أخبار عاجلة
الرئيسية / كتاب الموقع / أيام معدودة في إمارة الحسكة … كالمستجير من النار برمادها
أيام معدودة في إمارة الحسكة … كالمستجير من النار برمادها

أيام معدودة في إمارة الحسكة … كالمستجير من النار برمادها

الرقة بوست ـ حسام الحمود

أيام معدودة في إمارة الحسكة … كالمستجير من النار برمضائها: سيطرة داعش على الشدادي
في أغلب مراحل تطور حياة الإنسان نجده يحتاج إلى صفعة فكرية تدفعه للاستيقاظ من أحلامه الوردية ليواجه الواقع المحفوف بالمخاطر، وحقيقة الأمر أن سيطرة تنظيم داعش على مسقط رأسي “الرقة” شكلت لدي هذه الصفعة للاستيقاظ من حلم كانت فيه ثورتي قد انتصرت مع فرار آخر عنصر يتبع لنظام الأسد من الرقة، الآن محبوبة قلبي محررة، لا تخشى أن تسير على مدار الساعة في شوارع مدينتك البهية وتصدح بأعلى صوتك بأسمى شعارات الحرية وأنت موقن أنك اليوم حرٌ وحرٌ وحر، إلى أن ظهر ذلك الغراب الأسود الملقب بداعش من أحد الأزقة الإسلامية التي لطالما اتسمت بضيق أفقها وعدم تقبلها لأي رأي يخالف رأيها، بل وتجريد مخالفها من أي صفة تجعله صاحب حق شرعي بالحياة.
بعد سيطرة تنظيم داعش على الرقة تشكل لدي اليقين أنه لن يعيش حرٌ على أرض مدينتي طالما يغتصبها أصحاب اللحى المتغنية بإقامة شرع إلههم ليل نهار، فالآن حقت الهجرة.
الكثيرون اختاروا اللجوء إلى دول الجوار وجُل من أعرفهم أصبحوا مهجرين قسرياً داخل الأراضي التركية، لم ألمهم يوماً ولن ألومهم فمن ذاق مرارة العيش تحت راية سوداء تكذب وتقتل باسم الدين فقد قضى بكل تأكيد دين الثورة عليه، فكل ثائر قسم له قدر الثورة جزءاً من العذاب، أما نحن – أبناء درّة الفرات – فقد تحملنا ما لا طاقة لنا به، ونُسب لنا الإرهاب وأصبحت مدينتنا معسكر له. أعلم أن كل شيء سينهار ولكن كلي ثقة أننا سنعود يوماً ونبني كل ما سيهدمه الأسود القبيح أو من اتخذ قتاله حجة لتدمير مدينتنا.
أما أنا فاتخذت طريقاً مخالفاً يناسبني فاتجهت شرقاً حيث كان لي رفاق سلاح أعرفهم في مدينة الشدادي بريف الحسكة، وعندما وصلت إلى هناك تشكلت لدي الدوافع المناسبة لكي أعود وأحمل السلاح بوجه المحتل الجديد لأرضي، فلم يكن لدي فرق حينها بين تنظيم الأسد وتنظيم داعش فكلاهما قاتل، ولا يفل الحديد إلا الحديد فلم يعد هناك يومها مجال للمناقشات والمناظرات العابثة والتي لطالما انتهت مع الطرفين إلى طريق مسدود، فما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بها.
عقب وصولي إلى الشدادي طلبت الاجتماع مع مسؤولي جبهة النصرة هناك آنذاك، وتمكنت من الوصول إليهم وحذرتهم من أن حرب داعش التي شنتها على الفصائل المقاتلة في الرقة ستتكرر في الشدادي عاجلاً أم آجلاً، ولكن الغريب في الأمر أنهم لم يعيروا التحذير اهتماماً في البداية، وكأن الرقة تقع في قارة أخرى وتبعد عنهم آلاف الكيلومترات، وبعد إلحاحي عليهم لمدة أسبوع كامل، قاموا بالاجتماع مع المسؤول العام عن تنظيم داعش في الحسكة المدعو “أبو أسامة العراقي”، وكان كهلاً في الستين من عمره، ولكن من يجالسه مرة واحدة يوقن أنه قضى الستين عاماً يتعلم الخبث والمكر، فرد هذه المساءلة بقوله: “أن ما حدث في الرقة هو خطأ شخصي، وأن فرع التنظيم في الحسكة يبرأ إلى الله من هذه الفتنة، ولن يبدر من التنظيم أي سوء اتجاه إخوانه المجاهدين”.
