جنيف: حين يتفاوضُ النظامُ مع نفسه

رئيس التحرير 

تبدو قضية التفاوض بين مايسمى النظام وما يسمى المعارضة فيما يتصل بالواقع السوري، وكأنه حادث يقع خارج الحدث العام، وحوار خارج هوامش النص الأصلي، واستقصاء عن المعضلة بعيداً عن مكوناتها ومفرداتها التي تتألف منها.. على الأقل هذا التصور قائم في ذهنية الغالبية الساحقة من السوريين كأفراد وجماعات شعبية، وكنخب سياسية أو مدنية أو عسكرية، وفيما يشبه التعميم؛ كأن الشعب السوري كله في وادٍ، والتغريد، خارج سربه في جنيف يحصل في وادٍ آخر بعيد.

وكمن يغشى مطعماً وهو يتضور جوعاً، ثم يذهب إلى مناقشة الكارسون لساعات طوال في لون غطاء الطاولة التي ينوي أن يتناول وجبته عليها دون أن يتذوق لقمة في آخر الأمر، يغيب عن المشهد كله ملف أكثر من خمسين مجزرة ارتكبها النظام بحق شعبه، بعضها نفذ مباشرة بأسلحة كيماوية وأسلحة دمار شامل، ومئات آلاف البراميل التي أسقطت على مدنيين، وآلاف الطلعات الجوية لطيران حربي لاهدف له إلا قتل سوريين أبرياء، وقد تشارك العديد من الدول في حمل أوزار تلك الجرائم الصادمة، والتي تعد فريدة من نوعها كماً ونوعاً في تاريخ البشرية، مثلما يغيب مشهد أكثر من مساحة ثلثي سوريا التي هجرها سكانُها الأصليون، وقريباً من نصف الشعب السوري الذي ألفى نفسه اليوم يقف متربصاً منتظراً على قارعات اللجوء والنزوح، وملفات لاحصر لها عن تعذيب جماعي مُرَوِّع لم تعهده البشرية إلا في الكتب القديمة المطوية، ولم يعد خيالُها المعاصر يقارف أو يتذكر أشباهَه إلا في رُدُهَات العصور الوسطى وعهود الظلام الغابرة.. كل ذلك صنع تاريخ النظام منذ نصف قرن ومايزال، حتى باتت لطخةُ عاره لاتقف وَسَخَاً عارضاً على جبين نظامٍ ما، في بقعة جغرافية محددة، وفي زمن محدد، بل اتسعت بحجم هذا العالم الذي تواطأ وصمت وبرر، واستنكر ادعاءً ونفاقاً وتلفيقاً لمواقف أخلاقية مشكوكٍ فيها، حتى أصبح المشهدُ وكأن كل “مجارير الصرف الصحي” في هذا العالم قد تلاقت وتخالطت في مساراتها ومواسيرها تحت الأرض، وما النظام في واقع الأمر، سوى غطائها الرئيسي الذي يرعبُها أن ينكشف أو يُنْزَعَ عنه الغطاء، وهو دائرة ملتقى تلك”الكهاريز” المتواطئة جميعها في نقطة مركزية واحدة.

كل مؤتمرات المفاوضة السابقة منذ سنوات لم تبعث برسالة واحدة للشعب السوري، حتى لو كانت مُرَمَّزة أو مشفرة أو إيمائية، تختص بقضيته الحقة، أو مأساته المتعاظمة باطراد يتناسب مع كل أطوار مراحلها وتفريعاتها، رسالة تبعث على الطمأنينة بأن”جزءاً” من حقه سوف يوضع على طاولة البحث في نهاية تلك المؤتمرات، مما يبعث إنذاراتٍ بأن الحق العام والخاص السوريين كلاهما قد تم تجاوزهما، بوصفهما نقطة مُسْقَطة من حسابات التفاوض وجدول أعمال المؤتمرين، والذين رفعوا مسألة “تمثيل المؤتمر” إلى قضية عليا، بينما قضية “المؤتمر نفسه” وجوهر مستحقاته، غدت مسألة متنحية وسطحية لا قيمة لها، فغاب المؤتمر كله في دهاليز غير المُتَعَيَّن وغير المُحَدَّد بين الفاهم والمفهوم، وبين اللاحظ والملحوظ.. فإذا استوعبنا بأن هنالك حقاً للشعب السوري بأسره ينتظر فتح ملفاته المستغلقة، يكون مُردفاً على المفهوم أيضاً أن الإنسانية كلَّها تجد نفسها تعلكُها مشاعرُ مهانة واحتقار من وجود نظام مثل نظام بشار الأسد، مازال جزءاً من ذاكرة هذا الكوكب الأرضي، وبعض تفاصيل حياته اليومية..

