حدود التوافق الروسي التركي الإيراني

 

على الرغم من كل التعقيدات التي تطرحها الملفات الاستراتيجية بين روسيا وتركيا وإيران، إلا أن الدول الثلاث تمكنت من الوصول إلى اتفاق “المناطق منخفضة التصعيد” في سورية، في مفاوضات أستانة 4 ، وهو ما يطرح مرة أخرى قضية التوافق والاختلاف بين أجندة هذه الدول، خصوصا أن المشهد الإقليمي في الشرق الأوسط قد أصبح مشهداً متداخلاً ومركّبا،ً ولا يقل المشهد السوري عنه من حيث مستوى التعقيد، وهو المشهد الذي تتنافس فيه الدول الثلاث على إعادة تركيب المصالح لأمد بعيد.

لكل دولة من الدول الثلاث قواتها في سورية، ولها حلفاء محليون متناقضو المصالح، كما أنها تلعب في الأرض السورية بعيداً عن الأمم المتحدة، ومن دون توافق تام مع الدولة الأقوى في النظام الدولي، حيث ما زالت الولايات المتحدة الأمريكية خارج مسار المفاوضات التي تديرها الدول الثلاث.

وإذا كانت تركيا على مدار الأعوام الماضية قد دعمت طيفا من المعارضة السورية، بينما استمر الروس والإيرانيون في دعم الأسد، إلا أن هذا التناقض في المصالح في سورية، لم يمنع الدول الثلاث من محاولة احتوائه، للحفاظ على المصالح الاقتصادية العميقة التي نمت بينهم خلال العقود الماضية.

بالطبع، كان يمكن للتصادم التركي الروسي في سورية بعد حادثة إسقاط الطائرة الروسية، في نوفمبر/ تشرين الثاني 2015 ، أن يؤدي إلى تدهور استراتيجي بين البلدين، إلا أن مجريات الأمور لاحقا،ً وخصوصا الانقلا الفالل على أردوغان، أعاد العلاقات بينهما إلى ما كانت عليه في الجانب الاقتصادي الحيوي لكليهما.

أما حجم التبادل التجاري بين ايران وتركيا فقد وصل إلى 14 مليار دولار في عام 2015 ، وكانت تركيا هي البلد المفضل لدى الإيرانيين للتجارة معه، خصوصا بعد أن فرضت كلّ من الولايات المتحدة وأوروبا عقوبات صارمة على ايران، بسبب ملفها النووي، ولم تنقطع الزيارات المتبادلة بين مسؤولي البلدين طيلة السنوات الست الماضية، كما استمر تأكيد القادة في طهران وأنقرة على العلاقات الجيدة بينهما، وضرورة استمرارها رغم عدم التوافق فيما بينهما في الملف السوري، ففي آخر زيارة لأردوغان إلى طهران تم توقيع اتفاق التجارة التفضيلية بين البلدين، الذي من المتوقع أن يرفح حجم التجارة البينية بين البلدين إلى 30 مليار دولار، خصوص ا بعد تخفيف العقوبات الدولية على طهران.

إضافة الى المصالح التجارية بين إيران وتركيا، فإن هناك نقطة أخرى تتعلق بالأمن القومي لكلا البلدين، وهي معارضة كلا الدولتين للطموحات الانفصالية لبعض التنظيمات الكردية السورية، حيث تعاني الدولتان من مطالب مماثلة للكرد لديهما، فالصراع بين “حز العمال الكردستاني” التركي ضد حكومة انقرة مستمر منذ أكثر من ثلاثين عاما ،ًً ويقدّر عدد ضحاياه من الطرفين بعشرات الآلاف، كما تشهد المناطق الكردية الإيرانية اضطرابات مستمرة بين الكرد الإيرانيين ونظام طهران.

