Views: 126 المعرفة والأخلاق والقوة – الرقة بوست-Raqqa Post

المعرفة والأخلاق والقوة

د. رشيد الحاج صالح 

تساؤلات هذه المقالة تقبع خلف السياسة, ولكنها من جهة ثانية تسكن في حضن السياسة.

من هو الأقوى اليوم ؟ هل هو القوي عسكرياً ؟ أم الغني في ثرواته ؟ أم الذي يمتلك إيماناً وعقيدة راسختين ؟ أم الأشرار الذين لا يعرفون الأخلاق؟

إن مفهوم القوة , مثله مثل أي مفهوم آخر , يأخذ معنىً مختلفاً في كل عصر من العصور, فقديماً انتصر الإنسان على الحيوان لأنه كان الأكثر ذكاءً  وقدرةً على استخدام عقله. ثم انتصر في الحروب الإنسانية – الإنسانية من كان أكثر قوة جسدية وأقدر على التدرب على السلاح. أما داخل المجتمع فكانت مصادر القوة تتراوح بين العصبية, حيث ظهرت العائلات الملكية والقبائل الكبرى , والمال حيث ظهرت طبقة الملاك والتجار كطبقة فاعلة في التاريخ .

غير أن العصور الحديثة حملت لنا مفهوماً مختلفاً للقوة , يقوم على أن أهم قوة على الإطلاق هي قوة المعرفة. فسطوة المعرفة على عقول الناس ووجدانهم أقوى من السلطة التي تمنحها لنا القوة العسكرية والاقتصادية. ولذلك فإن الصراع علىالمعرفة, أو النطق باسمها, يكاد يكون من أهم الصراعات التي خاضها البشر عبر تاريخهم الطويل. ( صراع سقراط ورجال الدين اليونانيين- صراع الغزالي مع ابن رشد – صراع غاليليو مع الكنيسة.. ) فالمعرفة تخفي داخلها سلطة سياسية واجتماعية تمنح صاحبها مكانة مرموقة وفاعلة في المجتمع. وهذه حال رجال الدين والعلماء والمفكرين والمثقفين الذين أدركوا قوة المعرفة التي يحملونها, فتحولوا إلى شركاء في السلطة السياسية , وفاعلين معرفيين في المعارك السياسية التاريخية الكبرى .

فالأساطير والفلسفات والأيديولوجيات والإفكار السياسية عن الديمقراطية والعلمانية والملكية, وحتى العلوم الحديثة, ظهرت في إطار الصراع على امتلاك التحدث باسم المعرفة الحقيقية. فالمعرفة لم تكن في أي يوم من الأيام , بريئة أو حيادية أو موضوعية, تبحث عن الحقيقة لمجرد الحقيقة، بل إن الحقيقة نفسها لم تكن مفهوماً محايداً، لأن كل فئة كانت تريد أن تفرض الحقيقة التي تناسبها وتنسجم مع مصالحها, إدراكاً من الجميع أن المعرفة هي الغلاف الإيديولوجي والأخلاقي لصراعات المصالح والنفوذ .

والأمثلة على الصراعات المعرفية كثيرة . فالصراع الذي دار في أوربا خلال العصور الوسطى , بين الكنيسة التي تقول بدوران الشمس حول الأرض آنذاك , وغاليليو الذي كان يقول بدوران الأرض حول الشمس , لم يكن صراعاً معرفياً محضاً بل كان في جوهره صراعاً سياسياً , لأن كل طرف كان يريد أن يفرض سلطته على المجتمع بغض النظر عن مضمون ما يقول , ولأن الكنيسة كانت ترفض أن يأخذ العلم الحديث مكانتها السياسية الرفيعة .

والصراع المشهور بين ابن رشد والغزالي حول إمكانية توصل الفلسفة إلى الحقائق المطلقة لم يكن صراعاً معرفياً ومنطقياً بحتاً, بل كان صراعاً سياسياً بين رجال الدين والفلاسفة على المكانة السياسية التي يريد كل طرف أن يتبوأها في مجتمعه, حتى يستطيع أن يمارس أكبر تأثير على الناس، وأن يوجه وجدان وعقل الأمة الوجهة التي يريدها . وهذا يعني أن النقد الذي يوجهه رجال الدين للفلسفة هو في جوهره نقد سياسي, والعكس صحيح أيضاً

فإذا كانت المعرفة عموماً, هي أهم وسيلة من وسائل امتلاك القوة فإن المشتغلين في مجالات المعرفة المختلفة منْ : مثقفين , مفكرين , باحثين , أدباء , فنانين … الخ , ليسوا بريئين تماماً من معادلات القوة والهيمنة,لأن هؤلاء يؤلفون لكي يمارسوا تأثيراً ما في نفوس من يؤلفون لهم  .

