بناء الأسطورة (الجزء الثاني)

معبد الحسون – الرقة بوست
قالوا: فلما حازت خزاعة أمر مكة وصاروا أهلها، جاءهم بنو اسماعيل(بالطبع الذين سيكون اسمهم في هذه المرحلة قد صار قريشاً منذ ظهرت شخصية قصي بن كلاب على مسرح التاريخ)، وقد كانوا اعتزلوا حرب جرهم وخزاعة، فلم يدخلوا في ذلك. فسألوهم السكنى معهم وحولهم فأذنوا لهم، فلما رأى ذلك مُضاض بن عمرو بن الحارث وقد كان أصابه من الصبابة إلى مكة أمر عظيم، أرسل إلى خزاعة يستأذنها، ومَتَّ إليهم برأيه وتوريعه قومه عن القتال، وسوء العشرة في الحرم، واعتزاله الحرب، فأبت عليه خزاعة أن يقروهم ونفوهم عن الحرم كله، وقال عمرو بن لحي لقومه: من وجد منكم جرهمياً قد قارب الحرم فدمه هدر! فنزعت إبل لمُضاض بن عمرو بن الحارث بن مُضاض بن عمرو، من “قنونى” تريد مكة، فخرج في طلبها حتى وجد أثرها قد دخلت مكة، فمضى على الجبال نحو “أجياد”، حتى ظهر على “أبي قبيس” يتبصر الإبل في بطن وادي مكة، فأبصر الإبل تُنحر وتؤكل ولا سبيل له إليها، فخاف إن هبط الوادي أن يقتل، فولى منصرفاً إلى أهله وأنشأ يقول:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا* أنيسٌ ولم يَسمُر بمكة سامرُ
وأبـدلـنـا ربـي بـها دارَ غــربـةٍ* بها الذئب يعوي والعدو المخامرُ
أقـول إذا نـام الـخلـيُّ ولـم أنم* أذا العرشِ.. لا يبعدْ سهيلٌ وعامرُ
لاحظ أن مُضاض بن عمرو الجرهمي الوثني، كان يعرف العرش قبل الإسلام، وكان يخاطب الله بقوله:(أذا العرش)..!!
فـنحنُ ولاةُ الـبـيـتِ من بعد نابتٍ* نُمَشِّي به والخيرُ إذ ذاك ظاهرُ
وأنـكـحَ جـدي خـيـرَ شـخصٍ عـلمتُهُ* فأبناؤه منا ونحنُ الأصاهرُ
وسحـت دمـوعُ العـيـن تـبكي لبلدةٍ* بها حَرَمٌ أمنٌ وفيها المشاعرُ
قال الأزرقي: فحدثنا محمد بن يحيى قال: حدثني عبد العزيز بن عمران قال: وخرج أبو سلمة(وهو زوج أم سلمة زوجة النبي التي توفي عنها، فتزوجها النبي) بن عبد الأسد المخزومي قبيل الإسلام في نفرٍ من قريش يريدون اليمن، فأصابهم عطش شديد ببعض الطريق، وأمسوا على غير الطريق، فتشاوروا جميعاً، فقال لهم أبو سلمة: إني أرى ناقتي تنازعني شِقاً(أي تميل في سيرها إلى جانب، كأنما تريد أن توجهني وجهة ما)أفلا أرسلها وأتبعها؟ قالوا فافعل. فأرسل ناقته وتبعها فأضحوا على ماءٍ وحاضرٍ، فاستقوا وسقوا؛ فإنهم لعلى ذلك إذ أقبل إليهم رجل فقال: من القوم؟ قالوا: من قريش. فرجع إلى شجرة أمام الماء فتكلم عندها بشيء ثم رجع إلينا، فقال: أينطلق معي أحدكم إلى رجل ندعوه. قال أبو سلمة: فانطلقت معه فوقف بي تحت شجرة، فإذا وكرٌ معلقٌ فصوّت: يا أبت! فزعزع شيخ رأسه، فأجابه فقال: هذا الرجل. فقال لي: ممن الرجل؟ قلت: من قريش. قال : من أيها؟ قلت من بني مخزوم بن يقظة. قال من أيهم؟قلت: أنا أبو سلمة بن عبد الأسد بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم بن يقظة. قال: أيهاتِ منك! أنا ويقظة سن،قال: أتدري من يقول:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا* …. الأبيات…..