أطمأن لهذا الرد بعض أمراء جبهة النصرة في الحسكة، ولكن قسماً آخر أيقن أنه مكيدة أخرى، وأن من خطف “أبا سعد الحضرمي” أمير جبهة النصرة في الرقة وحلف الأيمان المغلظة أنه لا يعلم عنه شيئاً في كل مرة يُسأل فيها عنه، ثم فجأة أصدر بيانا بإعدامه إياه، لن يكون لكلمته عهد أو ميثاق ولو بلع أوراق المصحف الشريف بعدها، فبدأوا يعقدون الاجتماعات لعناصر جبهة النصرة شارحين لهم موقف إمارة الحسكة مما حدث في الرقة ومحذرين أنه يمكن أن يتكرر هذا الأمر في أي لحظة، وقتها كان لا بد لي أن أصرخ فيهم بحقيقة الكل يعلمها ويتجاهلها فبينت لهم أن الاسم الموحد لأغلب الفصائل ما هو إلا حبر على ورق البيانات الرنانة، وأن من أسقط الرقة بيد تنظيم داعش ما كان إلا خذلان البقية للرقة وتركها وحيدة في معركتها، فلم يطلب مقاتلو الرقة مؤازرة من أي فرع مقاتل يتبع لجبهة النصرة في كافة أرجاء سوريا، ولكن أضعف الإيمان كان واجباً على الفروع الأخرى أن توقف أرتال داعش التي كانت تتحرك من العراق إلى الرقة لقتل إخوانهم، ولكنهم أكتفوا بمشاهدة دماء شباب الرقة ومقاتليها تراق بكل بساطة.
حرك هذا الكلام بعض من بقايا تأنيب الضمير في نفوس المقاتلين حينها، فبدأت الإجراءات الأمنية تُتخَذ، وأعلنت جبهة النصرة آنذاك عن افتتاحها معسكرا لتجنيد عناصر جدد ضمن صفوفها خوفاً من غدر تنظيم الدولة المتواجد في الشدادي، وخصوصاً أن عدد مقاتلي جبهة النصرة وقتها لم يكن يرقى لمحاربة التنظيم في الشدادي نظراً الا أن كثيراً من الشباب كانوا قد انضموا إلى داعش لوفرة النقود التي كانوا يبذلونها في سبيل إرضاء عناصرهم.
حدد الموعد المرجو لبدء معسكر التدريب التابع لجبهة النصرة في المنطقة بعد أسبوع من اجتماعهم مع أبو أسامة العراقي والي تنظيم داعش في الحسكة، ولكن غدر تنظيم داعش ومكره كان أسرع، فقد سبق الفصائل المقاتلة مرة أخرى بتخطيطه الخبيث حيث سيطر فجر اليوم الثاني من انطلاق المعسكر التدريبي على المبنى الذي اتخذته جبهة النصرة مقراً للمعسكر، وأخذ المتدربين الجدد الذين لم يكونوا مسلحين بعد كرهائن، وبعدها حوصر المربع الأمني الذي تتواجد فيه جبهة النصرة داخل مدينة الشدادي، وكنت من ضمن الذين قاوموا تنظيم داعش داخل المربع الأمني، على الرغم من أن عددنا لم يتجاوز الخمسة وثلاثين مقاتلاً داخل المربع الأمني، ولكن كان التحصين والمواقع التي اتخذناها كفيلة بأن تمنع تنظيم داعش من بدء معركة ضدنا، وإجبارهم على التفاوض ولكن بصيغتهم المعهودة التي لطالما تركزت على الغدر، فقد هددنا تنظيم داعش إن لم نسلم أنفسنا فإنه سوف يعدم المنتسبين الجدد الذين بلغ عددهم يومها قرابة المائة وثلاثين شاباً، ولكن المعادلة كانت واضحة حتى لو سلمنا أنفسنا فإننا سنُقتَل نحن والمنتسبين الجدد فقد خسرنا ورقة الضغط، وخاصةً أن غدر تنظيم داعش برتل مقاتلي أحرار الشام لم يكن ببعيد، حين أعطاهم تنظيم داعش الأمان للانسحاب من محيط الفرقة السابعة عشر في الرقة ثم قام بقتلهم جميعاً عبر تلغيم طريق انسحابهم إلى الحسكة بحجة أنهم مرتدون علماً أنهم لم يقاتلوا تنظيم داعش في الرقة وإنما اكتفوا بسد ثغور النظام في محيط الفرقة السابعة عشر أثناء المعركة. بعد جدال طويل ومفاوضات لعب فيها وجهاء الشدادي دوراً كبيراً تمكنّا من الوصول إلى صيغة مقبولة نسبياً، وهي إطلاق سراح المنتسبين الجدد مقابل خروجنا من المربع الأمني بسلاحنا الخفيف باتجاه دير الزور، وتم الاتفاق بحيث أن نأخذ معنا أمير بارز في تنظيم داعش نضمن من خلال وجوده معنا كرهينة عدم غدر تنظيم داعش بنا، على أن يتم إطلاق سراح المنتسبين الجدد صباح اليوم التالي وبدورنا نخلي سبيل أميرهم، وحدث هذا فعلاً حيث توجهنا إلى بلدة مركدة آخر بلدات محافظة الحسكة من جهة حدودها الغربية مع محافظة دير الزور، واتخذنا منها خط مجابهة جديد ضد تنظيم داعش ولكن هذه المرة ضمن ظروف مختلفة فقد بات العدو واضحاً بأعين محاربيه وضوح الشمس.

Print Friendly, PDF & Email

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »
%d مدونون معجبون بهذه: