أمير البُزق السوري

الرقة بوست – خاص
لا شك أن قِصَرُ قامةِ «أمير البُزُقْ» سبّبَ لهُ عدداً من المواقف المحرجة، غير أنه تجاوزها بتمرينه وعمله المتواصل والحثيث على آلة البُزُق، الذي أثمرَ إبداعاً أدهش الكثيرين، ففي إحدى السهراتِ قدَّمَ «أمير البُزُقْ» وصلة عزفٍ سِحرية كانت مِسْكَ الخِتَام أَبْكَتِ الحضورَ ثمَّ أضحَكتهُمْ ثمَّ جعلتهُم نياماً!!… ومن طرائف ما روي عنه أيضاً، أنه كان يتمرن بالعزف بأصابع قدميه على آلة البُزُقْ! وأنه وخلال إحدى الحفلات الموسيقية في بريطانيا وبعد أن استقبله الجمهور بالضحك والاستهزاء من مظهره، خلع «أمير البُزُقْ» حذاءه وأخذ يعزف بأصابع قدمه على البُزُقْ مقطوعة من التراث الموسيقي البريطاني، كما قيل إنه عزف النشيد الوطني البريطاني، ما دفع الحاضرين يقفون احتراماً لهُ ولإبداعه، ثم غادر المسرح ولم يرجع إليه إلا بعد اعتذار الجمهور.
قالت فيه سيدة الغناء العربي أم كلثوم “أنت موهبة عظيمة”وأما عباس محمود العقاد فقد قال ” إنك من فلتات الطبيعة” ووصفه أحمد شوقي بقوله “أسمع الأنغام الصحيحة التي ليس فيها زيف” وأما موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب قال: إذا كانت الموسيقى الغربية تفتخر بـ باغانيني كأشهر عازف كمان، فالموسيقا الشرقية تفتخر بمحمد عبد الكريم كأشهر عازف بزق .
يتفق جميع الموسيقيين والنقاد على أن البزق لم يشهد أيام عز كالتي شهدها بين يدي أميره محمد عبد الكريم، حكاية طويلة قصها ذلك العازف القصير القامة، دوّنها بنَفَس العمالقة، فأبدع عازفاً ومؤلفاً وملحناً ومطوراً لآلته. كان أحد الأمراء الثلاثة (أمير الشعر: أحمد شوقي، أمير الكمان: سامي الشوا، أمير البزق: محمد عبد الكريم).
ولد محمد عبد الكريم عام 1911م في حي الخضر الشعبي بمدينة حمص وسط سورية من أسرة تعشق الموسيقا فوالده علي مرعي كان عازفاً على آلتي العود والبزق، ويعتبر والده أستاذه الأول في الموسيقا،ولد محمد عبد الكريم عام 1911م في حي الخضر الشعبي بمدينة حمص وسط سورية من أسرة تعشق الموسيقا فوالده علي مرعي كان عازفاً على آلتي العود والبزق، ويعتبر والده أستاذه الأول في الموسيقا، زار أمير البزق القاهرة ودامت زيارته سنتين حيث تعرف على أقطاب الموسيقا فيها مثل محمد القصبجي وزكريا أحمد وداوود حسني ومحمد عبد الوهاب، وأحيا العديد من الحفلات، وعرض عليه (ليتوباروخ)وكيل شركة أوديون الألمانية للاسطوانات السفر إلى ألمانيا لتسجيل عدة اسطوانات. وفي عام 1927 سافر إلى ألمانيا بادئاً جولة أوروبية، فأحيا فيها العديد من الحفلات، كما سجل لشركة أوديون خمس اسطوانات تضمنت مجموعة من المقطوعات الموسيقية والارتجالات.
أسرع عازفي البُزق في العالم
يُعدُّ «أمير البُزُقْ» من أسرع عازفي البُزُقْ بالعالم، وقد تنافس مع العازف التركي الشهير والسريع جداً «شنشلار» وتفوق عليه، كذلك تُعدُّ معزوفتهُ «رقصةُ الشيطان» من أصعبِ وأسرعِ المعزوفاتِ على البُزُقْ، لِسرعتِهِا ورشاقتِهِا، وبناءِ جُمَلِها اللحنيةِ المعقدةِ، وقد استطاع من خلالها أن يعبِّرَ عن فيضِ طاقاتهِ الإبداعيةِ الخّلاقةِ؛ عزفاً وتلحيناً وتأليفاً موسيقياً، وقد لُقّب بعدها بـ«شيطان البُزُقْ».
كانَ «أميرُ البُزُقْ» مِنَ المعجبين بالموسيقا الغربية وقد طوَّرَ وجدَّدَ آلةَ البُزُقْ، وعن ذلك يقول: «هل سمعت بالمثل القائل: «وزاد في الطنبور نغماً»!؟ أنا قمت بذلك وأضفت إلى البُزُق وترين، وجعلت من أربطة البُزُقْ 38 بعد أن كانت 18 للتنويع في النّغم.. » ولم يقف «أمير البُزُقْ» في مساعيه التطويرية عند هذا الحد، بل استبدلَ «طاسة البُزُقْ» وجعلها من خشب «الموندرين» كما جدَّدَ بعقد البُزُقْ وأضاف إليه «زنداً ودساستين» كما أن لـ«أمير البُزُقْ» مقاماً خاصاً مسجّلاً باسمه يدعى «مريوما».
أشهر أعمال «أمير البُزُقْ» الموسيقية كانت: «بين أشجار الصنوبر، رقصة الشيطان، تحت العريشة، ساعة الوداع، في قصور الأندلس، رقصة الحب، عروس الصحراء، آلام الطير، رقصة الصبايا، البنفسجة الذابلة، ليالي ديك الجن، حكاية عيون، وغيرها كثير».
الرحيل الحزين:
في غرفة متواضعة في حي عين الكرش بدمشق قضى قسطاً كبيراً من حياته، فشهدت هذه الغرفة الكثير من إبداعاته والكثير من حزن الأمير الفقير المعدم الذي قدم للحياة كل ما يملك من فن.. فلم تقدم له أكثر من الألم، قاسمه مرض السرطان عامه الأخير، وأجبره على الرحيل عام 1989، ولم يرافق جسده المسجى إلى مقبرة الدحداح بدمشق إلا عدد قليل من المشيعين، فكانت الخاتمة التي لم يستحقها أمير مثله.

اترك رد

Translate »