معارك البادية السورية: خريطة الصراع الجديد

تواجه المعارضة السورية في القلمون الشرقي أوضاعاً صعبة، بعد تعزيز الحصار المفروض حول المنطقة. واستطاعت قوات النظام، الخميس، وصل مناطق سيطرتها جنوبي تدمر مع مواقعها في وادي السبع بيار في ريف دمشق الشمالي الشرقي، بعد انسحاب تنظيم “الدولة الإسلامية” من تلك المناطق الاستراتيجية. وشهدت تلك المنطقة سابقاً معارك بين فصائل المعارضة السورية في البادية؛ “جيش أسود الشرقية” و”قوات الشهيد أحمد العبدو” و”لواء شهداء القريتين” من جهة، وقوات النظام ومليشيات شيعية موالية لإيران من جهة أخرى، بالإضافة إلى معارك بين المعارضة وتنظيم “الدولة” بهدف فك الحصار عن القلمون الشرقي ووصلها بمناطق البادية.

قوات النظام والمليشيات وجّهت للمعارضة ضربات مكثفة، في الاسابيع الماضية، لاستعادة منطقة السبع بيار القريبة من مطار “السين” العسكري، ومنطقة القلمون الشرقي، ومنطقة بير قصب الملاصقة لمطار خلخلة في ريف السويداء الشمالي والقريبة من بادية العتيبة المتصلة مع الغوطة الشرقية، وذلك بهدف تأمين شرقي العاصمة دمشق.

تأمين طوق العاصمة من الجهة الشرقية لم يكن الهدف الوحيد لتحركات قوات النظام، فالسيطرة على البادية جنوب غربي تدمر، وعلى الطريق الدولي تدمر-دمشق يؤمن ظهير أي قوات تريد الانطلاق من تدمر نحو السخنة، البلدة الاستراتيجية الواقعة على طريق تدمر-ديرالزور. كما تسعى قوات النظام إلى تحييد قوات المعارضة في البادية عن المعركة المرتقبة في ديرالزور.

ورغم الضربة التي وجهها طيران “التحالف الدولي” في 18 أيار/مايو لمليشيات شيعية متحالفة مع النظام حاولت الاقتراب من معبر التنف الحدودي، إلا أن تحركات أخرى لمليشيات محلية تابعة للنظام ترفع أعلاماً روسية شرقي محافظة السويداء، قد تهدد بعزل قوات المعارضة ضمن قواعدها في معبر التنف وعلى الشريط الحدودي مع الأردن. وسيطرت تلك المليشيات على سد الزلف شرقي السويداء، الواقع على طريق امداد قوات “جيش مغاوير الثورة”، ودارت في الساعات الماضية اشتباكات عنيفة بين الطرفين، في محاولة من المعارضة لوقف تمدد النظام في المنطقة.

الناطق باسم “جيش أسود الشرقية” أسعد الحاج، قال لـ”المدن”: “هناك الآن دعم كامل من غرفة الموك العسكرية لصد أي هجوم للميليشيات في البادية السورية على مواقعنا”. لكن معطيات الأرض تقول إن قوات النظام وحلفائه باتت تسيطر على مساحات واسعة من البادية السورية. كما أن تأمين ظهير قواتها المتواجدة في تدمر، سيجعل من قرار اطلاق عملية عسكرية باتجاه بلدة السخنة، مسألة وقت فقط. ويعيق تقدم مليشيات النظام الواسع في البادية، أي مخطط لفصائل المعارضة لتحرير ديرالزور من تنظيم “الدولة”.

