الرقة بين الأسود والأصفر والموت يتربص أهلها

ابن الرقة يحتاج لكفيل للتنقل في بلده

الرقة بوست ـ خاص

بينما ينشغل العالم المتحضر بمصالحه أولاً، تغيب عن الأضواء الحالة المأساوية التي يعيشها أهلنا في محافظة الرقة، وهم يواجهون الموت من كل جانب، وعلى وقع الاشتباكات العنيفة بين قوات سورية الديمقراطية، وقوات داعش، ووقع قذائف المدفعية التي تتساقط على الأهالي المدنيين، والغارات المتواصلة من طيران التحالف الدولي التي تمطرهم بالقنابل والصواريخ بشكل يومي، يهيم أهالي الرقة وسط رحى الحرب الهمجية الدائرة، وتتلقفهم خيام الذل، حيث لا ماء ولا غذاء ولا دواء بانتظارهم.

أهالي الرقة النازحون من بيوتهم في تغريبة شتات تنتظرهم، أسر ضائعة، وأخرى مشتتة، وأخرى هائمة، والمخيمات التي بُنيت على عجالة لا تفي بالغرض، وسط حضور ضعيف للمنظمات الإنسانية، وغياب أي ملمح للجوء في القرى الخاضعة لسيطرة قوات قسد، وبات على ابن الرقة أن يحتاج لكفيل للتنقل في بلده، ويختصر المعارض السياسي “خلف الجربوع” الحالة العامة لأوضاع الرقة، وقوى الأمر الواقع التي تسيطر على المناطق التي تخرج عن سيطرة تنظيم الدولة وتخضع لهم، بقوله: “كيف يمكنني أن أتعاطف مع من يطلب من أهلي كفالة كي يذهبوا إلى بيوتهم. “طالوت” ابن أخي عمره ست سنوات يحتاج إلى كفالة كي يلتحق بأمه المهجرة، وهذا مجرد مثال. إن حروب داعش و”النهر الأصفر” Yellow_River هي حروب بين شركتين للقتل”.

وحول أوضاع المخيمات، يقول “خليل سليمان”: في كل المخيمات المذكورة أسمائها: عين عيسى “مخيم مكب النفايات”، وعين عيسى، “مخيم الأقطان”، ومخيم خنيز الكشة، ومخيم جديدة الخابور، ومخيم عوجة بتير، ومخيم عوجة حمد العساف، ومخيم الكرامة، تم رصد 12 حالة وفاة بينهم ثمانية أطفال، وأغلب حالات الوفاة ناجمة عن أمراض الربو والاختناق، وسوء تغذية، ونقص الأدوية.

ويضيف قائلاً: “على المنظمات الإنسانية التدخل السريع لإنقاذ الناس، فوجود منظمة إغاثية واحدة لا يكفي، وهي كونسرن، لتغطية هذا العدد الهائل من النازحين والمهجرين من بيوتهم، وكذللك منظمة فرات المحلية، فالمنظمتان لا تستطيعان سد احتياجات أهلنا داخل المخيمات.

الناشط محمد فيصل المصارع ينقل معاناة أهلنا داخل المخيمات من خلال تواصله مع أحد الناشطين في الداخل، يقول: “كان الطفل يموت بين ذراعي، وكنت عاجزاً عن تقديم المساعدة، كلمات قالها لي صديق لي عن زيارة لأحد مراكز تجميع الناس، شمال الرقة حيث قال، وأنقل ما قاله لكم حرفياً: ذهبت إلى هنالك وتفاجأت بالحشود الكبيرة. الآلاف من البشر محتجزون بمكان أقرب ما يكون لمعسكرات الاعتقال، الناس هنالك غالبيتها تبيت على الأرض بالعراء، تعب وإرهاق وحالة رثة ووجوه تدمي القلب لحالها، كيف وهم أهل الرقة الذين أبوا سابقاً أن تفتح مخيمات في محافظتهم، اليوم حتى مخيم لم يقم بإيوائهم.

ويتابع: أتت إلي امرأة وهي تحمل طفلاً صغيراً، وضعت الطفل بين يدي وهي تبكي، والطفل كان يُحتضر وبحاجة لإسعاف سريع، حاولت جاهداً إخراج تلك المرأة وطفلها أو أية عائلة أخرى بحجج شتى، ومنها أنهم أقربائي، أهلي، أمي، أختي.. لكن الجواب من قبل الـypg “هري هري”، وبحسب ما فهمت منهم، تعني “روح روح”، أي لا مجال وممنوع التحرك، تركت المكان، وأنا أكاد أنفجر من القهر وجاءني اتصال بعد ساعتين أن الطفل قد فارق الحياة وأن كل ثلاث إلى خمس ساعات تقريباً يموت طفل.

ويقول المصارع مناشداً: “شركاؤنا في الوطن.. مناصرو قوات قسد وقوات الـypg.. هل هذه الأفعال هي للإذلال؟ هل هكذا تبنى أخوة الشعوب؟ ماذا تنتظر من المقيمين تجاهك؟ الرقة في حياتها لم يكن فيها حقد أو مشاكل طائفية أو عرقية أو ما شابه ذلك، لكن يبدو أن العمل على تغذية مشاعر الكراهية قائمة على قدم وساق”.

