الرئيسية / بعيدا عن السياسة / الغربة قاتلة الأحلام.
الغربة قاتلة الأحلام.

الغربة قاتلة الأحلام.

مازن معن الحسون – الرقة بوست

إنّنا سوريون ، ولأنّنا كذلك فُرِضت علينا الهجرة كما فُرِض علينا الموت حتّى التخمة . فشاء القدر أن نغترب عن وطننا الصغير ، ونلجأ الى شتات العالم البعيدة ، ونحيا -ونحن لا نفعل- على أمل عودتنا المنتظرة الى تلك الرقعة من الأرض ، التي تُسمّى وطن.

الغربة ، هي أول وأكبر العوائق والأمراض النفسية التي تواجه الإنسان الذي غادر موطنه ، سواء بإرادةٍ منه أم دونها. والغربة بحسب علماء علم النفس هي (الشعور بالضيق والقصور بسبب فراق أو توقع فراق لبيئة او منزل او وطن او أي شيء ارتبط وتعلق به المرء).

وعادةً ما يصحب هذا المرض العديد من الأعراض . وتفاقهما يؤدي نتائج كارثية على نفسية وحياة الفرد المصاب بها، كالتوتر والقلق والإضرابات النفسية والخوف والإكتئاب وبالتالي الإنعزال عن المجتمع وعدم الرغبة بمتابعة الحياة أو الإلتفات اليها والإكتراث لها . وقد تؤدي في بعض الأحيان الى الأنتحار.

وبمجرد خروج المرء عن المألوف وانخراطه بثقافة جديدة غير تلك التي اعتاد عليها ، وابتعاده عن الأشخاص المعتادين . يبدأ هذا المرض بمحاولة التسلل الى داخل الإنسان ، والتهامه شيئاً فشيئاً، وتحويله من إنسان ذا طموح وأحلام الى مجرد شخص غارقاً في الكآبة والوحدة والإضطراب .

الميّزة في الأمراض النفسية أنّ العقل هو العامل الأكبر بتشكيلها ، فجميع هذه الأمراض تنشأ من العقل ، وبداخله . ليست فيروسات أو جراثيم ، ولكن افرازاتٍ نفسيّة ناتجة عن كثرة التفكير والهلوسة ، لذا فالعقل هو المسيطر عليها حتّى نضجها . فكثرة تفكير المرء بحياته السابقة والأشياء التي اعتاد عليها هي ، والإفراط في الحنين اليها ، تسبب الهلوسة حدّ المرض.

إنّ الإنسان المفرط في تعلّقه بالأشياء واعتماده على الغير هو الأكثر عرضةً للكآبة التي تسببها الغربة . أشاهد اليوم أبناء وطني في المهجر ، كيف تتسلل الغربة الى دواخلهم وتحولّهم الى أُناسٍ ليسوا الا مجرد كثافة سكانيّة لا أكثر . فتراهم ينوحون على الوطن ليل نهار ويكادون يبكون من آلام الغربة وصعوبتها على نفسهم . إنّ هذا الشخص الذي يبكي اليوم وينوح بسبب الغربة ليس الا طفلاً كبيراً اعتاد أن يكون مُدلّلاً في منزله ، معتمداً على غيره في تسيير أموره غير آبهٍ بشيءٍ وغير مُكترث. يفقد اليوم شيئاً فشيئاً إرادته بتحقيق أحلامه وطموحاته ، مُتذرّعاً بما يسميه الغربة . إنّ هذا المرض ليس الا وهماً يخدع به عقل الإنسان الضعيف صاحبه ، ويسوقه الى حفرةٍ من الكآبة والإنعزال والإستسلام.

نحن اليوم نعيش وسط مجتمعٍ جديد ، وثقافة غير التي اعتدنا عليها في أوطاننا ، وبيئة مختلفة تماماً عن بيئتنا . على الرغم من أنّ أعدادنا ازدادت في الفترة الأخيرة في أوروبا مثلاً ، فقد بات السوريون -والعرب على وجه العموم- يملؤن هذه القارّة العجوز . فبمجرد خروجك الى الشارع حتّى تتفاجئ بعدد العرب الذين لنا واياهم ذات الثقافة والعادات تقريباً . ومع ذلك يشعر بعضنا بالغربة وكأنّه الوحيد في هذه البلاد!!

يقول فوجريه دو مونبرون : “من لم يرى إلا بلده يكن قد قرأ الصفحة الأولى فقط من كتاب الكون” فلمَ ننوح ليل نهار لأنّنا خارج أوطاننا بينما لدينا الفرصة الذهبية لإكتشاف العالم والأوطان الآخرى؟ ألم تسأل نفسك أيّها المغترب الكئيب كيف اكتشف الناس هذا العالم؟ وكيف يعود مغتربوا البلاد الآخرى حاملين اكتشافاتٍ عظيمة أو محققين أنجازاتٍ لم يحلموا بها قط؟

إنّنا اليوم في بلادٍ جديدة ولدينا فرصةٌ ذهبيّة لتحقيق أحلامنا التي أكلتها أوطاننا ، ومع ذلك نركل تلك الفرص ونحتضن الغربة ، غارقين في الإكتئاب والنوح على الماضي. نرمي بطموحاتنا الى المزابل ونسمح للأوهام أن تأكل وعينا ، وتحوّلنا الى مجرد فاشلين عاطلين عن الأحلام.

عزيزي المغترب الكئيب ، استغلّ ما تملك من فرص ، ووضعك الذي أنت فيه ، بعدك عن الوطن ليس بنهاية الحياة . ركّز على مستقبلك ، أو اصنع لك وطنناً تعيش فيه ، لحين تتمكّن من العودة الى وطنك السابق ، لكن احذر أن تغرق في كآبتك وغربتك ، وتعود بعد سنواتٍ الى وطنك فارغ اليدين . لن تكون بذلك الا فاشلاً وضعيف استسلم للضغوطات والأوهام التي يصنعها عقله ببضعة إفرازاتٍ كيميائيّة. الوطن ليس بحاجة الى الفاشلين يا عزيزي ، بل يحتاج أُناساً ناجحين ومبدعين. إنّ الوطن بات مثقلاً بالفاشلين .

Print Friendly, PDF & Email

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »
%d مدونون معجبون بهذه: