في ذكرى تحرير الرقة.. الشعب أسقط النظام فمن طوّح بها؟

محمد العمر 

تميز الحراك الثوري في الرقة عن سواه في بقية المحافظات السورية، أنه حراك مدينة (الرقة المدينة تلته الطبقة المدينة) كدرعا وحمص، فما إن بدأت مظاهر الاحتجاج في سوريا، حتى بدأت مجموعات التظاهر تنشئ نفسها وتتكون بديناميات وآليات عمل خاصة بها، وترتبط مع غيرها من المجموعات بشخص واحد حتى لاتعرف هوية بقية المجموعة.

بينما أصبح تشييع الشهيدين علي البابنسي ومحمد قحطان، نقطة فارقة في تاريخ الحراك الثوري، سيطرت فيها الثورة على مدينة الرقة، بوجود أجهزة المخابرات ونزول الجيش إلى شوارع المدينة، ولم يعد اعتقال أي شخص أو اثنين أو عشرة أو مئة يؤثر في ضراوة الحراك واشتداده، فقد أصبح في مدينتنا ثورة.

لكل مدينة كانت هنالك أسباب ساعدت على تحريرها، فمدينة تل أبيض ساعدها البعد النسبي عن ثقل النظام العسكري، الفرقة 17 واللواء 93، إضافة إلى كونها مدينة حدودية، وجزءاً هاماً من الحراك الثوري الذي كانت له الكلمة الفاصلة لدى الحراك العسكري، أما مدينة الطبقة، فحراكها الثوري وكتائبها العسكرية ساعدت في تحريرها، وأما مناطق معدان والكرامة، فكانت تضم مفارز أمنية وشرطية لم تجد كتائب الجيش الحر في المنطقتين صعوبة كبيرة في تحريرها قبل الصعود الجنوني للكتائب الإسلامية.

لم يكن في حسبان أهل المدينة أو كتائبها العسكرية الدخول إليها، فأجهزة أمن النظام والدفاع الوطني، لم تكن تستطيع الخروج ليلاً، حتى أن الكتائب العسكرية، كانت تأتي ليلاً لتأخذ سيارات الدوائر من مرآب المديريات، دون قدرة للنظام على منعها.

ما حدث من اجتماع لفصائل الجيش الحر، وحركة أحرار الشام، وجبهة النصرة، في إحدى قرى الرقة والاتفاق على ما عرف بـ “غارة الجبار” والذي كان الهدف منه استهداف لحواجز المدينة، وإرغام الفرقة 17على الدخول إلى المدينة، وتجنيب المدينة انتقام طائرات النظام، وصواريخ “سكود” التي كانت تطلق على كافة أرجاء سورية انطلاقاً من اللواء 155، بالإضافة لاستضافة المدينة قرابة مليون ضيف (كما يحب أن يطلق أهالي المدينة على أهالي دير الزور وحمص وحلب الذين هربوا من قصف النظام لمدنهم).

تحلّق كثير من أهالي الرقة، دون أي تخطيط مسبّق حول تمثال حافظ الأسد في ساحة الإطفائية، بعدما سقط في الاشتباكات خلال مهاجمته وهدمه حوالي 40 شهيداً في تشييع الشهيد البابنسي، وما إن سقط التمثال حتى انهال عليه الناس بالضرب بأيديهم وأرجلهم، وأحذيتهم، وكان أبلغ المشاهد تبول السيد حسون الطه عليه، حتى غدت لتلك الحادثة المشتهرة رمزية انعتاق المقهورين البسطاء.

تحرير مدينة الرقة في 4-3-2013 من النظام وسيطرة سلطاته وأجهزته، غيّر شكل الأمور كثيراً في الرقة، فمن ناحية بدأت تتشكل منظمات مدنيّة، وأصبحت تنظم المظاهرات، وتتفعل أولى علائم الحرية، ومن ناحية أخرى، وفي الجانب السلبي الغالب، بدأت تنتشر ظاهرة الكتائب العسكرية على أسس عشائرية، حتى صار لكل عشيرة كتيبة أو كتيبتان وفي بعض الأحيان أكثر من ذلك، وبدأ تغول الكتائب الإسلامية الكبيرة، .


نهاية الحراك المدني: 
بدا واضحاً أن جبهة النصرة وأحرار الشام تريد أن تتفرد في كل شيء في اتفاق مبيت، وقد رفض كثير من أبناء الحراك الثوري العمل معهما والاصطفاف إلى جانبهما، وانضم آخرون اليهما بفعل علو موجة إسلاموية ورغبة في السلطة والاحتماء، ورغبة البعض في الحصول على مصدر رزق جيد، بينما بدأ الحراك يخفت شيئاً فشيئاً، بعد مقاطعة غالبية النشطاء والفعاليات الثورية، والمنظمات المجتمعية التي ولدت ما بعد التحرير، لمؤتمر المدينة الذي كان مسيطراً عليه من قبل أحرار الشام وجبهة النصرة، رفض أكثر من 400 شخص المشاركة فيه، ليثمر المؤتمر عن مجلس محلي ليس له أية صفة سياسية، واقتصر على مجلس للخدمات والإغاثة، وبدأت تتعالى الأصوات المنادية بوقف تغول أحرار الشام وجبهة النصرة، الأمر الذي دفع تلك الفصائل إلى اعتقال وتصفية كل المحتجين والأصوات التي وقفت في وجههم من قادة عسكريين وفصائل الجيش الحر ونشطاء الحراك الثوري، وحتى قضاة في المحكمة الشرعية، كان أولهم المحامي عبدالله خليل رئيس أول مجلس محلي لمحافظة الرقة، واغتيال قائد أحفاد الرسول “أبو الزين”، واغتيال الشهيد مهند حاج عبيد “مهند حبايبنا”، واعتقال بعض الشبان مثل عبدالإله الحسين، والصحفي محمد نور مطر .

في هذه الأثناء خرج تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” من رحم جبهة النصرة، ظهر توحش التنظيم باكراً مستفيداً من خبرة الضباط العراقيين، وقيادات التنظيم، في وأد فصائل المقاومة ضد الاحتلال الأمريكي، ومن وحشية المقاتلين الأجانب الذين انضموا له.

في هذه الأثناء وبموازاة التغول ذاته، في مدينة تل أبيض، تم اعتقال أعضاء مجلس مدينة تل أبيض، لتخرج مظاهرات خرج بها من ما تبقى من الحراك الثوري في مدينة الرقة ضد الاغتيالات والخطف، وللمطالبة بالكشف عن مصير المخطوفين، فما كان من تلك الفصائل إلا أن قامت بخطف الناشط فراس الحاج صالح، وبعد يومين اعتقال الناشط إبراهيم الغازي، لينطفئ الحراك أكثر ويخبو وميضه، وبعد ذلك بأيام تم خطف الدكتور اسماعيل الحامض، لتخرج بعدها مظاهرات صامتة ومحدودة بشكل يومي في عاصمة التحرير، وليشرع ما تبقى من الناشطين في محاولات هروب متلاحق والوصول إلى الأراضي التركية، فما إن بدأت المعارك في مدينة الرقة، بين تنظيم الدولة الإسلامية من جهة، وحركة أحرار الشام الإسلامية، من جهة ولواء ثوار الرقة، وأحرار الطبقة، وبعض الكتائب في الطبقة وتل أبيض، حتى انسحبت أحرار الشام بعد أربعة أيام من احتدام المعارك في المدينة، ليبقى أهالي الرقة وحدهم يقاتلون التنظيم المتوحش، وليسيطر التنظيم على كامل محافظة الرقة، ويهرب من تبقى إلى خارج الرقة .

بينما كانت ميليشيات صالح مسلم، ومن ورائها قوات أجنبية في شمال الرقة، تقترب من حصار المدينة، وترجيحات بدخول تركيا وفصائل من درع الفرات، إلى الرقة، يقبع عشرات الآلاف من أهالي ريف الرقة، في مخيمات اعتقال اليوم، حيث تنشر الأمراض والأوبئة والفقر المدقع في تلك المخيمات، وحيث بدأت تلك الميليشيات تفرض المنهاج الأوجلاني على مدارس ريف الرقة، وقد شرعت اليوم في تشكيل مجلس لمحافظة الرقة تعينه ميليشيات مسلم..

هذه الرقة التي أسقط أهلها النظام.. فمن طوّح بثورتها…؟ ومن يطوح بما تبقى منها الآن؟

أورينت نت

اترك رد

Translate »