لمن تُقْرعُ الأجراس؟ للطغاة.. أم للغزاة؟

رئيس التحرير

وصلت المعادلة السورية عموماً، والرقاوية بشكل أكثر خصوصية، إلى ذروة مكتملة الصيرورة، محققة لمبدأ يمكن استقراؤه بطمأنينة، ودون حذر من التسرع في استخلاص النتائج؛ مبدأ ينطق بالقول:لاحلَّ باستبعاد تركيا، ولادورَ لتركيا دون ترخيص أمريكي، ولا هدف لتركيا يتقدم على هدف استئصال شأفة الميليشيات الكردية التي جنحت وأفرطت في سياسات فاشية استئصالية، معادية للمجتمع السوري عداءً مكتملَ النِصَاب الإيديولوجي الإجرامي، والتطبيقي الكولونيالي، (شأنُها في ذلك شأنُ نظام الأسد وداعش سواء بسواء)، وسلوكيات عصبية متهورة، تفتقر إلى الحد الأدنى من التوازن والبراغماتية والتعقل، حتى أنه يسَعُنا القول اليوم: إن هذه السياسات قد طوّحت بمشروع”قسد”دون رجعة، في إحالة برنامجها التنفيذي على الأرض إلى خطة عمل لامستقبل لها بين أيٍ من السكان؛ عربهم وأكرادهم.

بدأت تركيا بتوسعة قوس النيران المفتوحة على ميليشيات صالح مسلم خلال الأسبوعين الفائتين، ولم يعد المشهد محصوراً بجرابلس وجوارها، ولا بمنبج وجوارها، بل إن ساحة التصادم قد توسعت لتشمل عزاز والباب وتل أبيض وصولاً إلى كوباني، مركز الجغرافية التي يدور حولًها مشروعُ”قسد”. كما رافق مشهد التصادم تصريحات خجولة باهتة من عدد من المسؤولين الأمريكيين؛ بأنهم لن يتدخلوا في هذا الصراع، وأن شراكتهم مع”قسد” تنتهي عند حدود صدامها مع تركيا ومحاربة الإرهاب، أي القتال ضد داعش فحسب، واستنزاف بعضهما حتى آخر قطرة دم.. وهذه التصريحات إذا ما تُرجِمت سياسياً، دون كثيرٍ من الحفر لاستخلاص المعاني وتأويلها، إنما تعني أنهم لا يمانعون الأتراك في أن يفعلوا ما يشاؤون بـ”قسد”، مثلما تنشرح صدور منظمو مهرجانات السباق في استنزاف دماء الديوك المتهارشة، والتي طفقت تهبط اليوم في سوق البورصة الأميركية، من شريكٍ وحليفٍ وحيد وموثوق، ولا يُعوَّل على غيره، إلى مجرد مستخدم مياوم أو عامل مأجور، بعقدٍ محدد وأجلٍ محتوم.

قلت في أكثر من افتتاحية سابقة على موقع الرقة بوست، إن المنطقة الشرقية هي حصة أمريكية مختزلة من خارج المحاصصات على الجغرافية السورية، غير قابلة للتفاوض مستقبلاً، لا مع نظام الأسد ولا مع روسيا ولا إيران؛ ولا حتى مجلس الأمن والأمم المتحدة، والمرجح بأن الأميركان ينوون بالقطع إنجاز كل مهام تصفية ماعلى هذه الجغرافيا بأنفسهم مباشرة، وبقوات برية سوف يستقدمونها إلى المنطقة ويكاثرونها بالتدريج، واللافت اليوم أن خارطة الشراكات الجديدة قد بدأت تستبين وتتوضح يوماً بعد يوم، وأن كل لَبْس وغشاوة قد أخذت تزول بالتدريج عما كان قبل أشهر مبهماً وغامضاً وغير مفسر: الدور الأوروبي القادم، (الحليف الراجح والموثوق في التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة)، سيكون أهم من الدور التركي في قابل الأيام، خاصة في المساحة التي يُطلق عليها اليوم مسمى”شرقي النهر”، أي ابتداءً من حدود جرابلس وانتهاءً بحدود دير الزور. وترتيب الدور التركي والإدارة التركية سيشمل المنطقة المنبسطة غربي وجنوبي جرابلس حتى الباب، مع بدء الاستعدادات التركية لتوطيد قاعدة عسكرية دائمة في اعزاز، أسوة بحميم الروسية، وأسوة بقرابة خمس أو ست قواعد أمريكية سوف تغطي كل المجال البري والجوي عبر فضاء الجزيرة السورية.. أما(داعش وقسد)اللذان كانا يلعبان دور”الجوكر”في الماضي، بحيث كان المشهد يبدو وكأن انتصار أحدهما هو النصر المؤزر، وهزيمة أحدهما هي الهزيمة الماحقة والخاتمة، فقد بديا اليوم، وكأنهما قد هبطا في الدور واللعبة من علياء مقام”الجوكر”، إلى حضيض”الجويزة”، حيث دورُهما الرئيسي في مسرح الحدث لا يقدم اليوم ولا يؤخر، لا سلباً ولا إيجاباً، على خريطة الحدث والطريقة التي بات يُرسم بها واقع الأحداث المتتالية.

لن أستأنف اليوم حديثاً طالما تكرر برتابة عن الأسد ونظامه وميليشياته، فقد بات خارج المعادلة بشكل مهول، وما يزال ـ بالمناسبة ـ خارج الواقع، وفي الغيبوبة عن أي وعي بتطور الأحداث ومَلاحِقِها، بل وما تزال سذاجة الخطاب القديم، البهيمي الطابع والمغترب عقلياً، والمبدأ القديم المعمول به لدى النظام كنتيجة محتمة ونهائية، والقائل:(ياقومي أليس لي ملكُ مصرَ، وهذه الأنهار تجري من تحتي.. أفلا تبصرون؟) ـ الزخرف: 51 ـ هو المسيطر حتى في مراحل الاحتضار والغرغرة التي يمر بها النظام حالياً. لكن الحذر بات واجباً في حوكمة كلِّ القوى التي تتحرك اليوم على الأرض السورية، التليد منها والطارف، واستشفاف النوايا، والخلوص إلى وصف دقيق مُقيِّد؛ أي هذه القوى محررٌ وأيها مستعمر؟ خاصة أنه حتى اللحظة لم يتم رفع أعلام هذه القوى المهيمنة والمتدخلة رسمياً(ماعدا أقطاب الشر الثلاثة: النظام وداعش وقسد) لكي يُلزمها القانون الدولي بما يلزم به المستعمرين والمحتلين من التزامات قانونية تجاه السكان والمناطق الخاضعة للاحتلال..

اترك رد

Translate »