الرئيسية / بعيدا عن السياسة / رواية ((عالم جديد شجاع)) لــ”ألدوكس هاكسلي”
رواية ((عالم جديد شجاع)) لــ”ألدوكس هاكسلي”

رواية ((عالم جديد شجاع)) لــ”ألدوكس هاكسلي”

الرقة بوست ـ أحمد مولود طيار ـ خاص

الأدب حين يمتص النبوءة والإحساس العميق بالواقع التاريخي.. ويعيد الحفر في قراءة المستقبل، وتوقع القدر الإنساني فيما نحن ماضون فيه.. أو مقبلون عليه..

ترجمة وقراءة نقدية: أحمد مولود طيار/كاتب سوري، الرقة/

رواية ((عالم جديد شجاع)) لــ”ألدوكس هاكسلي”

عندما يتمّ انتاج الإنسان بكميات ضخمة!

بعد أن قرأ سمة العصر الحديث متخيلاً في رواية (1984)، أرسل الدوس هاكسلي رسالة إلى تلميذه “اريك بلير ” الذي كان لتوّه قد أصدر روايته الشهيرة ووقّعها باسم “جورج أوريل”؛ يقول هاكسلي في رسالته إلى أوريل؛ بأن “حكام المستقبل سيكونون أكثر كفاءة وذكاء في الإمساك بزمام السلطة” حيث يرى هاكسلي أن أولئك الحكام “سوف يستغنون عن القوة الغاشمة والقبضة الحديدية العارية” كما يصورها أوريل في روايته، و”سيتركون للمواطنين في دولهم للبحث عن المتعة بأنفسهم، مما يمنحهم شعوراً زائفاً بالحرية” يتابع هاكسلي رسالته: “أعتقد أن زعماء العالم في الجيل التالي سيكتشفون كفاءة التنويم المغناطيسي بالمخدرات وما إليها كأدوات سيطرة يستعيضون بها عن الهراوات والسجون”

يمكن القول إن نبوءة الروائيين هاكسلي و أوريل قد تحققت كاملة بشكل أو بأخر وبأسرع مما توقعاها. “1984” تصوراتها تحققت في دول المعسكر الشيوعي وديكتاتوريات الشرق الأوسط، أما “عالم شجاع جديد” رواية هاكسلي والتي صدرت عام 1932 أي قبل سبع عشرة سنة من صدور رواية عام 1984، فتصوراتها عن الغرب تكاد تكون متطابقة حيث قبضة مخملية تسيطر على كل شئ، و العامة يتغنون بعبوديتهم مطلقين عليها اسم “الحرية الشخصية”.

من كل الزوايا التي يتمّ فيها النظر إلى “عالم جديد شجاع”  يمكن القول أن “هاكسلي” سلك طرقاً مباشرة، مستخدماً سخرية مرة، ويتوسل مستوىً عالياً من الشر والرعب لينبه القارئ أن يطرح الأسئلة بشكل جدي ويأخذها على محمل المسؤولية، لأن مستقبله ومستقبل البشرية قاتم. ويبقى القلق الرئيس الذي يحذّر منه هاكسلي هو دور  التكنولوجيا كوسيلة مرعبة في السيطرة على المجتمع، والتحكم بكل شاردة وواردة فيه. ومن المهم الإشارة هنا أن الزعيم النازي أدولف هتلر قد وصل إلى السلطة في المانيا بعيد صدور الرواية بسنة واحدة فقط، كذلك بدأت الحرب الباردة بين المعسكرين بعد ثلاث عشرة سنة من صدور الرواية. هاكسلي كان قد تنبأ في روايته وأعماله اللاحقة بالدور الذي ستلعبه الشمولية والتصنيع و العسكرة في نهاية القرن العشرين و أوائل القرن الواحد والعشرين. ولم تخب توقعاته فكانت القنبلة الذرية وسيطرة التكنولوجيا وانهيار الأيدلوجيات الطوباوية..الخ

و من المفارقات المؤلمة أن ما كان يحذّر منه هاكسلي، العنف وازدياد معدلاته والعسكرة والتشيؤ الذي سيعاني منه الإنسان، أن وفاته جاءت في نفس اليوم الذي تم فيه اغتيال الرئيس الأمريكي جون كينيدي 22نوفمبر  1963- مات هاكسلي ولم ينتبه له أحد ولم يعش يومنا هذا حيث نبوءاته  تكاد تتحقق كلها!

