حرية الربيع المتثاقل!

عبد الكريم البليخ – الرقة بوست
هل يكون للشوق الذي هجم علينا في بلاد الاغتراب كل هذا التغيير في حياتنا؟.
حياتنا التي نعيش مقتطفات منها، بعد أن صار الواقع العربي، والربيع الشتوي دموياً، وتحوّل إلى كابوس ارتد منه، في الأخير، كل من عرف نتائجه ومخبأه وحطم كل شيء، وأوجع الأحبّة والأهل والأصدقاء.
لايمكن لهذا الربيع الذي تجبّر وخرب ودمّر وحوّل كل ما هو جميل إلى ذرّات من الرماد.. وأدمى القلوب، وأضرم فيها نار من الكراهية والحقد لايمكن لها أن تخمد!
نعم، لقد حوّل الجميل إلى سيء، والحلو إلى مر، والحب إلى كراهية، والصدق إلى كذب.. وكل ما من شأنه أن يهيئ الطريق المستقيم لنا نحن البشر، إذا اعتبرنا من هذا الصنف!
وهل يعقل، وبهذه العقلية المتحجّرة، الصلدة، وبهذا القالب الخشبي الغريب الأطوار، أن نظل غير عابئين بمصير الناس.. ملايين الناس. وكيف تحولت أحوالهم المعيشية، والواقع المر الذي يعيشون، والصراع الذي ألب مضاجعهم، والحيف الذي أصابهم في مقتل، إلى مرارة من الكراهية.
كل هذا، ألا يكفي قهراً، وذلاً، وتخبطاً، وانهياراً للقيم، وأشكال الحقد الدفينة التي أظهرتها الساحة القتالية، والويلات التي عاشها ابن سورية البطل؟.
هذا الحقد المبطن، لماذا ظهر فجأة؟ ومن هو الذي افتعله، وازداد شراسة وتعنتاً، وعلى الرغم من ذلك “بلعه” الشعب الأعزل، البسيط، المتواضع الفقير، الذي لايهمه إلاّ البحث عن مأوى يلجأ إليه، ولقمة سائغة تسد رمقه، وحب مغموس بالراحة يبحث عنه؟.
ابن سورية، بسيط في تواضعه، وفي كرمه، وانفتاحه على الناس. وهو شهم في تعامله، ومقدام، إن تطلب منه الحال أن يفعل.
وهو كبير في أخلاقه، وفي كبريائه. وصبور في تعامله، ومهذب في طبعه، وما تعلمه من مدرسة الحياة التي عاشها.. مدرسة التهذيب والأخلاق.
لايمكن أن نقول عن ابن سورية، إلاّ أنه ينشد الحرية التي يحلم بها كل إنسان على هذه البسيطة.
حرية في تعابير وجهه، وفي تنقله، وفي مأكله ومشربه، ومسكنه، وحتى في ملبسه.
حرية، في خطواته التي قهرها الزمن، والبحث عن الانتشال من بئر الخيانة.
حرية في تعاطفه مع الآخرين، بعيداً عن عين الرقيب. العين التي أذلته، وآلمته، ونثر من نثر التراب فيها!.
حرية في بيته، وفي صلاته، وفي حديثه إلى صديق، وفي لقائه مع حبيب، وفي حمل وليد.
الحرية، هي انطلاق نحو عالم التجديد، عالم الوعي المتكامل بعيداً عن عين الرقيب، وبالمقابل الاكتفاء بما يلبي حاجة المكان، كي لايعرّضه إلى القَصّ، ومن ثم المصير المجهول!
ومن خلال كل ذلك التشاؤم، إذا اعتبرنا أنَّ الحرية، ومطلبها من المستحيلات في بلد تشرَّب أبناؤه من حسد الآخرين، ومن رؤيتهم الحاقدة، وهذا ما ساهم في تحويل سورية الخير، سورية المحبة والتفاؤل والمجد إلى نار ورماد.. وهذا ما أرادوا لها أن تكون معزولة عن الآخرين، وعن تحقيق مطلب ابنها الذي دفع ثمنه بالدماء التي أريقت..
حولوا أصالة أهلها إلى وجع دائم، وعاهة مستمرة لايمكن أن تقوم لها قائمة، لاسيما وأن ما أصابه في الإنسان والبناء قتل رغبة جادة في الحياة.
فالاقتتال طال الشجر والحجر والبشر، وكل ما هو جميل في نظر أهلها، وهي كذلك.. فهل يمكن أن نطلق عليه حرية الربيع المتثاقل.
تظل سورية بلد الأحرار، بلد المحبة والإنسان والحجر والزيتون والقمح والنهر والجبل.. والأبجدية الأولى.
هذه سورية، الأم الحقيقية لكل عربي شهم مقدام.
صحافي سوري مقيم في النمسا

اترك رد

Translate »