قوى عربية تخشى إبعادها عن معركة الرقة

قال مصدر عربي في ميليشيا “قوات سورية الديمقراطية”: إن المرحلة الثالثة من عملية عزل الرقة ستنتهي عند بلوغ “القوات البرية نقاطًا جغرافية محددة في محيط المدينة القريب، تمكنها من إطباق الحصار عليها من ثلاث جهات: الشمالية والشرقية والغربية”. في الوقت الذي عبّرت فيه قوى عربية، عاملة ضمن ميليشيا “قسد”، عن خشيتها من أن تستثنيها الأخيرة من المشاركة في “تحرير الرقة”.

أكدّ المصدر في تصريحه لـ (جيرون) أن “احتمال حدوث استثناء قوى عربية في المرحلة الرابعة والنهائية واردة، وهي سياسة درج عليها التحالف الدولي في سورية، منذ إطلاقه عملية عزل الرقة بوصفها جزءًا من عملية أوسع تستهدف القضاء على تنظيم الدولة، أطلقتها الولايات المتحدة الأميركية في كانون الأول/ ديسمبر 2014، باسم “عملية العزم الصلب”. وعبّر المصدر عن قلقه من “الغموض الذي يلف مصير الجهة الجنوبية من الرقة، باتجاه الشامية، واحتمال أن يستفيد النظام السوري وداعموه من غياب استراتيجية خاصة بها؛ للتقدم عبرها نحو المدينة”.

وكانت المرحلة الأولى من عملية عزل الرقة قد بدأت في 6 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، وأدت إلى طرد تنظيم الدولة من عدة قرى في الريف الشمالي، وتقليص خطوط المواجهة إلى ما يقرب 30 كم من مدينة الرقة، بينما انتهت المرحلة الثانية، التي شهدها الريف الغربي ابتداءً من 10 كانون الأول/ ديسمبر من العام نفسه، ونتج عنها دحر التنظيم من 60 ناحية وقرية ومزرعة، عند أطراف بحيرة الطبقة وسد الفرات، أي: على مسافة تقل عن 5 كم شمال مدينة الطبقة، ثاني أكبر تجمع بشري في المحافظة بعد مدينة الرقة نفسها.

وأصدرت ميليشيا ما تسمى “وحدات حماية الشعب” الكردية، في 17 شباط/ فبراير، بيانًا أعلنت فيه انتهاء الخطوة الأولى من المرحلة الثالثة من حملة أسمتها “غضب الفرات”، وهي التسمية المعتمدة لعمليات الميليشيات الكردية في سورية، والمقابل السياسي لعملية “درع الفرات” التي تدعمها القوات التركية في ريف حلب الشمالي؛ لتحرير ريف الرقة الشرقي، “بعد تحقيق أهداف الخطوة الأولى من المرحلة الثالثة. وتهدف في هذه الخطوة إلى (تحرير) الريف الشرقي وعزل الرقة عن دير الزور، وتأتي هذه الخطوة في أعقاب الانتصارات التي حققتها قواتنا على الأرض والدعم الجوي من قوات التحالف ضد (الإرهاب)، وتعد خطوة هامة [كذا] إذ إننا نستهدف عزل الرقة وإتمام الحصار على الإرهابيين”، بحسب نص البيان. يشير البيان -أيضًا- إلى مشاركة “قوات مجلس دير الزور العسكريقوات مجلس دير الزور العسكري ار على الإرهابيين.” في هذه الخطوة، نظرًا إلى أن “هذههذه المنطقة محاذية لريف دير الزور المنطقة محاذية لريف دير الزور” الغربي.