 

 

 

عواقب الشمولية.

معظم الروايات التي تتنبأ بمستقبل مجهول وبائس والذي ينتج بفعل حكومات توتاليتارية، تلك الحكومات التي تمكّن ما تدعيه بالاستقرار السياسي على حساب الحريات الفردية، و عام 1984 و”عالم جديد شجاع” خير مثال لتلك الروايات، حيث “الاستقرار” يأتي في المقام الأول، ويتم عبر التخويف والمراقبة على مدى ال 24 ساعة والترهيب والمخابرات والتعذيب الجسدي والنفسي.. هذا ما جاءت به 1984، أما في “عالم جديد شجاع” فنحن في “دولة عالمية ” حيث تبدأ المراقبة منذ لحظة الاختبار في أنبوب التفريخ للأجنة وحتى الموت عبر دورة كاملة لحياة ذلك المخلوق الذي ولد عبر التكنولوجيا والهندسة الوراثية ويتم الاستغناء عن وظيفة الأب و الأم.حيث تتولى تلك التكنولوجيا “صناعة” البشر الذين لا يوجد لديهم القدرة على التمرد لأنهم ببساطة لا يرغبون به.

استخدام المخدرات يكون في تلك الدولة المتخيلة له دور كبير ومهم في تحقيق “الرضى الذاتي” كذلك تأمين كل ما من شأنه توفير الملذات السطحية. وسكان رواية هاكسلي يعتقدون بأنهم سعداء، إنّما يوضح أن تلك السعادة تتأتى على حساب حريتهم الحقيقية، وهم غير قادرين على إدراك المشاعر الجوهرية والخبرات الأصيلة حيث لا اتصالات اجتماعية  ذات معنى فيما بينهم البعض أو لديهم القدرة على التفكير باستقلالية. يصل هاكسلي إلى العواقب الحقيقية لكل ذلك وأن سكان تلك الدولة يفتقدون في النهاية إنسانيتهم.

التكنولوجيا كوسيلة من وسائل الضبط الاجتماعي:

منذ بداية الرواية يرسم لنا هاكسلي صورة الدولة العالمية المتخيلة التي تستخدم التكنولوجيا كوسيلة للضبط الاجتماعي. تقوم تلك الدولة بعملية تكييف سكانها و قبل صيرورتهم ومنذ أن يكونوا أجنة في أنابيب التكاثر والاستنساخ. حيث  تقوم بحذف  العلاقات الإنسانية والحميمة، وتُحذف مفردة أب وأم من قاموس تلك الدولة وينظر إليها كشتيمة وتخلف، حيث تنتفي الحاجة إليهما لأن التكنولوجيا المتقدمة تحل محلهما وبعد ذلك يتم انتاج كميات ضخمة من  الإنسان، ومن ثم تجري وبوتائر متوازية عملية التكييف السيكولوجي عبر الطريقة البابلوفية وطرق أخرى كالتعليم أثناء النوم،  لنصل إلى مجتمع متعدد الطبقات عبر ضبط عملية الولادة، حيث بيضة واحدة يمكن أن تفقس عن ستين شخصاً، و يتم برمجتهم مسبقاً عبر مواصفات محددة، ويتم توزيعهم على شرائح مختلفة تأخذ أرقاماً: الفا بيتا غاما دلتا وهكذا.. هي أشبه بهندسة اجتماعية وتراتب طبقي. فهناك طبقة الخدم والعبيد أو البروليتاريا الذين يقومون بأدوارهم على أتم وجه دون أي احتجاج أو تذمر . فبرمجتهم البيولوجية تمنعهم من التمرد، ومن هنا تسود السعادة وينتفي التناحر والصراعات الطبقية.

