الطريق البري بين الجزيرة ودمشق أحلام إيرانية قيد التنفيذ

يتصاعد التوتر في الجزيرة السورية مع تحولها إلى مركز للنزاع الإقليمي والدولي، ظهر واضحاً في القصف التركي، فجر الثلاثاء، الذي استهدف مقرات عسكرية لحزب “الإتحاد الديموقراطي” الكردي جنوبي مدينة المالكية في الحسكة، بالتزامن مع قصف مماثل على مقرات شقيقه حزب “العمال الكردستاني” في سنجار العراقية. وإذ يحظى “الاتحاد الديموقراطي” بحماية أميركية، إلا أنه يتمتع بعلاقات ممتازة مع إيران والنظام، كما اتضح في فتح طريق بري جديد يصل بين إيران ولبنان عبر مناطق الجزيرة السورية.

وكانت “مديرية النقل البري” التابعة للنظام، قد أعلنت قبل يومين، في محافظة الحسكة عن إعادة تسيير رحلات برية بين مدينة القامشلي في محافظة الحسكة وبين مدن حلب ودمشق وبيروت، بعدما نسّقت بين مختلف الأطراف وشركات النقل بحسب وسائل إعلام النظام. وتأتي هذه الخطوة بعد انقطاع الطرق البرية الواصلة إلى محافظة الحسكة منذ العام 2012 بسبب المعارك في مختلف الجبهات خاصة في المنطقة الشرقية، إلا أن التطور الأخير جاء بعد الاتفاق مع سلطات “الإدارة الذاتية” التابعة لحزب “الاتحاد الديموقراطي” الذي يسيطر على معظم الجزيرة السورية.

موظف في أحد مكاتب شركات النقل في “كراج البولمان” في مدينة القامشلي أكد لـ”المدن” أن الشركات بدأت بتسيير رحلتين أسبوعياً من القامشلي، تبلغ تكلفتها للراكب الواحد إلى حلب 10000 ليرة سورية (الدولار 540 ليرة) وإلى دمشق 17000 ليرة وإلى بيروت 35000 ليرة. وتبدأ الرحلة من القامشلي إلى مدينة عامودا وتكمل الطريق إلى مدن رأس العين وتل أبيض ومنبج، الخاضعة لـ”الإدارة الذاتية”، ويقضي المسافرون ليلة كاملة في منبج قبل أن تنطلق الحافلة صباح اليوم التالي إلى مناطق سيطرة النظام لتعبر من مدينة تادف إلى حلب أو تكمل إلى السفيرة وخناصر ومنها إلى السلمية وحمص ثم دمشق.

وتستغرق الرحلة إلى دمشق حوالي يومين أو أكثر، بحسب وضع الطرقات والحواجز، وأكد الموظف أن حواجز مليشيات النظام تقوم بإجبار المسافرين على دفع مبالغ مالية كبيرة “أتاوات” قبل الوصول إلى دمشق، وتصل تكلفة ما يدفعه كل راكب للحواجز بين 15000 و20000 ليرة، مع تهديد بالاعتقال أو عرقلة الرحلة إذا لم يدفع الركاب المبلغ المطلوب.

افتتاح هذا الطريق البري جاء بعدما تمكنت قوات النظام من الوصول إلى أطراف مدينة منبج الخاضعة لسيطرة “قوات سوريا الديموقراطية”، فأصبح الطريق سالكاً بين الجزيرة السورية وحلب وعفرين، وبدأت حركة تجارية واضحة تنشط على هذا الطريق.

مصدر مسؤول في “الإدارة الذاتية” أكد، لـ”المدن”، أن هذه الرحلات جاءت ضمن اتفاقية بين النظام وسلطات “الإدارة” لتسهيل حركة الناس وإدخال المواد الطبية والأغذية إلى الجزيرة السورية بسبب ما وصفه بـ”حصار” تركيا وإقليم كردستان العراق للجزيرة السورية وإغلاق معابرهما الحدودية والإنسانية معها، ونفى المصدر أن تكون هذه الخطوة “تطبيعاً” للعلاقات مع النظام، وقال: “العلاقات التجارية لم تنقطع بين مختلف الأطراف على الساحة السورية سواء كانت داعش أو النظام أو الجيش الحر أو الإدارة، وهذا الأمر تحكمه حاجات المدنيين”.

الإعلامي رودي الكردي، قال لـ”المدن”، إن المدنيين شعروا بالارتياح نوعاً ما بعد تسيير الرحلات خاصة أن التنقل استمر خلال السنوات عبر الطائرات التي تضطر المسافرين لدفع مبالغ كبيرة للحجز تصل إلى أكثر من 50000 ليرة، مع استغلال كبير من قبل عناصر وضباط “المخابرات الجوية” الذين يتحكمون بمكاتب حجز الطيران في القامشلي. ورغم افتتاح طريق بري، لكن الناس ما زالوا يشعرون بالخوف نتيجة عدم الاستقرار والخوف من قطع الطريق خلال الرحلة في أي لحظة.

وتأتي هذه الخطوة كأول عملية “تطبيع علنية” بين سلطات النظام و”الإدارة الذاتية” اللتين تتقاسمان السيطرة على مدينة القامشلي، بعدما كانت عمليات التنسيق الأمني تجري سابقاً بشكل غير معلن أو عبر وسطاء، رغم أن النظام غالباً ما كان يطلق على “وحدات حماية الشعب” الكردية التابعة لـ”الإدارة الذاتية” وصف “قوات رديفة للجيش”، ويطلق على المناطق التي تسيطر عليها هذه القوات وصف “مناطق صديقة” رغم بعض الإشكاليات المحدودة التي تحصل بين الطرفين والتي غالباً ما كانت تُحل بعد تدخل مسؤولين من الطرفين، والضباط الروس مؤخراً.

وتبرز أهمية إعادة فتح الطريق بين عمق مناطق النظام في الغرب السوري والجزيرة السورية، من أجل تحقيق مكاسب اقتصادية للطرفين، خصوصاً في ما يتعلق بنقل النفط والمنتجات الزراعية كالقمح والشعير والقطن من المناطق الرئيسية للإنتاج في الجزيرة إلى مراكز الاستهلاك في دمشق وحلب والساحل. كما يُراد من هذه الخطوة توجيه رسائل لمختلف الأطراف الإقليمية والمحلية حول حجم التنسيق عالي المستوى بين الطرفين.

وأكد ممثل “المجلس الوطني الكردي” في “الائتلاف الوطني” فؤاد عليكو، لـ”المدن”، أن هذا الأمر غير مستغرب، فقد عمل حزب “الاتحاد الديموقراطي” منذ بداية الثورة على تنفيذ أجندة النظام في الجزيرة السورية، وها هو يتورط بشكل أكثر في هذه العلاقة مع النظام، بوجود مكتب تنسيق مشترك بين الطرفين في مطار القامشلي. وأضاف عليكو، إن هذه الخطوة من الجانبين ربما تأتي بتوجيهات إيرانية من أجل تحقيق وصل بري لمناطق نفوذ ايران في العراق وسوريا، برياً، وهذا الأمر سيضع سلطات “الإدارة الذاتية” في موقف محرج مع الجانب الأميركي الداعم الأكبر لـ”قوات سوريا الديموقراطية” خاصة مع التصعيد الذي يعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب لمواجهة التمدد الإيراني.

كلام عليكو، تؤكده التطورات على الأرض خاصة بعد تقدم مليشيا “الحشد الشعبي” العراقية إلى بلدة تلعفر الحدودية رغم التحذيرات التركية، بالإضافة إلى محاولة حزب “العمال الكردستاني” اتخاذ منطقة شنكال في جبال سنجار كقاعدة لمقاتلي الحزب (تعرضت للقصف التركي فجر الثلاثاء) بحيث يكون الطريق البري سالكاً تماماً من إيران إلى لبنان، عبوراً ببغداد والموصل وسنجار والجزيرة السورية وحلب ودمشق. وذلك بعد تراجع المطامح الإيرانية بالسيطرة على طريق بغداد-دمشق، عقب تسريب خطة بريطانية-أردنية لدعم الجيش الحر جنوبي سوريا لقتال “الدولة الإسلامية” هناك، وفصل مناطق النفوذ الإيرانية في العراق عن الغرب السوري الذي يسيطر عليه النظام ومليشيا “حزب الله”.

إعادة الرحلات البرية بين العاصمة دمشق والجزيرة السورية لها دلالة مهمة على محاولة النظام العودة بقوة إلى الجزيرة والاستفادة بشكل كبير من مواردها في دعم اقتصاده المتهالك، إضافة إلى أنها تحمل ملامح محاولة إيرانية لإعادة رسم “الهلال الشيعي” الذي تعتبر فيه الجزيرة السورية صلة وصل مهمة بين العرق وايران وسوريا وتركيا. الأمر الذي سيبقي المنطقة في عمق الصراع الإقليمي، الذي من الممكن أن ينفجر في الجزيرة، عقب معركة الرقة المنتظرة، وكانت أولى شراراته باستهداف الطيران التركي لمقرات مهمة لحزب “الاتحاد الديموقراطي” في منطقة كراتشوك شرقي القامشلي.

المدن

اترك رد

Translate »