فوضى في السياسة الكردية

بكر صدقي

في قلب الصراعات المتشابكة عبر الإقليم، برز الكردي كلاعب سياسي جديد في توازنات القوى السيالة، قادر على تغيير المعادلات والتحالفات والتجاذبات بين مختلف القوى المتصارعة على تركة الرجل المريض الجديد في العراق وسوريا وتركيا وإيران. تتكثف «الفرص» المتاحة للكرد في مدينة منبج (غير الكردية!) التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب في إطار «قوات سوريا الديمقراطية» بحماية مزدوجة أمريكية وروسية في مواجهة القوات التركية العاملة في إطار عملية درع الفرات. فالقوات الأمريكية والروسية موجودة اليوم معاً في تلك البلدة السورية الصغيرة التي عانى سكانها ما عانوا في ظل احتلال داعش قبل «تحريرها» الإشكالي.
منذ بداية التدخل الروسي المباشر في الحرب السورية لمصلحة النظام الكيماوي في دمشق، أيلول 2015، ساد تفاهم أمريكي ـ روسي بشأن تقاسم مناطق العمليات العسكرية، بحيث تترك المنطقة الشمالية ـ الشرقية للأمريكيين، بما في ذلك بلدة كوباني التي بات لهم فيها قاعدة عسكرية ثابتة، ليهتم الروسي بباقي الجغرافيا السورية. غير أن التوتر الروسي ـ التركي الذي تصاعد منذ إسقاط المقاتلات التركية لطائرة السوخوي الروسية في تشرين الثاني 2015، وفتور الدعم الأمريكي لحليفتها الأطلسية تركيا في هذا التوتر، أديا إلى بعض تداخل في مناطق عمليات الأمريكيين والروس في الريف الشمالي لمدينة حلب الممتد إلى الحدود التركية. وظهر تحالف موضوعي معاد لتركيا بين واشنطن وموسكو اللتين دعمتا معاً القوات الكردية التي تعتبرها أنقرة امتداداً لحزب العمال الكردستاني.
مع الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة الرئيس دونالد ترامب، ازداد الدعم العسكري الأمريكي لقوات حماية الشعب الكردية، وازداد، بالتالي، الفتور الأمريكي ـ التركي الذي يمكن تلمسه في الميدان الدبلوماسي في عدم توجيه دعوة، إلى اليوم، للرئيس التركي لزيارة واشنطن، بعدما زارها أغلب قادة دول الشرق الأوسط للقاء الرئيس الأمريكي الجديد. وفي إطار تحضيرات البنتاغون لمعركة الرقة ضد تنظيم الدولة الإسلامية، زج الأمريكيون بمزيد من القوات البرية المقاتلة المزودة بسلاح المدفعية. وكأن الأمريكيين يقولون لتركيا إنهم ليسوا بحاجة إليها في معركة الرقة. يجمع المطلعون على نتائج اجتماع أنطاليا الثلاثي بين رؤساء أركان تركيا والولايات المتحدة وروسيا، على أي حال، على أن تركيا فشلت في إقناع كل من الروس والأمريكيين بمشاركة القوات التركية، وحلفائها في الفصائل السورية، في معركة تحرير الرقة، تلك المشاركة المشروطة من قبل أنقرة باستبعاد القوات الكردية منها.
يبدو اليوم أن وحدات الحماية الكردية هي القوة البرية المفضلة أمريكياً لعملية الرقة، مع العلم أن سيطرة هذه القوات على مدينة غالبية سكانها الكاسحة من العرب، من شأنها خلق توترات جديدة وربما صراعات جديدة. حالها في ذلك كحال قوات الحشد الشعبي الشيعية العراقية في عملية تحرير الموصل من داعش. فسكان كلا المدينتين، الرقة والموصل، لا ينظرون بعين الود إلى القوات الكردية والشيعية على التوالي. وليس ذلك فقط بسبب الاختلاف القومي والمذهبي، بل بسبب سوابق القوتين المشينة في عمليات عسكرية سابقة.