المنطقة المستهدفة بالخطوة الثانية من المرحلة الثالثة، تشمل تجمعًا من القرى والبلدات تُحاذي الضفة اليسرى لنهر الفرات، وتقع على الطريق الواصل بين مدينتي الرقة ودير الزور؛ من جهة الجزيرة، بحسب المصطلحات الجغرافية المحلية. وهي منطقة ذات كثافة سكانية عالية؛ مقابلة مع الريف الشرقي الشمالي، وتشمل قرى حمرة بويطية وحمرة ناصر وحمرة جماسة وحمرة غنَّام وحمرة بلاسم، إضافة إلى ناحية الكرامة، وعدد من القرى والمزارع الصغيرة. والاستيلاء على هذه المنطقة يعني فصلًا جزئيًا -فحسب- للرقة عن دير الزور، إذ يُبقى الطريق الثاني بينها على الضفة اليمنى لنهر الفرات، من جهة الشامية، ضمن مناطق سيطرة تنظيم “داعش”.

انعكست مجريات العمل العسكري -هذه- انعكاسًا فوريًا على الأحوال المعاشية للسكان الخاضعين لسيطرة التنظيم في مدينة الرقة، وما تبقى من أريافها القريبة. فقد تضاعفت أسعار السلع والمواد الأساسية ثلاث مرات، حال تدمير جسري المدينة اللذين يربطانها بغوطتها الجنوبية، مصدر معظم حاجاتها اليومية من الغذاء، وممريها نحو مناطق سيطرة النظام في محافظات حلب وحماة وحمص، ومن هذه المناطق كانت تأتي سلع ومواد مستوردة عبر وسطاء بين التنظيم والنظام. وبدأت -أيضًا- موجة نزوح جديدة للمدنيين نحو الأرياف، الشمالية خاصة، تحسبًا لمزيد من القصف، فيما ازدهر الطلب على الخيم، وزاد الناس من تخزينهم للمواد التموينية والمحروقات.

على الصعيد السياسي، بقيت احتمالات الصورة النهائية لـ “تحرير مدينة الرقة” غامضة وملتبسة، ومحل شدّ وجذب بين الأطراف المحلية والإقليمية والدولية. فمع عودة التنسيق بين الأميركيين والأتراك، وفي إثر زيارة مدير الاستخبارات الأميركية إلى أنقرة، الأسبوع الماضي، وترقب نتائج الزيارة المزمعة لرئيس هيئة الأركان الأميركية لها، ارتفعت نبرة خطاب الميليشيات الكردية، العماد الرئيس لـ “قوات سورية الديمقراطية”، متوعدة بمقاتلة الأتراك إن تقدمت قوات الجيش الحر إلى ما بعد الباب باتجاه منبج والرقة.

في الآن ذاته، بدأت قوات النظام السوري بتحريك الجبهات العسكرية مع تنظيم الدولة في مناطق شرق حلب، دير حافر تحديدًا، بينما عاود الطيران الروسي قصفه لمواقع التنظيم في شمال الرقة؛ موقعًا 20 قتيلًا بين المدنيين في مزرعة الرشيد، بعد أن كانت هذه المنطقة مسرحًا حصريًا لعمل طيران التحالف الدولي طوال الفترة الماضية.

هذا التعقيد والتداخل في أجندات الفاعلين، يبدو موقتًا ومرحليًا، حاله حال الوضع العام في سورية بمجمله، انتظارًا لعودة نشطة للدور السياسي الأميركي، بعد أن اقتصر على العمل العسكري ضد تنظيم الدولة الإسلامية طوال فترة حكم الرئيس السابق باراك أوباما. إلّا أن التخوفات التي تبديها فصائل عربية مشاركة في العمل العسكري تحت مظلة ميليشيا “قسد”، قد لا تبدو قابلة للتبدد من خلال أي مبادرة أميركية مرتقبة، لا تلامس الهواجس العميقة والاستراتيجية؛ فاجتماع أطراف مختلفة الأهداف والرؤى على تفصيل واحد، يتمثل في محاربة التنظيم، لن يلغي كل ما عداه من تناقضات في الرؤية والهدف حول العلاقة مع نظام الأسد، وشكل الدولة، وصيغة النظام السياسي المأمول لسورية.

جيرون

اترك رد

Translate »