إن عاملي الاقتصاد والموقف المتماثل لتركيا وإيران من القضية الكردية لكَّلا حجر الأساس في استمرار العلاقات الجيدة بينهما، على الرغم من رغم خلافهما حول الملف السوري، الذي لم يعد أولوية لدى أردوغان كما يبدو بالمقارنة مع الخطر الكردي، وأولوية استقرار الوضع الاقتصادي التركي الذي بدأ بالتدهور مؤخراً، يضاف إلى ذلك رغبة أردوغان في تثبيت زعامته لتركيا، وهو الأمر الذي لا تعارضه إيران، بينما يشكل عقبة حقيقية امام علاقات سياسية واقتصادية مريحة ومستقرة مع الغر عامة، والاتحاد الأوروبي بشكل خاص. هذا ما دفع أنقرة للتعامل مع طهران وموسكو على مسار أستانا، باعتبار أن تقديم تنازلات لهما في الملف السوري سيكون أقل كلفة من تقديم تنازلات للأوروبيين والغرب تتعلق بطموحات أردوغان السياسية، ورغبته بتركيز السلطة في يده.

ما ينطبق على العلاقات التركية الإيرانية ينطبق أيض ا على العلاقات التركية الروسية، فروسيا أيضا لريك اقتصادي مهم جد اً لتركيا، حيث وصل حجم التبادل التجاري بين البلدين قبل نشو أزمة إسقاط الطائرة الروسية إلى 40 مليار دولار، وقد رفضت تركيا تطبيق العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على روسيا بعد غزوها لأوكرانيا وضم جزيرة القرم، كما لكّلت العائدات التركية من السياحة القادمة من روسيا حوالي 15 مليار دولار، وقد صرّ ح وزير الخارجية التركي في موسكو أن تركيا تهدف الى رفع التبادل التجاري بين البلدين من 40 مليار دولار قبل الأزمة الى 100 مليار دولار في الأعوام القليلة القادمة، ومن المعلوم أن العقوبات التي فرضتها روسيا على تركيا بعد إسقاطها للطائرة الروسية قد أدت إلى تدهور في سعر صرف الليرة التركية، وانخفاض العائدات السياحية، وخسارة مئات لركات الإنشاءات التركية لمشاريع ضخمة كانت تنفذها في روسيا، إضافة إلى كساد في المنتوجات الزراعية التركية التي كانت روسيا تشكّ ل سوقها الأكبر في العالم.

أيضا تريد تركيا أن تكون ممراً للغاز الروسي المتوجه إلى أوروبا، مع ما يوفره ذلك من عائدات مالية للاقتصاد التركي، وزيادة أهمية تركيا للاتحاد الأوروبي.

كما أن الموقف الأوروبي والأمريكي غير المتحمس للوقوف إلى جانب أنقرة في أزمتها مع موسكو لعب دوراً مهما في الاستدارة التركية نحو روسيا، يضاف إلى ذلك عامل الأمن القومي والقضية الكردية، حيث تخشى أنقرة من نشوء تحالف بين حز الاتحاد الديمقراطي الكردستاني ) pyd ( وبين روسيا، يعزز من مواقع الحز وقواته في جنو تركيا.

لكن، وعلى الرغم من كل هذه العوامل التي تعزز التوافق الروسي التركي الإيراني، إلا أن استمرار التعاون بين هذه الدول الثلاث في الملف السوري، وتحويله إلى اتفاق ثابت، سيتوقف إلى حد بعيد على الطريقة التي ستتعاطى بها إدارة ترامب مع تركيا من جهة، ومع الروس والإيرانيين من جهة أخرى.

أما العلاقة الروسية الإيرانية، فإن تحالف الضرورة بين الطرفين هو قضية وجودية لمشاريعهما في المنطقة، فلا إيران تمتلك غطاءً جويا لدعم قوات الأسد، ولا روسيا قادرة على تعويض القوة العسكرية البشرية التي تؤمنها إيران، بالتالي فإن أي انفصال في هذا التحالف غير وارد حاليا،ً إلا إذا تقدمت إدارة ترامب بعرض يتضمن صفقة كاملة مع الروس، تعترف لهم بضم القرم، وترفع جميع العقوبات عنهم، وهو الأمر الذي لا يلوح في الأفق حتى اللحظة.

المصدر: مركز أسبار

اترك رد

Translate »