وفي بلدة عفرين الكردية شمال غرب حلب، تقيم روسيا قاعدتها العسكرية وفقاً لمصادر «الاتحاد الديمقراطي»، أو «مركزاً لرصد انتهاكات وقف إطلاق النار» وفقاً للمصادر الرسمية الروسية. وفي الحالتين تبدو هذه الخطوة موجهة أساساً ضد تركيا التي سبق وقصفت البلدة مرات عدة بذريعة ضرب مواقع الحزب الكردي وذراعه العسكرية «قوات حماية الشعب» على رغم وقوعها جغرافياً خارج إطار عملية درع الفرات. كما أنها تأتي في إطار التنافس الأمريكي الروسي على مناطق النفوذ في سوريا.
من ناحية أخرى، بدأت بوادر تدخل كردستاني (بارزاني) في شمال سوريا، تمثلت في اشتباكات محدودة، إلى الآن، بين «بيشمركه روج آفا» الكردية السورية المدعومة من قيادة إقليم كردستان ووحدات الحماية «الأوجالانية». كما أغلقت «الإدارة الذاتية» التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي مقرات الأحزاب الكردية المقربة من زعامة البارزاني واعتقلت بعض قياداتها. بكلمات أخرى: بدأ الصراع الكردي ـ الكردي ينتقل من طوره الفاتر إلى طوره الساخن.
دخل الصراع الإقليمي ـ الدولي على سوريا وفيها عامه السابع، من غير أن يبدو في الأفق حل قريب. ومن المحتمل أن الصراع الأكثر ضراوة سيكون، من الآن وصاعداً، بين الأمريكيين والروس، على رغم تجنب الطرفين، إلى الآن، الصدام المباشر بين قواتهما، مفضلين خوضه بأدوات محلية. ويتنازع الطرفان، مبدئياً، على شد القوات الكردية كلٌ إلى صفه، مع أفضلية لمصلحة الأمريكيين إلى الآن. يراهن حزب الاتحاد الديمقراطي على حاجة الأمريكيين إليهم في الحرب على داعش. بل أكثر من ذلك: كحليف محلي موثوق على المدى البعيد لتوطيد منطقة نفوذ أمريكية ثابته شمال سوريا. كما يراهن على فرض روسيا لنوع من الحكم الذاتي على نظام دمشق والمعارضة السورية، إذا استمر مسار الحل السياسي تحت المظلة الروسية وحدها. وقد ظهرت بوادر هذا الاحتمال في مشروع الدستور الذي قدمته روسيا في اجتماعات آستانة الأولى إلى طرفي الصراع الداخلي السوري.
ترتسم خطوط النزاع في شمال كل من سوريا والعراق، اليوم، كما يلي: تركيا وإقليم كردستان في جهة، وحزب العمال الكردستاني مع فرعه السوري المدعومين من أمريكا وروسيا في الجهة المقابلة. كما ينسق «الاتحاد الديمقراطي» مع النظام السوري، من خلال الحليف الروسي المشترك، حيثما اقتضت الحاجة، كما حدث حين سلمت وحدات الحماية بعض قرى ريف منبج إلى قوات تابعة للنظام الكيماوي.
الخلاصة أنه ليست هناك سياسة كردية متسقة قائمة على «مصلحة قومية كردية». بل التحاق آني بأجندات دول إقليمية ودولية لا يعرف متى تنقلب ضد الكرد أنفسهم. إضافة إلى احتمالات حرب أهلية كردية ـ كردية بين الخطين البارزاني والأوجالاني. ولا يستبعد استخدام كرد سوريا من قبل الأمريكيين لتحجيم الدور الإقليمي لتركيا المنبوذة حالياً من حلفائها الغربيين، كاستراتيجية طويلة المدى.

عن القدس العربي

اترك رد

Translate »