التحديات المقبلة لجبهة النصرة

 

بعد الاستهداف الكبير ل”تنظيم الدولة الإسلامية” (داعش) في الموصل والرقة، وارتفاع أسهم التوقعات بفشل “داعش” في مواجهة الحصار المفروض عليه، وتحوله من الهجوم إلى الدفاع، فإن الأنظار تتجه نحو مستقبل “جبهة النصرة” المنضوية تحت “هيئة تحرير الشام”، وتعد الفصيل الأبرز في “الهيئة”، خصوصا أن فك “النصرة” ارتباطها عن تنظيم “القاعدة” لم يكن مقنعا لمختلف الأطراف المحلية والدولية.

وإذا كانت الساحة السورية، ومنذ سنوات، تضم العديد من الفصائل الإسلامية، وبعضها راديكالي، وينتمي فعليا إلى السلفية الجهادية، إلا أن “جبهة النصرة” تحوز من بين تلك الفصائل على اهتمام إقليمي ودولي له خصوصيته، نظراً لعوامل عدة، من بينها بالطبع، أن التنظيم يمتلك امتدادات خارج حدود الساحة السورية، وفي مقدمتها صلاته مع تنظيم “القاعدة” الأم في أفغانستان.

وتعتبر الكثير من الدراسات والجهات الاستخباراتية أن “جبهة النصرة” أخطر على المدى الطويل من “داعش”، وتعود تلك التقديرات إلى إعطاء “الجبهة” هذا الحجم إلى المستوى الكبير من البراغماتية التي يمكن استنتاجها من مسيرة التنظيم، منذ لحظة تأسيسه في 24 يناير/ كانون الثاني من عام 2012 ، والتزامه بالقتال في الساحة السورية، على خلاف ما ذهب إليه “داعش”، في تأسيس أفرع له في عدد من البلدان الآسيوية والأفريقية، كما أن “جبهة النصرة” أرسلت رسالة قوية “إلى داعش” حين حصل الاقتتال بينهما في أبريل/ نيسان 2014 ، في مدينة البوكمال، على الحدود العراقية السورية، وتمكنت “جبهة النصرة” آنذاك من تكبيد “داعش” خسائر مهمة، ما جعل “داعش” يتراجع، ويترك المنطقة لسيطرة “جبهة النصرة.

من جهة أخرى، سعت “جبهة النصرة” إلى بناء علاقات ثقة مع الكثير من الفصائل المقاتلة، وأبرمت اتفاقيات معها، ولم تضع نفسها كعدو للجميع كما فعل تنظيم “داعش”، كما أنها لم تحصر نفسها في مكان جغرافي محدد، سعيا إلى تجنب إمكانية القضاء عليها، عبر دعم إقليمي أو دولي للفصائل المسلحة الأخرى، أو أن تصبح هدفا لقصف الطيران، من قبل النظام السوري، أو الطيران الروسي، وحتى من قبل طيران التحالف الدولي.

ومؤخراً، أظهر اتفاق “المدن الأربع”، غياب أي اعتراض إقليمي أو دولي على الدور الذي قامت به “جبهة النصرة” في إبرام هذا الاتفاق، على الرغم من كونها مصنفة كتنظيم إرهابي بقرار أممي، كما أن الروس لم يشيروا إلى دورها في هذا الاتفاق، في ظاهرة لافتة، وهي حالة التوافق على دور “جبهة النصرة”، وعدم الرغبة الإقليمية والدولية بالتذكير بأنها تنظيم إرهابي.

ومنذ 2015 ، بدا أن الأمريكان يميزون في رؤيتهم للمشهد الميداني السوري بين “داعش” و”جبهة النصرة”، خصوصا بأنهم لم يثيروا قضية الدعم الذي تتلقاه الجبهة من بعص الدول الإقليمية، وكان سعيهم الرئيس إلى أن يكون ما تتلقاه “الجبهة” من دعم ضمن إطار حدود اللعبة، وعدم الخروج عن حالة توازن الضعف في المشهد السوري، خصوصا أن آفاق الحل السياسي كانت غامضة.

