عن الرقة و”تحريرها” مرة أخرى..

الرقة بوست – رئيس التحرير
تحدثت في افتتاحية(الرقة بوست) قبل أسبوعين*عما أسميه اليوم استقراءً خاصاً لمجريات الأمور وفحوى التطورات الاخيرة، وتوقعتُ استناداً إلى استقصاء متعدد العوامل أن التحشيد الأمريكي الذي يتتابع على الأرض قد يكون ترشيحاً أولياً لفكرة كانت عاتمة قبل هذا التاريخ، لكنها اليوم لم تعد كذلك، فالأمريكان، أحببنا ذلك أم كرهناه، قادمون.. لا لتحرير الرقة من براثن داعش، وإنما بالأحرى لإدارة مرحلة مابعد داعش لزمن طويل، وهي إدارة لجغرافية واسعة جداً، ربما لا تكون الرقة إلا مركزَها المعلن على الملأ.. ولستُ متأكداً إن كان هذا المكوث والتشبث بهذه الجغرافية السورية إلى أي مَدَيَاته الزمنية سينتهي، لكنه ليس أقل من عقود قادمة من الزمن كما أتوقع، ولأسباب لاتتصل بالرقة ولا بسوريا ولا حتى بداعش نفسها.. بل لعلها تتمحور حول استراتيجية أمريكية جديدة، مناط التوجه فيها سيكون نحو إيران بالدرجة الأولى، ومن ثَمّ سوريا المفيدة(مناطق سيطرة النظام)التي تنازل فيها الأمريكان للروس عن بعض الضمانات المستقبلية، لا من أجل “سواد عيونهم”، بل لأن الأمريكان يعرفون ويفضلون سوريا”الأكثر فائدة”، أكثر مما يعرفون ويفضلون”سوريا المفيدة”.
ومن المؤكد أن الطرفين: الروسي والأميركي،(والإسرائيلي معهما) قد انتهيا إلى شراكة مؤسسة على تظهير الروس في واجهة الحدث والاختباء خلفهم في هذه الشراكة، في ما تقتضيه هذه الإدارة العامة على الأرض، وذلك في الدرجة الثانية.. أما القصد الثالث من هذا التكمش بالرقة، فسيكون متجهاً لرصد تركيا ومتابعتها، وربما التحكم فيها عن أقرب قرب متوقع.. ولن أسهب في تفاصيل تحتاج إلى إطالة في الحديث عن ضبط العراق الذي يسبح في فضاء الفوضى الإيرانية منذ الاحتلال الأمريكي وحتى اليوم، ولا عن مندرج ملفات خطوط إنتاج الغاز والنفط المتوقع مرورها مستقبلاً عبر سوريا إلى أوروبا، والذي سيكون الإشراف الأميركي عليه مطلق اليد بعد الاستحواذ على الرقة وفرض وبناء قاعدة عسكرية أو أكثر، والتي ستكون من جهة بموازاة “قاعدة حميميم” التي ستظل ملكاً للروس لسنوات طويلة قادمة، وتجاوزاً وإفقاداً لكل قيمة عسكرية لـ”قاعدة إنجرليك” في تركيا، من جهة أخرى.. الأمر الذي سوف يعيد تموضع واقع تركيا العسكري داخل الحلف الأطلسي.
ما أردت التوكيدَ عليه كما نوهت في المقال المذكور السابق، أن داعش سوف يُخَصَّصُ لها فضاءٌ مؤقت ليس بقليل المساحة عبر بادية الشام، امتداداً مما يلي الرصافة وآبار النفط حتى حدود العراق، وقد تظل في هذا الملعب بضعة سنوات أخرى إلى أن يتم تعديل بنيتها العامة فكرياً وتنظيمياً، وأدوات حركتها على الأرض(والتي باتت قديمة ومستهلكة وأصابها كثير من العوار والنخر والتعفن)، وإلى أن يتم تغيير اسمها المعلن، وخليفتها المعلن، وثوبها الخارجي تمهيداً للإتْجارِ بها في مكان آخر، وفي ظروف مستجدة مغايرة، ربما سيظل قَطْرُها وتنقيلها بردائها الجديد وسمتها المحدث، عبر جغرافية أخرى متسعة ومختلفة، حسب الحاجة إليها ورهن مستجدات قادم الأحداث.