و هذه النتيجة المتحققة عبر “التكييف” هي تمكين “الاستقرار الاجتماعي” وخلق الحواجز الخَلقية والنفسية والاجتماعية بين الطبقات الخمس والحيلولة  دون اتصالهم مع بعضهم البعض . وهاكسلي يميز تماما بين العلم والتكنولوجيا؛ العلم الذي يواكب المعرفة الإنسانية  والمساعي البشرية للوصول بالإنسان إلى أرقى الخبرات والمعارف، أما التكنولوجيا التي تستخدم للتحكم بالإنسان وتمنعه من التأمل النظري إن كان في ذلك التأمل ما يهدد وحدة “الاستقرار الاجتماعي”.

استخدام التكنولوجيا في دولة هاكسلي المتخيلة هو استخدام أفيوني و”سوما” القرص المخدر الذي ينتج بكميات هائلة من أجل الاستخدام  يعتبر رمزاً لتلك التكنولوجيا . فيأتي استخدامه ومن كل الطبقات الاجتماعية على حساب القدرات العاطفية والعقلية لسكان تلك الدولة الذين يصلون في نهاية المطاف إلى فقدان قدرتهم على التفكير والإحساس .

الاستهلاك:

على اعتبار أن رواية “عالم جديد شجاع” تصنف ضمن الروايات الهجائية، ولا تعتبر  رواية ترف تأملي أو فكري حول ممكنات المستقبل، إنما هي تنطلق من الواقع في قراءة تنبؤية لمسار ذلك الواقع وصولاً إلى المستقبل وهو مستقبل معين بحدود ال2500 بالتقويم الميلادي أو  635 بالتقويم الفوردي. و فورد هو  مؤسس شركة السيارات العملاقة وهي رمزية أراد منها هاكسلي إلى بروز التكنولوجيا وتطورها المذهل وتحكمها بالإنسان.

والاستهلاك في دولة هاكسلي – نلاحظ ما يقترب منه إلى حد كبير في عالمنا اليوم – يقوم على قاعدة رئيسية هي: من الأفضل شراء الجديد بدلا من إصلاح القديم.  فاقتناء كل ما هو جديد علامة على الأبهة والثراء والتشاوف الاجتماعي في غياب حقيقي للمعنى  والجوهر والسعادة الحقيقية.   وهو في روايته يبرهن من خلال “الاستهلاك” على التطور المنطقي لما وصل إليه عالمنا اليوم حيث تسيطر القشور والبهارج الخادعة مشكّلةً منظومة ثقافية هشة و قيم أخلاقية جديدة. وكل ذلك يساعد تلك الحكومات ذات القبضة المخملية في إحكام سيطرتها على المجتمع عبر  تجريدهم من القيم الإنسانية الحقيقية و عبر تمكين الضحالة والتفاهة للقيم الجديدة. وتغدو مقولات من مثل ” الجهل هو النعيم والسعادة ” و “من الحماقة أن تكون حكيماً” شعارات رائجة ومحببة في دولة هاكسلي المتخيلة. هل قلنا المتخيلة؟! نظرة بسيطة إلى عالمنا اليوم وخاصة تلك الدول المسماة متقدمة تؤكد أن رواية هاكسلي، وإن كانت تصنف ضمن روايات الخيال العلمي، إلا أنها تمتعت برؤية ثاقبة حيث السطحية والطابع الاستهلاكي يكاد يسيطر على كل مناحي الحياة.

عالم شجاع جديد رواية تشاؤمية تحاول تنبيهنا إلى ما يكتنف حاضرنا ومستقبلنا من مجاهيل ومغاور مظلمة تكاد تبتلع كل انجازات  البشرية لصالح حفنة من حكام تسيّرهم شركات عملاقة همها الأول والأخير  كيف تثرى، ومحولة البشر إلى عبيد.

ترجمة وقراءة نقدية: أحمد مولود طيار/كاتب سوري، الرقة/  الرقة بوست ـ خاص

 

Print Friendly, PDF & Email

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »
%d مدونون معجبون بهذه: