بعد الطبقة.. هل تتجه “قسد” إلى الرقة؟

انتهت فعلياً معركة السيطرة على مدينة الطبقة في ريف الرقة الغربي، الأربعاء، بعد 45 يوماً من القتال اليومي في محيطها وداخل أحيائها بين تنظيم “الدولة الإسلامية” و”قوات سوريا الديموقراطية” التي تُشكِّل “وحدات حماية الشعب” عمودها الفقري، بدعم وإسناد مدفعي وجوي من قوات “التحالف الدولي”. انتهاء القتال داخل مدينة الطبقة جاء بعد اتفاق بين الطرفين المتحاربين على انسحاب مَنْ تبقى من مقاتلي تنظيم “داعش” من أحياء مدينة الثورة الثلاثة، وجسم سد الفرات، برفقة أسرهم نحو مدينة الرقة.

وكان قد سبق لـ”وحدات حماية الشعب” الكردية أن أعلنت انتهاء المعارك داخل الطبقة في 1 أيار/مايو، بموجب اتفاق ينسحب وفقه جرحى “داعش” مع أسرهم نحو الرقة، فيما يُسلم مَنْ بقي نفسه إلى “قسد”. إلّا أن الاتفاق نُقض حال خروج جرحى التنظيم وأسرهم، الأمر الذي فُسِّر بأنه خُدعة من قبل التنظيم لإخراج جرحاه والتخفف من أعبائهم، بينما واصل عناصره القتال حتى الأربعاء عندما أُعيد إحياء الاتفاق وتوقف القتال وسُلم سد الفرات وأحياء الثورة الثلاثة التي كان يتحصن فيها آخر المقاتلين.

ناشطو مدينة الطبقة ذكروا أن أكثر من 35 سيارة أقلت ما يقارب 200 شخص من عناصر التنظيم وأسرهم واتجهت بهم شرقاً نحو مدينة الرقة. كما ذكروا أن “الوحدات الكردية” أبقت على حظر التجول المفروض على قرية الطبقة، ومنعت فتح محلات الانترنت. كما جمعت عدداً كبيراً من فنيي وموظفي سد الفرات، ونقلتهم إلى جسم السد، لمزاولة أعمالهم حال خروج عناصر تنظيم “الدولة” منه. وفي أحياء مدينة الثورة الثلاثة، أعلنت “الوحدات” حظر تجول كلي، وكلفت مندوبين عن الأحياء بمهمة جلب الخبز من الفرن الوحيد العامل في المدينة، وإيصاله إلى السكان في بيوتهم، في ما يبدو أنه تدبير أمني احترازي.

يأتي هذا التطور في مسار “المرحلة الرابعة” من عملية “عزل وتحرير الرقة”، وهي جزء من عملية أوسع يشنها “التحالف الدولي” باسم “عملية العزم الصلب” لدحر تنظيم “الدولة” في العراق وسوريا. ويُرجح أن تنتهي “المرحلة الرابعة” عند هذا الحد، لتبدأ مرحلة جديدة تستهدف طرد وتصفية التنظيم في ما تبقى من ريف الرقة القريب، ومدينة الرقة ذاتها. ومع خروج الطبقة من قبضة تنظيم “داعش” تكون مناطق سيطرة التنظيم ما بين ريف حلب الشرقي ومحافظة الرقة قد فقدت تواصلها الجغرافي المباشر، فيما تبقى طرق ترابية التفافية عبر بادية الشام نحو مناطق سيطرة التنظيم الأخرى في سوريا والعراق.

إعلان السيطرة الكلية على الطبقة جاء أيضاً على لسان المتحدث باسم “التحالف الدولي” العقيد جون دوريان، الأربعاء، في بغداد، حيث تحدث في مؤتمر صحافي عبر دائرة تلفزيونية، أعلن فيه “تحرير” أكثر من “30 ألفاً من سكان الطبقة”. وأشار أيضاً إلى البدء بتوزيع أسلحة على “قوات سوريا الديموقراطية”، وذكر أن الأسلحة المقصودة موجودة فعلاً في الميدان، وبعضها سيُسلم عند الحاجة، وأنهم يتوقعون أن يستلم العرب والأكراد في “قسد” الموارد ذاتها. وعن نوعية الأسلحة التي ستُقدم لـ”قسد” قال دوريان إنها أسلحة خفيفة وذخائر ونوع من الأسلحة يمكن استخدامه لمواجهة التهديدات المقابلة التي يستخدمها الجهاديون. كلام الناطق باسم عملية “العزم الصلب” يأتي في سياق جدل إعلامي وسياسي في ما يخص إعلان الولايات المتحدة رسمياً تسليح “وحدات حماية الشعب” الكردية، الطرف الأقوى وحامل الأجندة العسكرية والسياسية الفعلي تحت مظلة “قسد”.

مسؤولون أتراك، في مقدمتهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، انتقدوا تسليح “الوحدات” الذراع العسكرية لحزب “الاتحاد الديموقراطي” الكردي في سوريا، والذي تعتبره أنقرة امتداداً لحزب “العمال الكردستاني” في تركيا. كما أن أنقرة أشارت إلى أن أسلحة تسلمها “الوحدات” الكردية في سوريا من “التحالف الدولي” استُخدمت ضدها على التراب التركي، في إشارة في ما يبدو إلى استهداف “الوحدات” لمواقع عسكرية وجنود أتراك عبر الحدود إثر الغارة التركية على مواقع لهذه “الوحدات” في قرة تشوك في ريف الحسكة قبل أيام . وترى تركيا أن “على واشنطن تحويل الدعم المتعلق بالهجوم على الرقة من القوات الكردية إلى قوات سورية معارضة، دربتها تركيا وقادتها في هجمات على التنظيم المتشدد خلال العام الماضي”. كما يشدد المسؤولون الأتراك على أن موضوع تسليح “الوحدات” الكردية سيُطرح في لقاء الرئيسين التركي والأميركي في واشنطن منتصف أيار/مايو الحالي، وفي اجتماعات قادة “حلف شمال الأطلسي” في نهاية الشهر ذاته.

الضغط التركي على الحليف الأميركي نابع من مخاوف تركية جديدة من تحول مناطق سيطرة “وحدات الحماية” الكردية على طول الحدود السورية-التركية إلى مصدر تهديد أمني وجيو-سياسي لتركيا، وخاصة مع عجز تركيا عن استهداف “الوحدات” من دون المخاطرة بتعريض جنود أميركيين يعملون معها للخطر. لكن دور “الوحدات” وأهميتها بالنسبة للولايات المتحدة قد يتبدلان في حال نجحت تركيا في فرض شراكة قوى عربية متحالفة معها في معارك دحر تنظيم “الدولة”، وقد ينتهيان بنهايته.
المدن

اترك رد

Translate »