قال: لا. قال: أنا قائلها، أنا مُضاض بن عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمي. أتدري لم سُميَ أجيادٌ أجياداً؟ قلت: لا. قال: جادت بالدماء يوم التقينا نحن وقطوراء؛ أتدري لم سمي قيعقعان؟ قلت: لا. قال: لتقعقع السلاح على ظهورنا لما طلعنا عليهم منه).
واقع الحال أن هذا النص الأدبي الجميل والرائع، يمكن أن يعزل عدداً من النتائج، حتى وان كانت لاتمتُ إلى بعضها بصلة، غير أنها كاشفة وصريحة وناطقة بأكثر الحقائق:
أول هذه النتائج وأهمها، التي يمكن أن نُعقب عليها حين نتأمل هذا النص، هي إشارته الصريحة:(قلت: أنا أبو سلمة بن عبد الأسد بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم بن يقظة. قال: أيهاتِ منك! أنا ويقظة سن،قال: أتدري من يقول: كذا).. إذا كان ذلك المخلوق الخرافي المختبىء في عش في شجرة قد عرف نفسه بأن جده الثالث مُضاض بن عمرو هو ويقظة جد أبي سلمة، من سن واحدة(فهو حفيد مُضاض الجد الذي زوج ابنته رعلة لنابت بن اسماعيل)، ثم يخبره صراحة بأنهما أبناء عمر واحد وسن واحدة وأبناء جيل واحد، فهذا يعني أن الأسطورة لم تكن تعدو في كل هذا السرد الذي مضى عن ابراهيم واسماعيل، بضعة أجيال وأجداد قريبين مضت، ربما لاتتجاوز الأربعة أو الخمسة، فهي تروي لنا أحداثاً بالكاد تصل إلى ماضٍ قبل ظهور الإسلام بخمسين أو ستين أو سبعين عاماً مضت، تزيد قليلاً أو تنقص قليلاً.. هنا لابد لنا من أن نتأكد بأن هؤلاء الرواة الذين يصنعون حدثاً مناطه وجزء من تكوينه وتفسير أحداثه اسماعيل وابراهيم، هؤلاء الرواة لو كانوا يعيشون اليوم في عصرنا وبين ظهرانينا، ربما تم الحجر عليهم في مشافي أمراض عصبية بواقعة تشخص مرضهم على أنه اختلاط هذياني كبير وانحلال شخصية مرضية خطير، ونوع من سوء الفهم الفصامي غير المدرك لحقيقة أن ابراهيم واسماعيل قد عاشا ـ حسب مصادر التاريخ الرسمي والرواة والكتب الدينية المقدسة السابقة ـ في عهود سابقة لذلك التاريخ الذي يتحدث عنه صاحب هذه الحكاية الجميلة بأكثر من 2700 عام في أحسن التقديرات، لكن واقع أقوام الشعوب القديمة في تلك العصور كان يسمح لها بهذا التجاوز غير المكترث بتسلسل التاريخ، وتفصيل مديات السنين والقرون التي فصلت بين حدث وآخر، وهذا الخلط التخيلي بين الواقع والأوهام وبين رواية تاريخ وأحداث وتهيؤات غايتها تجميع مادة قصصية سردية مؤثرة.
الواقعة الثانية الهامة هي أن تاريخ العرب في تلك الفترة كان مفتوحاً عن قرب على مرحلة طوطمية وثيقة الصلة وغير بعيدة، مرحلة مازال يشارك فيها الحيوان ذو الطبيعة الإلهية أو السحرية المؤثرة في رسم الأحداث وتصميم خطوات التاريخ والتأثير فيها بشكل مباشر، لذلك نجد أن الذر(النمل) كان له دور بارز في إخراج العماليق من مكة، وروح الآباء والأجداد تحتل الأشجار وتسكنها وتخاطب الناس مباشرة كأنها مازالت تعيش بينهم وتشارك في توجيه معارفهم وتصنع أحداث تاريخهم، كما رأينا من خلال روح مُضاض بن عمرو التي سكنت في عشٍ أعلى إحدى الأشجار وراحت تحدثنا عما مضى من تلك التفاصيل.. كذلك تلفتنا كاهنة خزاعة “طريفة” إلى إحدى طرائفها التي تزعم بأن السيطرة على مكة والاستئثار بها لا تحدث إلا بعد طقس طوطمي سحري خطير الشأن، وهو أن يذبح”البعير الشدقم” لكي تسمح الآلهة بالاستقرار والظفر بهذا المكان المقدس:”خذوا البعير الشدقم، فخضبوه بالدم، تكن لكم أرض جرهم، جيران بيته المحرم”، إذ إن هذه البقعة بالذات من الأرض لاتنال كما تنال غيرها من البقاع والمدن والأرضين..
واضحٌ أن هذه الترهات التي سادت بكثرة في الفترة التي سبقت ظهور الإسلام كانت تؤكد كذلك على” فساد قبائل اليمن”؛ العماليق وجرهم وخزاعة، وتبين للناس أن هؤلاء غير جديرين أن يسكنوا بلداً مقدساً وطاهراً”يؤمن الناس فيه”، وذلك لتمهد لفكرة الحرم الآمن، ولتمنح مضراً عامة وقريشاً خاصة مهمة ثقيلة سوف تتولى قيامها وترتقي في نجاح مهمتها المستقبلية التي كانت العناية الإلهية تعدها لها لتسمو إلى مستوى رفيع، فانتخاب قريش واختيارها من قبل الله هو اختيار خلاصي من بين أولئك”اليمنيين الفاسدين” وقع في محله المناسب لكمالات المهمة التي وكلت بها قريش فيما بعد، لكن أكثر الأخبار المبهجة في هذا النص السابق، وفي كثير من نظائره وأشباهه من النصوص التي كانت توطد لتلك الفترة من مبعث الإسلام، يستوي إن كانت قد صنعت وتم تناقلها كروايات شفهية فترة البعثة النبوية أم أنها تأخرت إلى مابعد وفاة النبي بزمن معين، هو أنها كانت تنقل نقلاً دقيقاً من واقع معاش ومعروف، فقد كانت تستلهم أوصاف مدينة الطائف في حديثها الأثير والمؤثر عن بلدة كثيرة الأشجار والثمار، يرتاح إليها من سكنها، وتفيض أرزاقها بما توافر لها من خضرة سابغة وماء عذب كثير.. كانت هذه الصفة التي يعرفها كل إخباريي العرب قبل الإسلام وبعده هي الوصف الذي لم يختلف فيه اثنان، ولقد حاولت الأسطورة سحب موصوف المدينة المنافسة مثلما حاولت نقل خاصية كعبتها وآلهتها وتماهي موصوفاتها بأوصاف مكة، والتي لم تكن تشبهها أو تنطبق عليها بالتأكيد، والتقدمة بأن الله حبا مكة من السحر ومهول الخصائص الجاذبة مالم يحْبُ غيرها.. هكذا تُبنى الأساطير عادة في كل تاريخ الشعوب، فهي لا تولد في فراغ ذهني لاقاع له ولاسند، إنما تبني بناءها على واقع حقيقي ومعاش، وتنسج نسجها باستلهام أشخاص وكائنات وأماكن من واقعها المحيط، ثم ينفصل الواقع شيئاً فشيئاً بالتدرج ومع مرور الوقت حتى يضمحل وتتضاءل قيمته وينسى، وتبقى نسخته الأسطورية متداولة ردحاً طويلاً من الزمن بعده.
البناء السابق للأسطورة هو الرأس الأول لكائن ذي رأسين، فإن الأسطورة لكي تكون مؤثرة في واقعها وبيئتها تحتاج لأن تجتاز مرحلتين: مرحلة النسيج القصصي والتثبيت، ثم مرحلة التمكين والإشاعة المؤثرة بين عامة الناس.. والمرحلة الثانية هي التي تأخذ مهمة ترك الأثر العام، كما الحر والبرد والزلازل والطوفان والأمطار والسيول تفعل فعلها في الواقع، كذلك المرحلة الثانية من حياة الأسطورة، فهي تقوم على تخمير الواقع بتغيير وتبديل تصورات الناس وتبني على ذهنية مستجدة قادرة على أن تفعل أفعالاً مستمدة لا من ذهنيات سابقة، وإنما من (حقائق قطعية) تنوب مناب الحقيقة وتحتلها، وتترك آثارها البليغة تتفاعل مع الواقع وتؤثر فيه لأزمنة طويلة..
معبد الحسون 7/3/2017
من كتابي قيد التأليف: “البحث عن دين مجهول”

اترك رد

Translate »