ديرالزور: ساحة المواجهة القادمة

قادت تطورات الصراع على سوريا إلى تحول ديرالزور إلى ساحة المواجهة القادمة في ضوء سعي القوى الدولية والإقليمية للسيطرة عليها، ما دفع صحيفة التايمز البريطانية يوم 11/5/2017 إلى توقع تحول المدينة إلى “برلين” الصراع في سوريا، “حيث سيؤدي الاستيلاء عليها إلى تحديد مصير الشرق الأوسط لسنواتٍ مقبلة” بعد تحولها إلى “منطقة نفوذ محورية للولايات المتحدة أو إيران أو روسيا، الداعمين الأساسيين لقوى الصراع المتحاربة” .
تقع محافظة دير الزور بين العاصمة السورية وشمال شرقي سوريا والعراق، المحافظة الثانية من حيث المساحة (33.06 ألف كم مربع)، تتكون من 3 مناطق( دير الزور، الميادين، البوكمال) و11 ناحية و 128 قرية، بعدد سكان يفوق المليون ونصف المليون نسمة. ترجع أهميتها، بالإضافة إلى موقعها، إلى كميات النفط والغاز الهامة في أراضيها (أكبر مخزن للنفط الخفيف في سوريا، يشكل ما نسبته 24 في المائة من الناتج السوري من النفط والغاز)، والى محطات تجميع النفط ومعالجة وضخ الغاز عبر شبكة الأنابيب الوطنية السورية، ما جعلها محط أنظار القوى الإقليمية والدولية ومنحها موقعا بارزا في استراتيجياتها في سوريا، ودفعها إلى التسابق على بسط السيطرة عليها والعمل على تحريرها من “داعش” بالتزامن مع تحرير الموصل والرقة نظرا للتداخل الجغرافي من جهة ولاحتواء تبعات هزيمة التنظيم وتداعياتها السياسية والعسكرية من جهة ثانية.
قفزت محافظة دير الزور، المصنفة، إلى جانب محافظتي الرقّة والحسكة، محافظة نائية (تجسّد التصنيف في تدنّي مستوى الاستثمارات والخدمات والتعليم، حيث تعامل معها النظام كمصدر للمواد الأولية: النفط والغاز والحبوب والأقطان والسمون الحيوانية واللحوم) قفزت إلى صدارة اهتمام النظام، وداعميه الروس والإيرانيين، بعيد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في اجتماع استانة1، الذي استثنى “داعش” و “النصرة”، ونص على التهدئة الكاملة في مناطق غرب وشمال سوريا مقابل تركيز الاهتمام على ما سوف يحدث بالمناطق التي يسيطر عليها “داعش” بعد طرده من الرقة، وخاصة بعد ظهور ملامح إستراتيجية الإدارة الأميركية الجديدة اثر قصف مطار الشعيرات بصواريخ التوماهوك وتحركها العسكري المكثف في محافظات الرقة وديرالزور والحسكة عبر المشاركة في هجوم قوات سوريا الديمقراطية في محافظة الرقة والقيام بغارات وتنفيذ عمليات إنزال قوات ضد مواقع لـ “داعش” في محافظة ديرالزور، ونشر قوات على الحدود السورية التركية في محافظة الحسكة لمنع هجمات تركية على وحدات حماية الشعب الكردية هناك، مع الاستعداد لإرسال تعزيزات عسكرية(إرسال 1000 جندي إضافي إلى سوريا وفق ما قاله روبرت فورد السفير الأميركي السابق في سوريا). وقد سمح توقيع اتفاق تخفيف التوتر، أو خفض التصعيد، في استانة4، بنقل قوات للنظام وداعميه الإيرانيين والميليشيات الشيعية (حزب الله، حركة النجباء، الفاطميون الأفغان، الزينبيون الباكستانيون … الخ)، إلى البادية السورية بهدف قطع الطريق على توجه أميركي تنفذه قوات معارضة سورية (أحرار الشرقية، جيش أسود الشرقية، جيش مغاوير الثورة/جيش سوريا الجديد سابقاً، يساعدهم نحو 40 جنديا من القوات الخاصة الأميركية والنرويجية من قاعدتهم في بلدة التنف الحدودية) لبسط السيطرة على البادية والتوجه إلى محافظة ديرالزور وعاصمتها: مدينة ديرالزور، لتحريرها من “داعش”، كمرحلة أولى في خطة للسيطرة على محافظة ديرالزور، التي اعتبرت هدف النظام في هذه المرحلة، كما أكد وزير الخارجية وليد المعلم في مؤتمره الصحافي قبل أسبوع، حيث أرسلت تعزيزات ضخمة من المدفعية والدبابات والمركبات المدرعة، للوصول إلى الحدود العراقية – السورية٬ وقطع الطريق على تقدم قوات الجيش السوري الحر ضد معاقل تنظيم “داعش” في الشمال الشرقي في البادية، التي (قوات الجيش السوري الحر) تمكنت من التقدم وطرد قوات “داعش” من مساحات واسعة في الحماد السوري والقلمون الشرقي، كان آخرها سيطرة جيش أسود الشرقية على منطقة العليانية جنوب تدمر وتقدم قوات من جيش مغاوير الثورة إلى الحدود الإدارية لبادية مدينة البوكمال شرقي ديرالزور وسيطرته على مواقع لتنظيم “داعش” في محيط بادية حميمة في ريف حمص الشرقي انطلاقاً من قاعدة التنف العسكرية، وقد ربطت تقديرات بين عمليات الجيش السوري الحر الحالية في البادية والقلمون بالتحضيرً لمعركة محافظة دير الزور بدعم أردني، لإنهاء وجود التنظيم في البادية ومحافظة دير الزور بشكل نهائي. وكانت مواقع مقربة من حزب الله اللبناني والنظام السوري نقلت عن مصادر لها أن “قوات أميركية وبريطانية دخلت إلى منطقة حميمة (90 كم شرق تدمر) في عمق البادية السورية لبدء عملية باتجاه مناطق جنوب مدينة البوكمال بريف دير الزور الشرقي”، وأشارت إلى أن “مجمل عدد هذه القوات 150 عنصراً سيعملون مع ميليشيا جيش مغاوير الثورة٬ دخلوا من معبر التنف الذي يصل [الملاصق] الأردن بسوريا”.
خطة جيش النظام تقضي، وفق مصدر عسكري سوري، بالتحرك على ثلاثة محاور، الأول ينطلق من ريف دمشق بهدف فتح طريق موازٍ لطريق دمشق- بغداد القديم باتجاه معبر التنف على الحدود العراقية. وينطلق الثاني من البادية، تحديدا من ريف تدمر الشرقي في حمص، باتجاه مدينة السخنة الإستراتيجية، التي يسعى الجيش للسيطرة عليها؛ لإطلاق عملياته نحو دير الزور. أما المحور الثالث، فينطلق من أثريا في حماة باتجاه دير الزور أيضا. على أن تقابله قوات الحشد الشعبي العراقي الموالية لإيران من الجهة الثانية للحدود السورية العراقية حيث بدأت هجومها للسيطرة على مدينة القيروان، قرب هذه الحدود، تمهيدا لهدفها القادم: دير الزور بالشراكة مع قوات النظام لطرد “داعش” منها، وفق إعلان قادة في الحشد.
جاء تحرك النظام وحلفاؤه وفق تصور سياسي عسكري على خلفية تقاطع مصالح، فالنظام بحاجة إلى سوريا غير المفيدة لما فيها من خيرات، من جهة، ولتعزيز صورته وفرض رؤيته للحل في سوريا، من جهة ثانية. إيران من جهتها بحاجة إلى السيطرة على المنطقة الشرقية لحماية استثمارها في الصراع السوري وتعزيز موقفها في مواجهة الإدارة الأميركية الجديدة التي أعلنت صراحة أن هدفها لجم التوسع الإيراني وإعادة طهران إلى حجمها الطبيعي، من جهة، ومن جهة ثانية، تحقيق هدفها/حلمها في مد ممرين بريين يربطانها بلبنان والبحر الأبيض المتوسط عبر أراضي العراق وسوريا واحد في الشمال وثان في الجنوب، يمر الشمالي من محافظة ديالى(العراق)، التي أصبحت اليوم ذات أغلبية شيعية، نحو محافظة كركوك وبلدة الشرقاط إلى الشرق، وصولا إلى سوريا عبر المنطقتين الجبليتين تلعفر وسنجار، ويمر الجنوبي عبر المحافظات الشيعية في العراق، ثم بالطريق الصحراوي الرئيسي في محافظة الأنبار إلى شرق سوريا قبل الوصول إلى دمشق. وقد طلبت من الميلشيات الشيعية العراقية الموالية لها تأمين السيطرة على مساري الممرين في العراق وبقي أن تؤمن ذلك على الأراضي السورية. روسيا من جهتها بحاجة إلى السيطرة على ديرالزور للاحتفاظ بموقعها المتقدم ضمن توازن القوى على الساحة السورية وتوظيفه في المساومة مع الإدارة الأميركية الجديدة في إطار صفقة شاملة على مصالحها وموقعها في المعادلة الدولية.
المنتصر، وفق صحيفة التايمز في مقالها المشار إليه، “لن يحصل فقط على فرض الهيبة أو التحكم في حقول الغاز القريبة؛ بل إن التحرك الناجح من الفريقين المدعومين أميركيا [قوات سوريا الديمقراطية وفصائل الجيش السوري الحر] سوف يرسخ سيطرتهما على الحدود كلها. من شأن هذا الأمر أن يُحوِّل شرق سوريا، الذي كان يُنظر له سابقا من قِبل النظام على أنه منطقة فقيرة منعزلة، إلى موطئ قدمٍ أميركي مُحتَمَل، أو على الأقل إلى ورقة ضغط قوية. بالنسبة لحلفاء الأسد في روسيا وإيران، فإنَّ الحضور الأميركي سوف يمثِّل كارثة”.
– المدن

اترك رد

Translate »