ويضيف موضحاً: “أهالي الرقة الفارون من مناطق داعش ممنوع عليهم التنقل أو دخول ريف الرقة الشمالي والإقامة بالقرى والبلدات في الريف، والتي باستطاعتها إيواء كل النازحين، لكن سياسة الإذلال موجودة، لكن إذا كنت (كردياً) فالأبواب مشرعة أمامك، أو إذا كان لك واسطة من كردي، وأنا آسف على هذا المستوى من الكلام، لكن هذه هي الحقيقة”.

هذا بالنسبة لما يعانيه أهلنا في نزوحهم، فماذا عن الذين يعيشون في قلب الرقة، ما زال تنظيم الدولة يمارس طغيانه على رعيته، فقد أعدم عناصره الشابة و. ن رمياً بالرصاص بالقرب من مسجد عمر بن الخطاب في شارع سيف الدولة، وسط مدينة الرقة بتهمة التعامل مع التحالف الدولي، وما زال التنظيم يمنع الناس من النزوح، ساعياً لاتخاذهم دروعاً بشرية، وهو يتصدى للقوات المهاجمة، وفي المقابل وبعد قصف الجسور والطرقات، لم تترك القوات المتنازعة على الأرض أي طريق آمن لخروجهم من مناطق الاشتباكات.

الوضع الإنساني في مدينة الطبقة أكثر سوءاً بعد أن أطبقت قوات سوريا الديمقراطية “قسد” حصارها على المدينة من كافة الأطراف، والذي تطور لاحقاً بدخولهم إلى عدد من أحيائها الجنوبية، بمساندة من الطيران، الذي يقصف يميناً وشمالاً دون أن يأخذ بعين الاعتبار مسألة تحييد المدنيين عن النزاعات المسلحة، ونقلت صفحات الناشطين الرقاويين أخبار المجازر الوحشية التي تُرتكب بحق أهلنا هناك، ويقدر الناشطون أعداد المحاصرين من المدنيين العزل بأكثر من 30 ألف نسمة، جلّهم من الأطفال والنساء والشيوخ والمرضى، وأنباء تؤكد أن الطبقة فيها نحو 650 مقاتلاً من عناصر داعش، وأخرى تؤكد نفاد الغذاء والدواء وخروج المشافي والأفران عن الخدمة بشكل نهائي.

وسط كل هذه الأحداث، تبرز على السطح أخبار مناوشات بين الجيش التركي وقوات قسد، وأنباء تؤكد قصف عدد من مواقع قوات البيدا على الحدود السورية التركية، ومعلومات شبه مؤكدة عن دخول مرتقب لقوات الجيش الحر المدعوم من تركيا مدينة تل أبيض، وحول إمكانية دعم لواء ثوار الرقة في إطار هذه التداعيات، يقول الناشط المدني أمجد فخري: لا محالة من دعم لواء ثوار الرقة بالوسائل الممكنة. لا علم للثورة مرفوع فيما تسيطر عليه (pyd) قسد إلا اﻷرض التي يتواجد فيها لواء ثوار الرقة، أما تركيا فأظن أنها تتفهم الوضع، واللواء لم يكن بإمكانه البقاء لولا تفاهمه مع (ب ي د). وللعلم حُوصر أكثر من مرة ولم يعط من الدعم إلا القليل القليل.. وأظن الـ(ب ي د) ينتظرون فرصة للخلاص منه ولكن ذلك لم يتحقق..

ويضيف: اللواء يحتاج مع الدعم المادي بأنواعه دعم أهل مدينته.. ليس الوقت لحساب أو عتاب.. يعني أنا أخطأت هل تتركني أموت ﻷني أخطأت أم تساعدني ﻷخرج من المأزق وتخرج الرقة ولكل حادث حديث.. يجب أن يكون له ظهر يدافع عنه.. هل يعقل نكون نحن وقسد (ب ي د) عليه؟! ليس دفاعا عن شخص -ولي ملاحظات كثيرة- أنا أدافع عن حالة موجودة تدعو للتفاؤل بحده اﻷدنى.. تصوروا أن اللواء غير موجود.. هل يمكننا أن نقول لا يدخل الرقة غير أبنائها؟! يجب أن تكون رسائلنا للواء متفائلة ومتضامنة لتقوية موقفه.. الأيام القادمة تحتاج منا موقفاً أقوى.. هل يستطيع مدنيو الرقة فعلها..؟

ويختتم حديثه: أنا متفائل.. ومن لا يريد الاحتراق فليذهب إلى النظام، ومن يريد النأي فلا بد أن يقترب يوماً.. ولن يجد متسعاً له.. مواقفنا مرآتنا.. العقلنة في غير وقتها دمار للعقل وصاحبه ومن يتبعه..

في المقابل ما زال أهل الرقة، الذين ينتشرون في بقاع الأرض الواسعة بانتظار بصيص أمل في عودة مرتقبة، فهل تكون قريبة؟! وما زال أهلنا في شتاتهم القسري داخل محافظتهم بانتظار الفرج، فهل هو الآخر قادم بالقريب العاجل؟!

 

اترك رد

Translate »