يصلح للحكم فيها، حيث أصروا على أن يكون القاضي الذي يمكن القبول به، متبنياً موقفهم من الفصائل الأخرى، كشرط للقبول بالتحاكم لديه.هذه التفاصيل، وكذلك مجموعة من التسجيلات المصورة التي بثتها شبكات مقربة من “هيئة تحرير الشام”، وتظهر اعترافات لعناصر من “لواء جند الأقصى” بالتعامل مع “الدولة الإسلامية” عن طريق قادة في اللواء، من أجل تجنيد مقاتلين لصالح التنظيم وتسهيل وصولهم إلى مناطق سيطرته، بالإضافة إلى تنفيذ عمليات أمنية ضد الفصائل الأخرى، كان واضحاً أن الهدف منها التأكيد على مشروعية الهجوم، الذي بدا أن “هيئة تحرير الشام” ماضية فيه حتى تحقيق كامل أهدافه.والهدف الرئيس من هذا الهجوم، حسب بيان أصدرته “هيئة تحرير الشام”، الإثنين، هو قتال اللواء “حتى يفتح الطرقات ويزيل الحواجز ويكف عن خطف المسلمين ومجاهديهم، ويتوقف عن تكفيرهم وينزل لمحكمة شرعية”.لكن ومع انطلاق المواجهات، بدا أن هناك اجماعاً لدى المراقبين على أن الهيئة مصممة على اجتثاث اللواء، بعدما نجحت في تحييد قسم كبير من عناصره وقادته. إذ لا يمكن للهيئة أن تسمح باستمراره بينما هي تعمل على ترتيب أوراقها، وهو أمر لا يمكن أن يكتمل من دون التخلص من التهديدات الأمنية التي يمثلها بقايا “لواء جند الأقصى” في المناطق التي تنتشر فيها الهيئة في ريفي حماة وإدلب، وذلك بعدما أصبح اللواء، بحالته الجديدة، خارج سيطرة “جبهة فتح الشام”، التي لطالما استفادة من “جند الأقصى” كحليف في هجماتها ضد الفصائل الأخرى.وتستند الهيئة بشكل كبير على ما يسميه مسؤولون فيها “نجاحات في تحييد وانشقاق أعداد كبيرة من مقاتلي اللواء”، قبل اعلان قتاله، في ردها على التساؤلات التي طرحها الكثيرون حول توقيت المعركة وأسبابها.فالعديد من القادة والشخصيات البارزة في المعارضة، تساءلوا عن الجديد الذي اكتشفته “هيئة تحرير الشام” مؤخراً في ما يتعلق بأفكار اللواء وارتكاباته، لتعلن قتاله في هذا التوقيت. وذلك بعدما عارضت “جبهة فتح الشام” أكثر من مرة هجوم الفصائل على اللواء، بل وحمته من هجوم شامل شنه تحالف من الفصائل بقيادة “حركة أحرار الشام الإسلامية” في تشرين الأول/أوكتوبر 2016، عبر ضمّها اللواء إلى الجبهة، بعد تصاعد التفجيرات التي نفذتها خلايا مرتبطة بـ”تنظيم الدولة” من عناصر اللواء ضد الفصائل الأخرى، واغتيال العديد من قادة هذه الفصائل. واعتبرت المعارضة أن هذا التطور يشكل دليلاً جديداً على البراغماتية التي تتعامل بها “جبهة فتح الشام” مع مختلف القضايا.الشرعي في “حركة أحرار الشام” أيمن هاروش، انتقد بشدة ما اعتبره “الكيل بميزانيين” في الموقف من “لواء جند الأقصى”، وعلّق على ذلك بالقول: “هناك من ‏يأتي متاخراً ويفعل ما قلته منذ سنوات، وبدلاً من الاعتذار يصر أنه على حق حين خالفك، وأنت على ضلال في الحالتين”.الموقف ذاته عبر عنه أيضاً رئيس “الهيئة القضائية” في “حركة أحرار الشام” الشيخ أحمد نجيب، الذي غرد في “تويتر” تعليقاً على ذلك بالقول: “أفتينا سابقاً بخارجية الجند فاشرأبت الأعناق وكأننا نقول زوراً، واليوم يُحكم عليهم بعد أن قدّمت الساحة خيرة شبابها قرابيناً..‏ أما كان يسعنا أن نحفظ دماء إخواننا وخارجيّة أولئك كالشّمس، أم أنّه كتب علينا ألا نحكم إلا إذا تضاربت مصالح بعضنا معهم؟!”.مواقف المسؤولين في “أحرار الشام” أشارت بوضوح إلى قيام “جبهة فتح الشام” بضم “لواء جند الأقصى” إلى صفوفها، في العام 2016، وانتقاد المتحدث باسم الجبهة حسام الشافعي لتصريحات قائد “الأحرار” السابق مهند المصري بحق اللواء، حيث وصف الشافعي وقتها مقاتلي الجند بـ”المجاهدين الأطهار”.وأبعد من ذلك، اعتبر العديد من خصوم “فتح الشام” أن ما يجري اليوم لا يعدو أن يكون محاولة من “هيئة تحرير الشام” لإخضاع “لواء الأقصى” بعد خروجه عن سيطرتها، احتجاجاً منه على اندماجها مع “حركة نور الدين زنكي” التي يعتبرها اللواء مرتدة. بينما رأى القيادي في “جيش الإسلام” في الشمال علي عبدالوهاب “أن جوهر الخلاف هو على النفوذ ومناطق السيطرة لا أكثر”.الناطق السابق باسم “جبهة فتح الشام” حسام الشافعي، هاجم منتقديه، واعتبر أن تعليقاتهم تأتي من باب “التشغيب”، قائلاً: “إن موقف جبهة فتح الشام السابق والحالي من اللواء، كان بناء على معطيات شرعية وتطورات واقعية وليس مجرد ردات فعل”.وأضاف الشافعي في “تليغرام”: “إن ما قلناه حينها تكلمنا فيه ديناً وعقيدة، وما نقوله اليوم دافعنا فيه المنطلق ذاته، لكن شتان بين الأمس واليوم، وبين الواقعتين، والهيئة لم تبدأ معركتها مع خوارج لواء الأقصى، إلا بعد أن تمايزت صفوفهم بين خيرة المجاهدين وبين زمرة الخوارج، وكان القرار شرعياً ومنسجما مع الظروف والأحداث”.الدفاع الأقوى جاء من عضو “الهيئة الشرعية” في “هيئة تحرير الشام” الشيخ عبدالرحيم عطون، الذي لم يكتف بالرد غير المباشر على منتقدي تباين مواقف “جبهة فتح الشام” من “لواء جند الأقصى” بين الماضي والحاضر، بل ورد أيضاً على المؤيدين للواء في الوسط الجهادي الذين انتقدوا بشدة الهجوم وطالبوا بوقفه.عطون وفي كلمة صوتية له، مساء الاثنين، أعاد التأكيد على المساعي التي بذلتها “هيئة تحرير الشام” لاقناع قادة “لواء الأقصى” وعناصره بالتراجع عن الفكر التكفيري والتعامل مع “الدولة الإسلامية”، وتسليم المطلوبين منهم لمحكمة مستقلة، لكن من دون تحقيق النتائج المرجوة، داعياً العناصر التابعين لقيادة اللواء بوضعه الجديد إلى الانشقاق عنه والانفصال عن قادته.وأكد عطون أن الهيئة وإن لم يكن قد خفي عليها من قبل الفكر التفكيري لهؤلاء، وما يقومون به بناء على ذلك، إلا أن السبب المباشر الذي أدى لإعلان الحرب ضدهم، هو إعاقتهم لمعركة كانت “هيئة تحرير الشام” قد رتبت لها أخيراً ضد قوات النظام انطلاقاً من ريف حماة الشمالي، المنطقة التي يسعى “لواء الأقصى” إلى توطيد وجوده فيها لتكون تحت سيطرته بشكل كامل. وأضاف عطون أن عناصر اللواء قاموا بقطع الطرقات وإعاقة مقاتلي الهيئة خلال تجهيزهم لهذه المعركة، الأمر الذي سرّع من ضرورة الحسم معهم، فكانت المناظرة الشرعية بين ممثلين عن الطرفين، الأمل الأخير لمنع المواجهة، إلا أن قيادة “لواء الأقصى” لم تتراجع وأصرت على مواقفها.عطون لم يغفل في كلمته الإشارة إلى ما سبق وأن قامت به “جبهة فتح الشام” لافشال مؤتمر أستانة، الذي احتضن مفاوضات غير مباشرة بين بعض فصائل المعارضة وبين النظام، في 23 كانون الثاني/يناير 2017، إذ هاجمت الجبهة 6 فصائل شاركت في المؤتمر، وسيطرت على عدد كبير من مقراتها وأسلحتها، ما اضطر هذه الفصائل للانضمام إلى “حركة أحرار الشام” المقاطعة لمؤتمر أستانة. وأكد عطون في هذا الصدد أن “هيئة تحرير الشام” لن تتساهل مع أي مشاريع تستهدف “الثوابت”، إن كانت مشاريع خارجية أو تكفيرية، على حد وصفه.تصريحات متطابقة ومواقف منسجمة عبر عنها المسؤولون في “هيئة تحرير الشام” دفاعاً عن قرار مهاجمة “لواء الأقصى”، وفيها لا يخفى الطابع التبريري، بحسب الكثيرين من المحللين، الذين رأوا أن مجمل المواقف السابقة لـ”جبهة فتح الشام” من “لواء جند الأقصى” جعلت من موقفها اليوم حرجاً، في الوقت الذي يقر فيه الكثيرون من هؤلاء أن الهيئة تبقى الطرف الأكثر قدرة على تفكيك اللواء، الذي لطالما شكل عقدة كبيرة لقوى المعارضة في الشمال، والتي فشلت دائماً في التعامل معه.

اترك رد

Translate »