صيف الرقة: سيناريو الموصل أو هرب “داعش” لدير الزور

محمد أمين
ينتظر مدينة الرقة السورية صيف ساخن ودامٍ في حال قرر تنظيم “داعش” تكرار سيناريو مدينة الموصل التي دخلت الحرب فيها شهرها الثامن، والدفاع عن سيطرته على المدينة بكل قوته، مع أن مصادر مطلعة ترجح ألا تدوم المعركة طويلاً، في ظل وجود مؤشرات على أن التنظيم ربما يُخلي المدينة بسبب عدم قدرته على الصمود فيها، مفضلاً خوض “معركة وجود” في محافظة دير الزور مترامية الأطراف والملاصقة لصحراء الأنبار، غربي العراق، بدل الرقة المحاصرة والصغيرة في المساحة نسبياً. ومع إعلان قوات “سورية الديمقراطية”، التي تشكل الوحدات الكردية ثقلها الرئيسي، أنها باتت على وشك البدء في حملة عسكرية واسعة النطاق، غايتها إحكام الطوق على المدينة قبيل اقتحامها مع بداية الصيف المقبل، صار بحكم المؤكد أن الموعد المذكور لم يعد ينتظر سوى وصول الأسلحة الأميركية الموعودة إلى تلك القوات العسكرية، مع تراجع حظوظ حصول تغيير أميركي باتجاه تفضيل الحليف التركي على الوحدات المسلحة التي يشكل الأكراد عمودها الفقري.
وصارت قوات “سورية الديمقراطية” (قسد)، منذ يوم السبت، على بعد 7 كيلومترات فقط من مدينة الرقة، بعدما سيطرت على معمل السكر الاستراتيجي، شمالي المدينة. كما فتحت سيطرة “قسد” على مدينة الطبقة الاستراتيجية منذ أيام، الباب واسعاً أمامها للتقدم باتجاه الرقة من الجهة الغربية، وإحكام الطوق على مسلحي تنظيم “داعش” داخلها. وبقي عليها انتزاع السيطرة على قرية هنيدة، التي بدأت يوم الأحد معارك السيطرة عليها، ثم بلدة المنصورة، ومن ثم قرية الحمام وسدها والمعروف بـ”سد البعث”، وقرى السحل، ومن ثم قرية كسرة شيخ الجمعة التي تتيح السيطرة عليها تطويق الرقة من كل اتجاه، لأن القرية المذكورة تقع جنوب الرقة على الضفة الجنوبية للنهر، والسيطرة عليها تعني قطع طريق حلب – دير الزور الدولي الذي يربط الرقة بدير الزور.
وتتمركز قوات “قسد” إلى الشرق من مدينة الرقة بنحو 30 كيلومتراً في بلدة الكرامة، حيث كانت هذه القوات قطعت الطريق الذي يصل الرقة بدير الزور شمالي النهر. ومن المتوقع أن تبدأ معركة الرقة أواخر الشهر الجاري، إثر تسلم “قسد” أولى دفعات الأسلحة الثقيلة الأميركية. وتؤكد هذه القوات أنها قادرة وحدها على انتزاع مدينة الرقة، في محاولة لاستبعاد أي دور لقوات تتبع للمعارضة السورية وتدعمها تركيا. كما تحاول “قوات سورية الديمقراطية” استبعاد لواء “ثوار الرقة”، أبرز الفصائل العربية التي لا تزال ترفع راية الثورة السورية في تلك المنطقة، ويتكون من أبناء محافظتي الرقة ودير الزور. وأكد رئيس المكتب السياسي في اللواء، محمود الهادي، في حديث مع “العربي الجديد”، أن “التحالف الدولي بقيادة أميركا ومعه حلفاؤه على الأرض مستمر بخطته الاستعراضية بشكل مفرط، ولا يوجد مبرر لذلك سواء كان من الجو أو من الأرض، لأنه تسبب بسقوط ضحايا مدنيين وتهجيرهم وتدمير بيوتهم”.

وتابع الهادي قائلاً إن “هناك خلافاً بيننا وبين التحالف حول المعركة لهذا يتم استبعادنا”. ويتابع: “قلنا لهم قبل معركة الطبقة إنه لا يوجد أكثر من مئة مقاتل من داعش داخل المدينة ومحيطها، واليوم نقول لهم إن كل ما هو موجود من مقاتلي داعش في الرقة ومحيطها لا يتجاوز 300 مقاتل، وكثير منهم أطفال ومصابون”. وأشار إلى أن قيادة لواء “ثوار الرقة” طالبت بتغيير خطة انتزاع الرقة لـ”حماية ما تبقى من المدينة ومن أهلها”، مضيفاً: “لكنهم مصرون (في إشارة إلى التحالف الدولي) في الاستمرار بخطتهم لإظهار قوتهم، وتلميع الحلفاء وتضخيم قوتهم على حساب أراوح المدنيين”، وفق قوله.

وكان التنظيم قد سيطر على الرقة وريفها في أوائل عام 2014، لتتحول إلى معقله البارز في سورية، حيث أصبحت مقراً وممراً لمقاتلي التنظيم. وتعد محافظة الرقة، رابع المحافظات السورية الأربع عشرة من حيث المساحة بعد حمص ودير الزور والحسكة، وتبلغ مساحتها نحو 20 ألف كيلومتر مربع، أي ما يعادل أكثر من 10 في المائة من إجمالي مساحة سورية. وغالبية سكان محافظة الرقة من العرب، وهي تمتد على مساحة أكثر من 150 كيلومتراً من الغرب للشرق، وعلى مساحة 200 كيلومتر من الشمال إلى الجنوب، وتصل حدودها إلى قلب بادية الشام. وتضم المحافظة مدناً وبلدات كبرى عدة، أبرزها مدينة الرقة، مركز المحافظة، ومدينة الطبقة التي تقع إلى الغرب من الرقة بنحو 50 كيلومتراً، وباتت بحوزة “قسد”، وهي الأكثر أهمية كونها تضم سد الفرات الذي يحتجز بحيرة طولها يصل إلى 80 كيلومتراً وعرضها في بعض المواقع أكثر من 5 كيلومترات، ومدينة تل أبيض التي تقع إلى شمال الرقة بنحو مائة كيلومتر على الحدود السورية ــ التركية، والتي سيطرت عليها الوحدات الكردية في منتصف عام 2015.

كما تحدثت مصادر هذه القوات عن مقتل 167 من مقاتلي التنظيم في المرحلة الأولى، وتفجير 12 سيارة مفخخة قبل بلوغ أهدافها، وتدمير 14 سيارة عسكرية، ومدافع، وشاحنات، ودراجات نارية. وفي العاشر من ديسمبر/ كانون الأول من العام الماضي، بدأت المرحلة الثانية من “غضب الفرات” لانتزاع السيطرة على قرى وبلدات ريف الرقة الغربي في محاولة لفرض حصار على مدينة الرقة في خطوة تسبق محاولات اقتحامها. وشهدت هذه المرحلة مشاركة مليشيات جديدة تحت قيادة “سورية الديمقراطية”، منها ما يُسمّى بـ”قوات النخبة” التي تتبع لتيار “الغد السوري” الذي يتزعمه أحمد الجربا، ويتخذ من القاهرة مقراً له.وكانت “قوات سورية الديمقراطية” بدأت المرحلة الأولى من عملية أطلقت عليها تسمية “غضب الفرات” في بداية نوفمبر/ تشرين الثاني 2016، في ريف الرقة الشمالي، انتهت بعد عشرة أيام من انطلاقها بانتزاع السيطرة من تنظيم “داعش” على مساحة جغرافية قُدرت بنحو 550 كيلومتراً مربعاً، وفق “قسد”، وتضم 34 قرية، و31 مزرعة، وإحكام السيطرة على 7 تلال استراتيجية، إلى جانب السيطرة على محطة الكهرباء ومحطة المياه شمال الرقة.

واستطاعت قوات “سورية الديمقراطية” خلال المرحلة الثانية التي انتهت في العشرين من يناير/ كانون الثاني الماضي، انتزاع السيطرة على عشرات القرى، قالت إن عددها يبلغ 130. وفي بداية شهر فبراير/ شباط، بدأت المرحلة الثالثة من “غضب الفرات” لانتزاع السيطرة على مساحات في ريف الرقة الشرقي لتضييق الخناق أكثر على مقاتلي التنظيم داخل المدينة، لتتمكن القوات المهاجمة من السيطرة على الطريق الواصل بين الرقة ودير الزور في شمال نهر الفرات، فضلاً عن الاستحواذ على قرى وبلدات هامة، منها بلدة الكرامة (شرقي الرقة بنحو 30 كيلومتراً)، وكانت من المعاقل البارزة للتنظيم بين الرقة ودير الزور.

ولم تقتصر المعارك في المرحلة الثالثة على ريف الرقة الشرقي، بل عاودت “سورية الديمقراطية” الضغط على “داعش” في مدينة الطبقة (50 كيلومتراً غربي الرقة)، وقامت بعملية إنزال في منطقة الكرين، غربي المدينة، حيث تمركزت قوات لها، لتنطلق بعد ذلك وتسيطر على مطار الطبقة الاستراتيجي، جنوب شرقي الطبقة، لتبدأ معارك على مدى خمسين يوماً انتهت، يوم الجمعة، بالسيطرة الكاملة على المدينة. ورجحت مصادر مطلعة ألا تطول معركة انتزاع السيطرة على مدينة الرقة، بسبب عدم قدرة التنظيم على الصمود فيها رغم التحصينات الكبيرة التي أقامها على مدى سنوات وجوده فيها. وأشارت المصادر في حديث مع “العربي الجديد”، إلى أن طبيعة الرقة الجغرافية لا تساعد مقاتلي التنظيم على المناورة العسكرية، بما أن مدينة الرقة “منبسطة، ولا توجد فيها تضاريس تساعد على التحصن الطويل داخلها”. وتعتبر مصادر من داخل المدينة أن وجود عشرات آلاف المدنيين في المدينة سيكون عبئاً كبيراً على التنظيم، وخصوصاً إذا تم تطويق المدينة وعزلها عن دير الزور بشكل كامل، مرجحة أن يهرب مقاتلو التنظيم شرقاً باتجاه دير الزور مترامية الأطراف، حيث يملكون مركزاً مهماً وهو مدينة الميادين، شرقي مدينة دير الزور، إضافة الى مدينة البوكمال الحدودية المقابلة لمدينة القائم العراقية، المعقل البارز لـ”داعش” غربي العراق.

العربي الجديد

اترك رد

Translate »