نفسك دنية و زاد طبعي أكشر

الرقة بوست – قاسم الهندي
شدني ما صار يطلق عليه “الأدب الايروتيكي النسوي العربي”، وأنا أبحث بين أسماء تلك “الرائدات” في هذا الأدب، كنت أستمع إلى أغنية (ابو الخديد الوردتين اللا لا) من تراث أهالي الفرات في منطقة الرقة السورية.
فهل اللائي يدعين حقاً أديبات؛ هل ما يكتبنه يرقى إلى مصاف الأدب!! وبالأحرى ما هو الأدب ؟أو ما هي مهمته؟و ما المطلوب منه؟
و لا زلت أستمع:
ابوالخديد الوردتين اللا لا
يا ذهب يا مشغول ما بك لولا
المتابع للأدب العربي بكل إنتاجه؛ من شعر و نثر و قصة، وإلى آخره من نتاجات، يجدها ممثلة لهذه البيئة، أو متكلمة وواصفة لها.. ليغدو الأدب رافداً آخر للتأريخ، شارحاً ما يجري وما يحدث فيها، تاريخياً، أومحاولاً النهوض بها سياسياً، أو ناقداً لأحوالها(اجتماعياً).
فإذا أخذنا ما أنتجه العرب من أدب إيروتيكي منذ الجاهلية وإلى الآن، نجد أنه حتى أساليب التعبير عنه قد اختلفت من زمن إلى آخر .
فشعر امرئ القيس في الجاهلية و كل دلالته الغزلية والايحائية الجنسية ليست دخيلة على مجتمعه، وإن كانت مؤطرة ضمن حدود معينة، يقبل المجتمع بجزء منها، ويكابر على بعضها.
يقول امرؤ القيس في هذا:
سموت إليها بعدما نام أهلها
سموَّ حَباب الماء حالاً على حال
فقالت: سباك الله إنك فاضحي
ألست ترى السمار و الناس أحوالي؟
فقلت: يمين الله أبرح قاعداً
و لو قطعوا رأسي لديك و أوصالي
حلفت لها بالله حلفة فاجرٍ
لناموا فما إن من حديث و لا صالي
إلى آخر أبيات امرئ القيس، والذي لا يخفي فيه لواعج شوقه، ولا ينفي ولا تنفي هي، ما للمجتمع من قوانين يصعب تلافيها(اعتراف بقوانين المجتمع بغض النظر عن تقبلها من عدمه).
و لا زلت أستمع
قلتلها أروح وياج قالت لا لا
نفسك دنية و زاد طبعي أكشر
و في العصر الاموي، وما وصلنا من قصة مجنون ليلى (قيس)، والذي حاول المؤرخون أن يعطوا لهذه القصة بعداً غير بشري، ووضع هذين العاشقين بمرتبة الملائكة، والتي تنتفي لديها تلك الرغبة في التلاقي و اللمس و الاحتضان والتقبيل.
بينما شعر قيس يكذب كل تلك الادعاءات. فلدى تذكره لليلى يتذكر حتى شكل جسدها فيقول:
تعلقت ليلى وهي ذات تمائم
ولم يبدُ للأتراب من ثديها حجمُ
صغيرين نرعى البَهم يا ليت أننا
إلى اليوم لم نكبرْ ولم تكبر البَهمُ
ويؤكد قيس أيضاً على أن علاقته بليلى لم تكن “ملائكية” بالمطلق، وهو السائل زوجها إن كان قبلها أو احتضنها .يقول قيس:
بربك هل ضممت إليك ليلى
قبيل الصبح أو قبلت فاها
وهل رفت عليك قرون ليلى
رفيف الأقحوان على نداها
كأن قرنفلاً وسحيق مسك
وصوب الغانيات شملن فاها
ليأتي رد المجتمع على لسان زوج ليلى:أما إذا حلفتني فنعم.. أي أنه حتى المجتمع/زوج ليلى، لم ينكروا علاقة قيس بليلى.
وهذا ما يؤكده الفيلسوف صادق جلال العظم في كتابه (في الحب والحب العذري). و لازلت أستمع:
أبوالخديد الوردتي الياعم
فرفح كليبي يوم قالت ياعم
أما في العصر العباسي، والذي انفتح فيه العرب على العديد من الثقافات والاقوام، وكثر فيه التأليف والتراجم، ودخول كثير من العادات والسلوكيات الجديدة في هذا العصر. فقد غدا الأدب الإيروتيكي أقرب إلى المباشرة والمجون، وهو لا يعيب ذاك العصر البتة. ويعتبر أبو نؤاس هو عميد الأدب الايروتيكي بدون منافسة.. فيقول مخاطباً جارية أحبها:
سألتها قبلة ففزت بها
بعد امتناع وشدة التعب
فقلت لها يا معذبتي
جودي بأخرى أقضي بها أربي
فابتسمت ثم أرسلت مثلا
يعرفه العجم ليس بالكذب
لا تعطين الصبي واحدة
يطلب أخرى بأعنف الطلب
وهنا نلاحظ أن الحوار بينه و بين الجارية، لم يكن للمجتمع أي تدخل به، فهو لا يتجاوز رغبته و رغبتها، و إن كانا سيقضيان أربهما أم لا! و يبرز الكثير من الأدباء الذين أعطوا قيمة فنية للأدب الايروتيكي، كمثال (والبة بن الحباب)، وبعض مما ورد في(ألف ليلة و ليلة)، و ديوان (أبي حكيمة)، أو بعض ما كتبه السيوطي(الوشاح في فوائد النكاح). ويقابل هذا الانفتاح في الادب”الايروتيكي” تقدمٌ على كل الأصعدة دينيا/فلسفيا/ثقافيا. حتى أننا لنستطيع القول إنه كلما ضعف هذا الادب “الايروتيكي”، يكون هناك ضعف في باقي تلك الجوانب.
ولا زلت أستمع:
لا تجعد الغرنوج نايم يا عم
و الشعر من فوق الخدود منثر
و ضمن هذا الطرح، وعودة لزمننا الحاضر حول ما انتجته هاته “الأديبات” الإيروتيكيات، فهل ما انتجته هاته “الاديبات” يعد معبراً/ممثلاً للواقع، إن اسقطناه على أي واقع! أم أنه لا يتعدى مراهقة أدبية، ورغائبية عصابية لدى هذه الأديبات! ومن متصدرات “الأدب الايروتيكي النسوي” على سبيل المثال و ليس الحصر:سلوى نعيمي في روايتها(برهان العسل)، زينب حفني (نساء عند خط الإستواء)، نهلة كرم(على فراش فرويد) و لغالية ممدوح(الغلامة)و (المحبوبات) .يعاكس هذا الانتاج و يقفز فوق المجتمع دون أن يستطيع أن يعبر عنه بالمطلق، فالواقع يكذب زيف هذا الأدب و يعريه. فهناك فارق بين أدب مفتعل، وأدب هو نتاج بيئة معينة، معبراً عنها، أومنتقداً هذه البيئة، محور الرواية.
لا يعدو هذا الادب الحالي، و الذي تنشره دور نشر تجارية، أن يكون استعراض “ستربتيز” متلطي بثوب الأدب. رغم كل ما تدعيه هذه الكاتبات من مقدمات لمنتوجهن”الأدبي”، وتحت مسميات شتى، من قبل تمرد أنثى، وانتزاعها لحريتها، وانطلاقتها الجديدة، وإلى آخره من طروحات. فلو اخذنا هذه النصوص الـ sex ،نستطيع أن نحولها إلى مشهدية،” Pornography “بكل سهولة. فالفضائحية والغرائزية و الابتذال، لا يمكن تسميتها أدباً بالمطلق. ولا زلت أستمع:
أبوالخديد الوردتين جعودي
دحك علي شلون يذبل عودي
لكن هل حقيقة أن الأدب الإيروتيكي النسوي العربي الحديث، هو امتداد لهذا الجنس الأدبي في ما انتجته باقي الثقافات من منتج في هذا الخصوص؟ أم ان الشكل الغرائزي هو المميز للأدب الايروتيكي بشكل عام! حتى في الغرب يوجد نماذج كثيرة ومتشابهة، مع كاتبات “الستربتيز” العربيات. و يبقى مجال قرائهم لا يتجاوز حدود مراهق يتابع فلمpornograpy، تنتهي الرواية كانتهاء احتلام ذاك المراهق، وتصبح الرواية نسياً منسياً.
لكن لنأخذ مثالين للأدبالايروتيكي الغربي، يعززان مفهوم رسالة الأدب في التعبير عن مجتمعاتها، ومؤكدة على حاجتنا كبشر للتعبير والتعامل مع هذه المشاعر. ففي روايات (ايفان بونين) عن الحب العارم بين الرجل و المرأة، يصور بها الانفعالات البشرية والروحية و الجسدية بعمق أخاذ، دون الانزلاق إلى الأدب المكشوف. حتى أنه نعته النقاد بـ”موسوعة الحب”، ومن مؤلفاته في هذا الموضوع(ضربة شمس)و(في باريس).
في المثال الثاني يقدم الكاتب الروسي(بوريس بيلنياك) في روايته (إله الكتابة)، قصة حب تدور بين فتاة روسية و جندي ياباني، يتزوجان و تذهب للسكن معه في بلاده، ويكون هذا الجندي من الكتاب المشهورين في بلاده، وبعد زواجهما يحوز على جائزة أدبية تجعله محور صحافة بلاده، وحتى هي كانت محور اهتمام الصحفيين، وهي لا تجيب الصحفيين سوى بابتسامة، مع استغراب من اهتمامهم بها، وخاصة لكونها لم تتقن اللغة اليابانية بشكل جيد، حتى تأتيها رسالة من صحفي يتكلم الروسية، يقول لها بأنها كانت محور تلك الرواية الفائزة بتلك الجائزة، وأن زوجها كان يراقب ويصف كل تحركاتها في المنزل، ويصف ما يجري بينه و بينها، فتقرر بعد معرفة هذه الأمور أن تذهب إلى بلادها تاركة زوجها. ولا زلت أستمع:
و ان رحت لأهلي ما يجيني جعودي
و ان جيت يمكم زاد صوجي يكبر
فإن كان هناك من أدب ايروتيكي عربي في زماننا الراهن فأين هو؟؟ نعود للاستماع مرة أخرى إلى أغنية أبو الخديد الوردتين اللا لا، أي إلى التراث، ففي تراث الشعوب تختزل كل تجاربهم، و هي الأدب الغير المكتوب .وأكثر بيت يستطيع أن يعبر عن هذا الأدب هو :
قلتلها اروح وياج قالت لا لا
نفسك دنية و زاد طبعي أكشر
فالمجتمعات وإن كانت لا ترفض الحياة الجنسية، إلا أنها تقنن هذه العلاقة بما يتناسب وطريقة حياتها، وما انتجته من أعراف و قوانين تؤطر هذه العلاقة. نبتدئ بالقوننة، القوننة في هذا البيت هي (اللا لا) اللا لا هنا ليست رفضاً مطلقاً، بل هي نفي يؤكد هذه العلاقة لكن ضمن إطار هذا المجتمع(قلتلها اروح وياج قالت لا لا)، لأن هذا الرفض المحبب(اللا لا) سببه اعتراف بحاجته و حاجتها لبعضهما، فهي عندما قالت:(لا لا)، ليس لأنها لا تريد الذهاب معه، بل لأنها تعرف ماذا يريد، (نفسك دنية) أي أنه لن يستطيع مقاومتها، وهي بالمثل ترغب به (طبعي أكشر)، لتطابق بين نفسه الدنية و طبعها الأكشر، المكملين لبعضهما، لكن ضمن قوننة (اللا لا). حتى لتصبح (نفسه الدنية) و (طبعها الأكشر) محببين لا غرائزيين، ولا يستنكف من الاعتراف بهذه (النفس الدنية )وذاك(الطبع الاكشر)، لأنه تأطر ضمن إطار يحاول الحفاظ على ديمومة هذه العلاقة. ولا زلت أستمع:
ابوالخديد الوردتين الوسلا
من كثر ما بيني و بينك وسلا
وأخيراً: فإن كان هناك من أدب، و أياً كان مسماه لهذا الادب، إن لم يكن معبراً عن مجتمعه، أو حتى رافضاً له، محاولاً استنهاضه، ومشيراً إلى سلبيات هذا المجتمع بغرض تلافيها، فلا يعدو كونه مراهقة أدبية، قاتلة للأدب و الاديب نفسه. ولا زلت أستمع، لكن دعونا نستمع سوية:
ابوالخديد الوردتين اللا لا
يا ذهب يا مشغول ما بك لولا
قلتلها اروح وياج قالت لا لا
نفسك دنية و زاد طبعي اكشر

ابوالخديد الوردتين الياعم
فرفح قليبي يوم قالت يا عم

لا تجعد الغرنوج نايم يا عم
و الشعر من فوق الخدود منثر

ابوالخديد الوردتين جعودي
دحك علي شلون يذبل عودي

و ان رحت لأهلي ما يجيني جعودي
و ان جيت يمكم زاد صوجي يكبر

ابوالخديد الوردتين الوسلا
من كثر ما بيني و بينك وسلا

كل ما نقول اليوم باجر نسلا
ما يفعل الكتاب يمحي الدفتر

اترك رد

Translate »