إن أحد مرتكزات “جبهة النصرة” في بناء مكانتها كفصيل رئيس ووازن، هو ميلها إلى الانتشار داخل الجغرافيا السورية، فهي موجودة في شمال ووسط سورية، كما أنها موجودة في الجنوب، بالإضافة إلى وجودها في محيط العاصمة دمشق، وفي القنيطرة على الحدود السورية الإسرائيلية، وفي بلدات قريبة من الحدود اللبنانية.

وعلى المستوى العددي، فإن “الجبهة” تضم حوالي 12 ألف مقاتل، يشكّل المقاتلون السوريون معظمهم، مع استفادتها من خبرات مقاتلين سابقين حاربوا في العراق وأفغانستان، لكن قدرتها على التجنيد تراجعت خلال العامين الأخيرين، نظراً لعوامل عديدة، من أهمها التدخل الروسي في سورية، وزيادة هيمنة “حزب الله” على الحدود اللبنانية مع سورية، ودعم بعض الأطراف الإقليمية لفصائل إسلامية أخرى، منها “جيش الإسلام” الذي انخرط في مسار التسوية السياسية، عبر “الهيئة العليا للمفاوضات”، والتزامه بضبط سلوك “جبهة النصرة” في محيط العاصمة، وهو ما ظهر جليا في القتال الذي دار مؤخر اً بين “جيش الإسلام” و”جبهة النصرة” في الغوطة الشرقية.

وبناءً على المسار السياسي، فإن تقدم مسار التفاوض السياسي من شأنه أن يؤثر فعليا على “جبهة النصرة”، لما سيشكله من ضغوط على فصائل أخرى متعاونة مع “الجبهة” كي تقطع صلاتها بها، وربما تتحول إلى قتالها، من خلال تحالفات جديدة، وقد يشكل هذا السيناريو عبئا على الأفراد المنخرطين في “الجبهة”، ويدفعهم إلى الانفكاك عنها، والالتحاق بقوى أخرى.

إن سيناريو التفاوض والوصول إلى تسوية سياسية ما زال متعثر اً، إلا أن اتفاق “خفض لتصعيد” الذي وقعت عليه مؤخرا فصائل “معارضة” مقاتلة، بضمانات روسية وتركية وإيرانية، والذي يلتزم بقتال “داعش” و”فتح الشام” أي “جبهة النصرة”، يشكل تحديا مهما أمام مستقبل “الجبهة”، لكن ليس من المتوقع بعد أن تشهد الساحة السورية قتالاً جديا بين فصائل “الجيش الحر” و”جبهة النصرة”، خصوصا أن “الجبهة” تمتلك وزن ا قتاليا كبيراً، يفوق في أماكن كثيرة قدرات “الجيش الحر”.

من جهة أخرى، فإن القبول الإسرائيلي بالدور الذي قامت به “جبهة النصرة” في منع توغل قوات “حزب الله” في القنيطرة وجنوب سورية من شأنه أن يعرقل أي توجه جدي لقتالها في هاتين المنطقتين، خصوصا مع قبول أمريكي وتنسيق أردني في مراعاة الدور الذي تقوم به “جبهة النصرة” على هذا الصعيد، كما أن عدم الرضا الأمريكي عن مسار التفاوض في أستانة يجعل من الصعوبة بمكان في الأمد المنظور زج فصائل “الجيش الحر” في مواجهة مع “جبهة النصرة”.

وفي ضوء المعطيات الراهنة في المشهد السوري، تبدو “جبهة النصرة” قد وصلت إلى ذروة ما يمكن أن تصل إليه من قوة وحضور، وهو ما يجعل من مشروعها في إقامة إمارة إسلامية ضربا من المستحيل، وهو ما سيجعلها أمام خيار مقاومة الانكماش، والبقاء كلاعب يقوم بخلط الأوراق بين فترة وأخرى.

المصدر: مركز أسبار

اترك رد

Translate »