وإذا علمنا بأن الشعب السوري إنما انقسم موقفه وردة فعله المباشرة من المؤتمر، ومما سبقه من مؤتمرات كثيرة سابقة، بين “غير مكترث” و”ساخر” من الجو المحيط والطبيعة البنائية للمؤتمر، فإن هذا الرَجْعَ النفسي لا يصب في صالح”موقف سياسي رافض للحل”، قدرَ ما هو احتجاج عملي على الغموض السحري الذي يبطنه الموقف الدولي من”الحل”، وتنجلي المظاهرة الصاخبة الهازئة من الرموز السياسية المشاركة والممثلة في المؤتمر ومن المنصات،( تلك البدعة الأمريكية الفاشلة، والتي تعمدت الإدارة الأميركية المنتهية ولايتُها، عن سابق قصد وتصميم وسوء نية مسبقة، أن تخترعَها ثم تتعهدُها بالفشل)؛ تنجلي لا عن سؤال: هل ينجح المؤتمر أم يخفق؟(فإن هذا لم يعد سؤالاً يسأله أحد منذ زمن بعيد)، وإنما عن سؤال ربما بات أكثر تركيزاً وعمقاً في الوعي العام: هل بقي هنالك ما يمكن أن يقال حقاً في تلك المؤتمرات بعد أن تحللت سوريا من نظامها ومن معارضتها(اللذين سيتفاوضان في جنيف)، وتوشك أن تتحلل من وجودها الكياني برمته..؟

الروس والإيرانيون مازالوا متشبثين بلعبتهم المضجرة، والفاقدة اليوم لأي مضمون ومحتوى سياسي، والتي اعتورها الفوات والتخشب والشيخوخة منذ زمن؛ لعبة تجميع العظام وهي رميم، تحت مسميات المعارضة الداخلية وهيئة التنسيق وحميميم والمنصات وغيرها.. وكل هذا الجهد العبثي يصب تحت مخايل رغبوية أن يتفاوض النظام بنفسه، ولنفسه ومع نفسه،(وهم يفترضون أن النظام إنما يعني أنفسهم هم، وليس شيئاً آخر)، ومع أن أبسط المُسَلّمات تنطلق من مبدأ أن التفاوض إنما يجب أن يتم مع/وبين أطراف مؤثرة من السوريين، ومعترف بها ولو في الحدود الدنيا، فإن ما يحدث فعلاً وواقعياً هو أن التفاوض منذ أن بدأ في مؤتمر جنيف الأول وانتهاء بهذا الرابع، وما تخلل بينهما من عشرات المؤتمرات الأخرى، إنما كانت تنطلق من المبدأ العكس والقاعدة العكس: إن التفاوض فيما يبدو هو خط متصاعد لاقصد له إلا مزيد من الإنكار لوجود السوريين بأسرهم، وإلا مزيد من الإنكار لسوريا عينها، ولمزيد من التنصل من كل ما حدث وما يزال يحدث على الأرض، ولو أن المجتمعين بعد أيام في جنيف ناقشوا قضايا التصحر، أو الأخطار التي تهدد حيوان الفقمة والكوالا، أو الانبعاث الحراري، لكان اجتماعهم في جنيف بهذا المعنى أكثر من معقول ومسوغ من أن يَدَّعوا بأن سوريا وما عصف بها من جوائح هي موضوع وأسباب هذا المؤتمر، وهي مسوغ انعقاده والإبانات عن مقاصده .

اترك رد

Translate »