Views: 98 رُهَابُ المكتوبات – الرقة بوست-Raqqa Post

رُهَابُ المكتوبات

معبد الحسون 

القول(المكتوب)لا يعدل القول(الشفهي)، ولا يساويه في الجوهر.. ذلك هو مضمون هذا الرُهَاب النفسي. فالمكتوب هو من”كلام الله”، والشفهي البشري هو”قول بشري” عادي منزوع القداسة. من ذلك تأثرت كثيرٌ من الحضارات والفلسفات القديمة بفكرة”الصدور”من الله، ذلك الصدور الذي يسمى في منطوق الفلسفات الغنوصية بـ”الكلام”، أو “الكلمة”. كما تجلت في “الأفلوطينية الحديثة”، لدى الفيلسوف الهيلليني المتأخر قروناً بعد المسيح: “أفلوطين”. ومن ذلك قالت المسيحية بفكرة أن المسيح هو” كلمة الله” و”في البدء كانت الكلمة”(1)، ولقد عاشت كثيرٌ من الفلسفات والمذاهب القديمة والبدع الغنوصية على أن الكلمة ليست هي “الأداة الخالقة” فحسب، مثل كلمة”كن” التي يصدر عنها”فيكون”، بل هي جزءٌ من الألوهية، وجوهرٌ من جواهرها الحقة(2).

فالمكتوب في رُقٌمٍ وصحف له رهبة، ويثير خوفاً مبهماً، ويبعث على استشعار ذلك المجهول الغامض، والذي تقتضي السلامة والطمـأنينة أنَّ من الخير الابتعاد وعدم الدنوِّ منه والاطلاع عليه. لا يعني ذلك أبداً أن القولَّ البشري مدنسٌ دائماً، أو لا ينطوي على كثيرٍ من الحقيقة والحكمة والقيمة الفائقة، لكنه بالقطع لا يساوي، بل ولا يجب أن يماثل أو يتساوى في قيمته بالمكتوب الإلهي(في منظور السايكولوجيا العميقة).. الكتابة هي فعل الله وإرادته الكونية، بل هي كلامه وخلقه ومشيئته؛ والقراءة هي استجابة بشرية لتلك الكتابة، فقد تكون تلك القراءة وتلك الاستجابة صائبة، وقد تكون خاطئة، وقد تكون ضالة منحطة.. أو عادية، وقد تترقى في مصاف الحكمة والنبوة والقداسة حتى تندغم في جوهر الكتابة، فتماثلها في الجوهر بعد أن تنحل فيها؛ هذا هو معنى”اللوح المحفوظ” في السماء السابعة إزاء عرش الرحمن، وفي هذا السياق تحمل كلمة”أمة أمية” أو”أمة الأميين” معنى تحريجياً، يختطف مافيه من ذم، فالأمية ليست دائماً هي الجهل بالقراءة، بل أحياناً تكون: التحشم عن القراءة، أو التقوى والتطهر باتقاء القراءة، وحذر المساس بـ”المكتوبات”.

وحين قال الملاك لنبيه(إقرأ)، كان بوسعه أن يقرأ، وكان يستطيع أكثر من ذلك أن يستعين على القراءة بغيره ـ أو حتى بالملاك نفسه ـ للمساعدة على القراءة، فالحجز عن القراءة بعلة عدم الاستطاعة ليس علة في ذاته، غير أنه حينئذ تأدب وقال: (ما أنا بقارىء).. ومغزى”ما أنا بقارىء” يعني: (أتحرج تأدباً مع الله أن أقوم بفعل القراءة.. فهو عمل من أعمال الله وحده التي يختص بها)، هيبة وتوقيراً للمكتوبات، وما يعني أنه كان ينحني بتواضع أمام المكتوبات، ويظهر تحشماً وتقوى(3).. و”القِرْءُ” هو طهرانية في جزء من معانيه في أعراف العرب، وفي أبرز تفاسيره القرآنية:{والمطلقاتُ يتربصنَ بأنفسهن ثلاثة قروء}(4)، فهو يحمل معنى المدة الفاصلة بين حيضتين. كما أن مبدأ عدم مساس المكتوبات لعلوها وقدسيتها، وكراهة مس النساء لها في فترات الولادة والحيض، كل ذلك يشيع إحساساً بالرهبة من المكتوبات قديم الأثر، لم يُعدم رغم انحداره من حقب زمنية متفاوتة في البعد والقدم.