في فضاء التوقعات وبناء تصورات مستقبلية عن المستقبل القريب، ليس عادياً أن نبذل جهداً من التخيل بأن شكل محافظة الرقة وخارطتها المألوفة ربما اعتراه في المستقبل كثيرٌ من التبدل والتخالف في الترسيم، وقد يشتمل هذا التبدل المتوقع لشكل الحدود الإدارية للرقة توسعة ما، إذا ما تصورنا أن المنطقة المتعينة بنفوذ أميركي مباشر ومستقل عن باقي المناطق السورية، ربما يتم تمدده إلى أطراف دير الزور قليلاً أو كثيراً، وربما دخلت المنطقة التي باتت تسمى اليوم شرقي النهر من محافظة حلب، أي حتى الحدود الإدارية المتاخمة لجرابلس(والتي سيتخلى الأمريكان فيها للأتراك عن هامش واسع من الإدارة الذاتية)، داخلة ضمناً في حدود المنطقة الجديدة، وحتى أطراف البادية جنوباً..
لا يُستبعَد لهذا البناء التركيبي للمنطقة المفترضة جيوسياسياً دور مهم لأوروبا في إعادة إعمار سوريا بشكل عام، وشراكة أميركية أوروبية مخصوصة في رسم النفوذ الجديد المتوقع، والذي لن يستغني الأميركيون فيه عن أوروبا ودورها المتوقع سياسياً واقتصادياً في تلك الشراكة؛ الأمر الذي يفسر بعض الاهتمام الغربي المتصاعد بما يجري في الفترة الأخيرة، والذي اعتراه فتورٌ وتخلٍ قبل هذه الفترة يشبه التنحي والاستقالة المبطنة من كامل الملف السوري. كما سوف تساورنا شكوك بأنه سيكون لإقليم كردستان العراق دورٌ محوري في إدارة ملف كانتون الجزيرة الكردي من قبل البشمركة مباشرة، بعد انتهاء دور الـ pkk القنديليين، ونزع دورهم وكل نفوذهم من شريط النفوذ المتوقع حصره في الشمال الشرقي، وفي جزء من محافظة الحسكة على وجه الحصر.
أشد ما ينطوي عليه هذا التخيل المتوقع من إثارة، أن مساحة النفوذ الإداري المباشرالجديدة للرقة، ربما تكون خارج مفاوضات جنيف أو أية مفاوضات أخرى،(إلا شكلياً)، فكل ترتيب للوضع المستقبلي القادم على سوريا لن تكون الرقة جزءاً منه. بل لعلها منذ أن يعلن الأمريكان أول ساعات انتصارهم الوشيك على تنظيم داعش، فإن هذا الإعلان سوف يخرج منطقة نفوذهم من أية مفاوضات أو تفاهمات أو قرارات، أي سوف يجعلها منطقة “فوق أو خارج” التداول السياسي، وفي أي مستوى سوف ينتهي إليه هذا التداول.(هذا أهم أسباب واقع المجاذبات السلبية و”المطمطة” التي مارسها”ديمستورا”خلال فترة مهمته لسنتين، كمفوض دولي موكل بمتابعة الملف السوري).
يعذبنا كثيراً أننا لا نعلم اليوم إلى أين نمضي بالضبط، ويعذبنا أكثر أن فرص المبادرة لعمل وطني جوهري وذي قيمة وازنة باتت فرصاً محدودة؛ هذا على الأقل ماهو متاح في راهن الحدث، وليس في فضائه المفتوح على المستقبل وإمكاناته الولود.. كما أن هنالك مسافة شاسعة أبعد ما بين السماء والأرض بين عواطفنا وغضبنا وما يعتمل في نفوسنا من مشاعر ذاتية، وبين ما يمكن أن يُنجز احتمالاً في هذه المرحلة المُلَغَّمَة، فالقيمة الوازنة للخطاب العاقل والعمل والأداء قد يفترض لعلة كثرة مفارقات هذه المرحلة أن تُنَضَّدَ الأولويات التي تنطوي على جدوى متعينة وقيمة مؤثرة، أبلغ من أن نلعن العطش في الصحراء، وأجدى من أن نستسلم لخيال وسراب.. تحسبه ماءً؛ حتى إذا ما جئته لم تجدْ إلا هُراءً وهَباء..
معبد الحسون 27/ 3/ 2017
………………….
* استئنافاً لموضوع افتتاحية الرقة بوست المنشورة بتاريخ 13/3 / 2017، بعنوان: (تحرير الرقة: بين برابرة سيئين وبرابرة جيدين)

اترك رد

Translate »