أنا إنسان..!

يوسف دعيس

كان من المتوقع أن تستخدم روسيا حق الفيتو في تعطيل قرار مجلس الأمن، الذي جاء على خلفية استخدام النظام السوري غاز السارين في قصفه لبلدة خان شيخون في ريف إدلب، والذي راح ضحيته نحو 100 شهيد معظمهم من الأطفال والنساء، وكان من المتوقع أيضاً أن تحاول روسيا إيجاد مخرج لأفعال النظام القذرة، التي تجسدت بشتى أنواع القتل على مرِّ سنوات ست، عانى فيها السوريون أشد أنواع الإجرام التي لا يتقبلها عقل ومنطق، والروس محترفون في مجال تمييع القضايا الشائكة، يساندهم في هذا الجانب ملالي طهران، وميليشيات الحقد الطائفي، ولا بأس بين الفينة والأخرى من إطلاق تعبيرات يُراد بها باطل، من مثل “قبل أن تطلقوا أحكاماً متسرعة تتهمون النظام السوري بقصف شعبه بالكيماوي، يجب أن تعرفوا أولاً من أين انطلقت الطائرات، وهل حقاً صواريخها تحمل الكيماوي، وهل هي حقاً قصفت المدنيين، أم الإرهابيين، أم ورشة ومخازن لتصنيع الكيماوي، وكل هذا يحتاج إلى لجان لتقصي الحقائق، أولاً تشكيل لجنة لتحديد الفاعل، وثانياً لجنة لرفع العينات، ولجنة ثانية لفحصها، ولجنة لتأكيد أن من تعرض للقصف هم من الأطفال والمدنيين أم هم من النصرة والقاعدة، ولجنة لتأكيد نفاد الكيماوي من مخازن النظام، ولجنة لتأكيد أن خان شيخون بلدة سورية أم لا، ولجنة لمعرفة ما في إيطاليا، ولجنة لمعرفة ما في البرازيل قبل معرفة ما في إيطاليا، ولجنة جامعة مانعة لضبط أعمال اللجان السابقة.

لا يحتاج قتلنا الذي بدأ من سنوات ست وما زال مستمراً إلى لجان تقصي وبحث، ولا يحتاج إلى تأكيد ونفي، فالعالم بقضه وقضيضه يعرف أننا نُقتل بالساطور والسكين، وبالصواريخ والبراميل والحاويات المتفجرة، بطلقة بندقية وبقذيفة مدفع، فلماذا كل هذا التهاون في التعامل مع قضيتنا والاستهانة بأرواحنا؟! ولماذا كل هذا التراخي بمحاسبة الفاعلين؟ ما نحتاجه فقط إحالة المجرمين الذين يقتلوننا يومياً دون أي مبرر إلى محاكم عدل دولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب ضد الإنسانية.

ربما كانت التعبيرات التي أطلقها الرئيس الأمريكي ترامب ووصف فيها الرئيس الأسد بالحيوان والشرير، التي جاءت على خلفية قصف النظام السوري لخان شيخون، أقول ربما كانت بلسماً مخففاً لآلام السوريين وأوجاعهم، وربما أضاءت مساحة كافية من النفق الذي يعبره السوريون، وهم يتساقطون يومياً أمام آلة قتل النظام المدعوم بشكل مباشر من روسيا وإيران، وربما أعطت هذه التعبيرات بصيص أمل في حلٍّ مرتقب يتجاوز الفيتو الروسي، الفيتو الذي يشكل رعباً حقيقياً للسوريين الذين خرجوا لحريتهم وكرامتهم. لكل ذلك جاء الجدل الذي أثاره وصف ترامب للأسد بالحيوان محط تندر واهتمام عبر صفحات التواصل الاجتماعي، وأصدق شاهد على ذلك أن الهاشتاغ الذي أُطلق على صفحات التواصل الاجتماعي يحتل المراتب الأولى في العالم، وهو ما يؤكد بأن ألسنة الخلق أقلام الحق، وهي أيضاً تعيد إلى أذهان الناس عبارة المواطن السوري محمد عبد الوهاب: “أنا إنسان ماني حيوان والعالم كلها متلي”، وبها عرفنا من هو الحيوان بكل تأكيد..

اترك رد

Translate »