تأطير ولاية الرقّة!

عبدالكريم البليخ

ماذا عن تراث مدينة الرقَّة، بعد كل هذه السجالات الطاحنة التي شهدتها الولاية الجديدة في عهد ما يسمى بالدولة الإسلامية؟ والتي ستشهد صراعات أكثر دمويةً، وهذا ما ينتظرها، في الأيام المقبلة، وسيكون لشوارعها ساحة مصارعة، والنتيجة تدمير المدينة وقتل أهلها، وهذا ما يعوّل عليه الكثيرون ممن يقرؤون الواقع الذي آل إليه، والحال الميؤوس منه الذي عاشه المقيمون فيها خلال السنوات الماضية من عمر الثورة التي لم تجرَّ سوى ذيول الخيبة ووابل الخراب والدمار، وألهبت – بالتالي -مشاعر الناس في كل مكان، وأسهمت في قتلهم وتشريدهم، ما دفع الغالبية منهم اللجوء إلى بلاد قصية مترفة من أجل العيش بكرامة؟!
وأظن أنَّ التراث في مدينة الرقّة في طريقه إلى الزوال، إذا لم يكن قد تناساه أهلها بالفعل، وهم في الأصل أول من اهتم به، وحافظوا عليه، وصانوه من الاندثار طوال السنوات المبعدة، وعلى الرغم من بساطته، ففيه الكثير من الشهية المشبعة بالتراث وما يعنيه في نفوس أهالي الرقة من مكانة ورمزية لها قدرها، بحيث لاينفك ابن الرقّة، وغيرها من المدن السورية، في وقتها، أيام كانت الرقّة، لها وهجها واحتفالياتها ومكانتها على الساحة الثقافية السورية، واحتفائها باحتضانها الكثير من الفنون والمهرجانات التي كانت بمثابة إشعاع حضاري تتصف فيه مدينة الطبيب الراحل الأديب الكبير عبد السلام العجيلي الذي تعود شهرة الرقّة، في الأصل، إلى ما قدمه هذا الأديب لأبنائها، وكان نجماً مبرزاً، ليس على مستوى سورية فحسب، وإنما سطع نجمه في كل البلاد العربية، كرائد للقصة القصيرة، وروائي، وشاعر وكاتب مقالة متجدّد، وكان تحفة الرقّة التي أنجبته، فكان نبراساً من حق أبنائها اليوم، وحدهم الاحتفاء به، والتمجيد بعطاءاته.
واليوم، وبعد أن تحوّلت الرقّة إلى ولاية تنضوي تحت حكم الدولة الإسلامية، نجد أن ذاك البريق تحوّل إلى مجرد خواطر عابرة في تاريخها الموغل في القدم.
وإذا ما عدنا إلى ما كانت عليه في سابق عهدها، فإنها تراجعت كليةً عن احتفالياتها، وبما يعود عليها كل ذلك بمكانتها، وسحرها، كمدينة فراتية تعلّل واقعها الحالي، بالآمال والتمني، إلى تحوّل جذري لم يعد بالإمكان أن تخطو خطوات جديدة بالاتجاه الذي يرغب فيه أبناؤها الذين تراهم يحاولون تجديد كل ما من شأنه أن ينذر بالتسوية التي يمكن معها أن تقضي على أي تناحر يخفّف إلى حدٍ ما من وطأت المصاب الذي نقش في قلوب أهلها الآلام والضغينة!
وفي هذه العجالة، نقولها:
إنَّ الرقّة، كمدينة يسكنها مئات الآلاف من الناس، اليوم، وعلى الرغم من نزوح الآلاف من أهلها الضعفاء، البسطاء الطيبون في تعاملهم مع كل من عرفهم، أو حتى لمجرد أن التقى بأحد أبنائها، فيظل أكثر ما يغلب على طبائع أهلها المودة، وكرم الضيافة، برغم فقر ذات اليد، وهذا طبع من الصعب أن يتغلبوا عليه أو يتركوه، لأنه تاريخ لا يمكن بحال أن يتناسوه، أو يقفون دون علاج للواقع.
إلى أبناء الرقّة، وأهلها الذين يغسلون الذنوب بالصبر والتأني، والتغلّب على كل ما هو مؤسي في حياتهم اليوم، إلى لون من ألوان المحبة التي يفاخرون بها، وهم في واقع الحال أهل لهذا.
والى أهلنا، هناك، نقولها: رغم قساوة الواقع الذي تعيشونه، فإنكم تظلون أهل حماة، ونخوة وأصالة، وبكم سنظل نرتقب طور الحياة التي تزداد قسوةً عليكم، وأنتم تتحملون كل مامن شأنه أن يحي في نهاية المطاف، أصالتكم التي نتغنى بها، وعربون وفاء إلى جدائل أمهاتنا وأخواتنا، وكل من نعرف، فأنتم تحملّتم، وعلى مضض، وبكل حذر، الكثير من صنوف التأطير التي أصابت أهلها في الصميم!
فالدولة الإسلامية، استصدرت الكثير من القرارات التي من شأنها تمكنت من تحجيم الدور الذي ينتظر ابن الرقّة، ما جعلته يعيش في طابع مدني جديد لم يألفه من ذي قبل، ورغم ذلك تحمّل الكثير من تبعات القرارات القاسية المذلة التي بادرت بإستصدارها تباعاً، ماتركت هذه القرارات عناوين سخط كثيرة، لدى عامة الناس، لم ترحم أحداً من نتائجها العكسية، فكانت مثال السكين التي تقطع الرقاب كل من يحاول أن يُخالف فقرة أو بنداً من هذه القرارات، أو يلوذ بعيداً تحسباً لنتائج ذلك.
ويظل الدعاء، الذي يكتفي به أبناء الرقّة، برغم عسرهم الشديد، هو الاكتفاء باللجوء إلى الخالق، بالدعاء والالتزام بالصمت بعيداً عن اتخاذ أي إجراء يُخالف ما يرسمونه يومياً، تلافياً لأي مخالفة قد يقعون فيها، بدون قصد، ما يجعل أبناء الرقّة مجرّدين من أي لواعج، يمكن معها أن تؤلّب أوجاعهم، وتحسم مشكلة القائمين على ولاية الرقّة التي صارت حقيقة قائمة!.

*صحافي سوري مقيم في النمسا

اترك رد

Translate »