وتشهد العلاقة بين فصائل المعارضة في الفترة الحالية، انقسامات غير معلنة، خاصة مع بروز وزارة الدفاع الأميركية كمرجعية جديدة في الجنوب إلى جانب غرفة الـ”موك” العسكرية التي تشارك فيها وكالة الاستخبارات الأميركية “سي أي إيه”. الأمر الذي يفضي إلى تشتت القوى على الأرض، في فترة حرجة من الصراع على الشرق السوري. وفي هذا السياق أفادت مصادر مطلعة في المعارضة السورية، أن هناك ضغطاً كبيراً من البنتاغون، لتشكيل غرفة عمليات مشتركة للمعارضة بقيادة قائد “مغاوير الثورة” مهند الطلاع، للتوجه نحو البوكمال جنوبي ديرالزور. ونتيجة ذلك، بدأ عناصر من “لواء شهداء القريتين” العامل مع غرفة “الموك” العسكرية بالانتقال إلى قاعدة التنف العسكرية، التي تدعمها وزارة الدفاع الأميركية.

على الطرف الآخر، فإن حركة قوات النظام المدعومة من روسيا تشهد تطوراً ملحوظاً على حساب المليشيات الشيعية المدعومة من إيران. محمد حسن الحمصي، من “شبكة تدمر الإخبارية” قال لـ”المدن”، إن “قوات خاصة روسية شاركت النظام في معاركه ضد تنظيم داعش جنوب غربي تدمر، مع غياب للمليشيات المرتبطة بإيران عن المعارك هناك”.

ويشكل السباق نحو ديرالزور، التحدي الأكبر لفصائل المعارضة المتواجدة في البادية، والتي ينتمي معظم منتسبيها إلى محافظة ديرالزور. ويبدو أن شرق سوريا تحول إلى مركز الصراع الإقليمي والدولي بعد رجحان كفة النظام غربي البلاد، وتأمينه لمحيط مدينة دمشق.

وتضم ديرالزور الاحتياطي النفطي الأكبر في سوريا، كما تقع ضمن المخطط الإيراني لطريق الامداد البري نحو البحر المتوسط، بحسب تقرير سبق ونشرته صحيفة الغارديان البريطانية، منتصف أيار، ويتحدث عن تغيير في الخطط الإيرانية وتحويل طريق قواتها نحو مدينتي ديرالزور والميادين، لتجنب الوجود الأميركي في مناطق الأكراد شمال شرقي سوريا. في المقابل، تحاول الولايات المتحدة دعم قوات المعارضة السورية للسيطرة على ديرالزور من قبضة تنظيم “داعش”. كما تتجه الولايات المتحدة لفرض منطقة عازلة في محيط معبر التنف بقطر 75-90 كيلومتراً، كما أفاد مصدر مطلع في المعارضة السورية، بهدف منع مليشيا “الحشد الشعبي” العراقية، والمليشيات الشيعية المقاتلة في سوريا من وصل مناطق سيطرتهما عبر الحدود.

ومن جهتها، فإن روسيا بدأت تركّز منذ توقيع اتفاقية “مناطق تخفيف التصعيد” في أستانة، على محافظة ديرالزور للمشاركة في الحرب على تنظيم “داعش”، ما سيمكنها من تغيير موازين القوى هناك بهدف الضغط على الولايات المتحدة للعودة إلى طاولة المفاوضات، بعدما شكّل غياب دورها الفاعل عن المؤتمرات السياسية حول سوريا سواءً في جنيف أو أستانة العقبة الأكبر أمام تأمين الشرعية الدولية للوجود الروسي في سوريا.

شهدت الأيام الماضية تَغيراً واسعاً في خريطة السيطرة على البادية السورية، نتيجة عوامل متعددة، فالنظام يسعى إلى إعادة إنتاج نفسه عبر المشاركة في الحرب ضد تنظيم “داعش”، وروسيا تريد خلط الأوراق شرقي سوريا لإعادة الولايات المتحدة إلى طاولة المفاوضات، أما إيران فإن طريقها الاستراتيجي نحو المتوسط يمر من منتصف البادية السورية. الإجراءات المضادة من الولايات المتحدة لم تتوقف لكنها حتى اللحظة لا تغير من موازين القوى جنوب وشرقي سوريا، في منطقة تتحول إلى مركز لصراع إقليمي ودولي ستحدد نتائجه خريطة النفوذ المستقبلي في البلاد.

المدن

اترك رد

Translate »