و(كتب) تعني جَمَعَ الحروف بعضها إلى بعض حتى تصنع كلاماً حادثاً ذا معنى وقيمة، أي إنها عملٌ يضمر صنعة(الخلق)أو مايماثله في المعنى. كما نستطيع بناءً على هذا التصور أن نفترض بأن الوثنية كانت في بداياتها الأولى تعطي معنى التساوي بين عدد غير محدود من الآلهة، ثم حين تم انتقاءُ واحدٍ منها ليكون كبير الآلهة، أعطاه ذلك مكانة أن يختص بالكتاب والمكتوب، وأن تختص الآلهة الصغار بتدوين المكتوب، أي تحويله إلى قراءة مدونة نقلاً عن الأصل الخالق، وحين وصل النضج البشري وتصوراته عن الدين إلى توحيد الإله وإفراده بخاصة الوحدانية، أي كتابة الكتاب الأول المحفوظ فوق سابع سماء، كان للآلهة الصغيرة التي تحولت وصار اسمها ملائكة دورُ الكتابة والتدوين، أي نسخ أعمال وأقوال المخلوقات المدونة أصلاً، والمحفوظة أصلاً في اللوح المحفوظ.. فالإنسان{مايلفظ من قول إلا لديه رقيبٌ عتيدٌ}(5)، يُدَوّنُ له أو عليه ما يقول وما يفعل وما توسوس له نفسه.

ويروي الأصفهاني، صاحب الأغاني، رواية عن الشاعر الأموي الشهير غيلان بن عقبة بن مسعود، المعروف بلقبه”ذي الرُّمّة”، أو غيلان ميّة، يقول: (أخبرني ابراهيم بن أيوب، عن عبد الله بن مسلم، قال: قال عيسى بن عمر: قال لي ذو الرمة: إرفع هذا الحرف).. أي ضع عليه الضمة علامة الرفع، (فقلت له: أتكتب؟) مايدل على أنه كان يتظاهر بالأمية تظاهراً في نوعٍ من الاستعفاء والتطهر(فقال بيده على فيه: اكتم عليّ فإنه عندنا عيب).. أي أشار بيده أن اصمت؛ حتى لا يسمعهم أحد، فإن جراءته على الكتابة عار وعيب في قومه.(6).. فإذا كان ذلك في العهد الأموي، فكيف كان عليه حال القوم وتصوراتهم في الجاهلية الأولى المغرقة في القدم.؟

الكتابة هي العلم الكوني الثبوتي، والقراءة هي علم دليلي يقود إلى الكتاب. لذلك يضع الدين(الكتاب) في مقابل(الحديث)، للتفريق ولترك مسافة بينهما، وحتى في يومنا هذا ما نزال نلاحظ في القرى النائية التي تغلب على سكانها الأمية والبساطة، كيف يُنظرُ إلى الشخص الذي يحسن القراءة والكتابة نظرة خاصة، نظرة مشوبة بالإعجاب الشديد والخوف، وكأنه كائن مميز أو شخص ينطوي على شيء من محتوى خارج المألوف والمعقول،  كما يجدر في هذا المقام أن نُذكر بأن كثيراً من عوام العرب والمسلمين، مايزال حتى اليوم يتهيب من إلقاء صحيفة أو ورقة فيها كتابات على الأرض، سواءً كانت مطبوعة أو مكتوبة بخط اليد، أو رميها في أماكن تحتمل النجاسة، ويفضلون على ذلك التقاطها ووضعها في شقوق الجدران أو حرقها تطهيراً لها.

“رُهاب المكتوبات”جعل مصادر الإسلام الكتابية يتم نقلها بطريقة المشافهة، بينما احتفظ الحنفاء بمصادرهم مكتوبة.. سارت مصادر الحنفاء عن طريق الصحائف المكتوبة بينما سارت مصادر الإسلام عن طريق النقل الشفهي، وهكذا انحسرت مصادر الحنفاء الكتابية وتعزز الإسلام كقوة مؤثرة عن طريق النقل الشفهي. وفي التطبيق النظري لمبدأ نفسي جمعي قديم، مبدأ رُهاب المكتوبات، نجد أن المبدأ قد فرض سلوكاً وإطاراً عاماً للدعوة، انسحب هذا الإطار أو الطابع العام على الحنفاء وعلى الإسلام في تطبيق حركية الدعوة ونشرها وتوسيع دائرتها بشكل عام. فمن حيث اعتمد الحنفاء على مبدأ أثر الكتاب والصحف التي يحتفظون بها ويدرسونها فيما بينهم، وكان ذلك في نظرهم يمثل قوة الدعوة الوحيدة، ومبرر وجودها ونقطة التفاف جماعاتها على اختلاف قبائلهم ومساكنهم وبيئاتهم، نجد في المقابل أن الاسلام اعتمد حركياً على النقل الشفهي، والتبليغ الكلامي المباشر.. شكلت نواة الدعوتين مركزياً نواة خاملة الحركة بالنسبة للحنفاء، وحصرت فكرتهم في أقلية ليس لديها خطة عمل مباشرة، ومتعالية ومتسامية عن واقعها الراهن، بينما كان الإسلام يتحرك في مروحة دائرية ذات طيف غير منتهٍ أو مقتصر عند حد.

هكذا انفصل الإسلام عن الدين القديم الذي كان يتحرك فيما يشبه طائفة مترددة وغير متأكدة أو واثقة من كلية ما اجتمع لها من تصوراتها الدينية ومن المستقبل، وليس لها تصور حركي أو دعوي عام يجعلها على يقين كيف يمكن أن تنتقل بفكرتها إلى العرب الوثنيين، ولا خطة واضحة عن الأدوات العملية التي يمكن أن تجعلها واقعاً متحققاً حتى في بيئاتها وحواضنها القوية، واقعاً يجعلها تتخذ قرارها بتحول الدين في جزيرة العرب قاطبة إلى الديانة التوحيدية، رغم أنها كانت تمتلك من أدوات ووسائل قوة تؤهلها لذلك، فهي أشبه بقوة كبرى لا تعرف إلى أين يمكن أن تتوجه، ولا من تستهدف، بينما كان الإسلام يحرق المراحل وهو يستقطب مؤيدين ومناصرين من كل القبائل، ومن كل الشرائح والبيئات والأديان الموجودة.

من كتابي قيد العمل: ” البحث عن دين مجهول”

هوامش:

  • 1ـ إنجيل يوحنا ـ الأصحاح الأول
  • 2ـ وفي العقيدة الإسلامية أيضاً، حيث حقيقة المسيح حسبما تقرره الآية:{إذ قالت الملائكة: يامريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم} ـ آل عمران: 45 ـ {إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم..} ـ النساء: 171 ـ
  • 3ـ في هذا المعنى قال الشاعر الجاهلي:

تُريكَ إذا دخلتَ على خَلاءٍ * وقد أمِنَتْ عيونَ الكاشحينا

ذراعَي عَيْطلٍ  أدماءَ  بِكْرٍ * هَجانَ اللونِ لم(تقرأْ)جنينا

أي لم يتخلقْ في بطنها جنين.

  • 4ـ البقرة ـ 228 ـ
  • 5ـ سورة ق ـ 18 ـ
  • 6ـ الأغاني: ذكر ذي الرمة وخبره

 


Posted

in

by

Tags:

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Translate »