والفكر سواء أكان يمينياً أم يساريا , حداثياً أم سلفياً , والأدب سواء أكان ملتزماً أم غير ملتزم, والشعر سواء كان موضوعه الوطن أم عينا فتاة جميلة, كل هذه المعارف  تريد أن تفرض على الآخرين حقيقتها ورؤيتها وأن تمارس سلطة معينة تجعلها قادرة على توجيه الرأي العام ووعي الناس في المجتمع, توجيهاً ثقافياً أو أيديولوجياً أو اجتماعياً, غير مباشر ولا واعي. فالمعرفة تعمل بطريقة مواربة وخفية , وتفرض رؤاها ومصالحها دون أن يشعر أحد بهذه الرؤى والمصالح, لأن قوتها من نوع القوة الناعمة التي تتسرب إلى وجودنا وعقلها دون أن نشعر بها .

واليوم يعيش العالم المعاصر صراعات معرفية غير مسبوقة. فبعد الصراع بين الأساطير والفلسفات في العصور القديمة , والصراع بين العلم والدين في العصور الوسطى ، ظهرت اليوم صراعات جدية من نوع مختلف . ومن أهم هذه  الصراعات ما يسمى اليوم بـ « صراع الحضارات » , وهذا الصراع نموذج اقترحه هنتنغيتون في تسعينات القرن العشرين لمستقبل العلاقة بين الحضارات الموجودة اليوم, وينتهي فيه إلى أن كل الحضارات المعاصرة ستحارب الحضارة الإسلامية لأنها حضارة, بحسب ما يرى, عدوانية تجاه الآخر ولا تتقبله ( أرهابية بلغة اليوم) , أياً كان هذا الآخر. ولذلك يمكن إيجاد قواسم مشتركة بين كل الحضارات إلا الحضارة الإسلامية, التي لا بد من تدريبها على التحضر والحياة المدنية و الديمقراطية, حتى لو أدى ذلك إلى ممارسة القوة العسكرية ضدها.

وهذا يوضح لنا كيف أن القوة العسكرية والاقتصادية لا تستطيعان أن تعملا وتمارسا أي دور فاعل, إلا عبر النظريات المعرفية, التي تجعل للغايات الاستعمارية رسالة إنسانية وأخلاقية يعتقد ملايين البشر أنهم يؤدونها بكل فخر واعتزاز.

فالآليات التي تمارس من خلالها المعرفة دوراً كبيراً لا تعد ولا تحصى, فهناك : خلق أهداف وهمية, إقامة أمجاد خيالية , اختراع أعداء مفترضين, تمرير المصالح عن طريق شعارات إنسانية أو دينية, القيام ببطولات وهمية … إلخ .

ولذلك فإن المعرفة لم تكن يوماً أخلاقية , لأنها تمنح أصحابها القوة والقدرة على السيطرة. والقوة تاريخياً لم تعرف الأخلاق يوماً ما، بمعنى أن القوة لا تركز إلا على مصالح وحقوق أصحابها, ولا تهتم أبداً بمصالح وحقوق الآخرين, ولذلك نجد أن الأقوياء لا يهتمون بمفاهيم العدالة والحق إلا بقدر ما تخدم هذه المفاهيم مصالحهم وأهدافهم . وهذه لعبة يمارسها كل الأقوياء على مدى التاريخ بدون استثناء .

فشعارات الثورة الفرنسية عن العدالة والحرية والمساواة لم تمنعها من استعمار شعوب آسيا وأفريقيا. ودعوات الغرب المعاصرة للديمقراطية وحقوق الإنسان لم تخف عدم وقوفه مع ثورات الربع العربي , والشعارات الاشتراكية البراقة لم تمنع الأنظمة السياسية في الشرق والغرب من تحويل تلك الشعارات إلى أداة للقمع والإفقار, حتى في أكثر البلدان فقراً .

وعلى ذلك , تبقى المعرفة دائماً من أهم مصادر القوة. فهي لا تنضب كما سينضب النفط يوما ً ما, وهي وسيلة قوة أرخص من وسائل القوة العسكرية, كما أن مفعولها أقوى من أي جيش جرّار , فالجميع يسعى إلى امتلاكها , وهذا ما دفع فوكو إلى القول «لكل معرفة سلطة تكمن ورائها».

المعرفة والعقل  يجعلانك قوياً , بمعنى أنهما يمكِّنانك من معرفة كل ما يدور حولك, ويهديانك للمبادئ والقوانين التي تسير بموجبها ظواهر الطبيعة وأحداث التاريخ وخبايا السياسة وتغير المجتمعات , وهذا يعني أنك ستكون بمأمن عن خداع الآخرين لك ومدركا لنتائج أفاعلك وأفعال الآخرين حتى قبل القيام بها. المعرفة والعقل يحصنناك من أن تقع في حبال الطائفية أو أوهام الهويات القومية والدينية والقبائلية , مثلما تمنعانك من أن تكون أو شبيحاً أوشيخاً أو منافقاً أو بعثياً أو سلفياً, أي أنها تحقظ كرامتك العقلية, وتنأى بك عن أن تكون مجرد أداة بيد الآخرين.

فتعالوا نتدرب على التفكير في اكتشاف المصالح الكامنة وراء المعارف التي نتداولها. وهذه نصف الحقيقة.

 

كاتب وأكاديمي سوري


Posted

in

by

Tags:

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Translate »