رمضان في الرقة ، بين زقزقة العصافير وصفير الصواريخ


‏الرقة بوست – سعد الصبر
‏حيث الرقة التي يتميز أهلها بالبساطة والكرم ، جهزوا أنفسهم قبل أيام لإستقبال شهر رمضان بقلوب بيضاء لا يحملون بغضاً على بشر. لا يملك الناس هناك من المال الا القليل يكتفون بوجبة واحدة على مائدة الافطار ، ليس كما أعتادوا بملء المائدة بأكثر من ثلاثة انواع من الطعام ، والمعروك الساخن المحشو بجوز الهند او الزبيب ، او المحلى بالحليب والسمسم الذي يحبه كافة الشعب ، فهذه السنة قد غاب المعروك وقد غابت اصنافٌ كثيرة من الطعام عن كثير من موائد اهل الخير هناك.

‏ إعتاد الرقاويون أن يكون شهر رمضان شهر المحبة والتفاؤل وشهر اللقاءات والاجتماعات فعلاقاتنا هي رأس مال المكان ، وإعتاد الناس على استقبال بعضهم ، وإمتلاء الاسواق وصلاة التراويح التي لا تجد شخصاً أهملها وغاب عن صفوف المصلين والسباحة في نهر الفرات قبل الافطار. كلها طقوس رمضانيّة اعتاد اهل الرقة الطيبين ان يعيشوها ، فهذا الرمضان لم يدخل كغيره دخل ومعه الموت حيث أصبح المدنيون بين سندان داعش ومطرقة قسد عشرات الغارات ومئات القذائف تتساقط على المدينة ، التي لم يسبق للمدنيين ان عاشوا هذه الإحداث منذ عام ٢٠١٣.

‏ أصبحت السماء تمطر على أهلها الموت. القذائف لا تميز طفل عن أبيه او أمه او أخيه عائلات بإكملها تفطر في الجنة وأخرى تتسحر هناك ، فالمدينة تملؤها رائحة الدم والبارود. لاتزال المدينة تحتضن أكثر من نصف أهلها ، منهم لا يريد الخروج منها ومنهم لا يملك قوت يومه حتى يملك آجرة خروجه الغير آمن. أربعة أيام من الموت بلا ماء او كهرباء. المدينة تستيقظ على زقزقة العصافير وتنام على صفير الصواريخ الآتية مع الرياح الشمالية. يتحدث معي أحدهم واصفاً لي الحال بقوله : “قامت داعش بقصف شمال الرقة بالمدفعية من داخل أحياء المدينة ولا نعلم من أين تنطلق هذه القذائف فما هي إلا لحظات حتى بدأت القذائف والصواريخ تنهمر علينا بشكل عشوائي وكثيف فأصبح الطيران يقصف هنا وهناك ينتقم منّا لا من الفاعل. عائلات بإكملها ، أطفال ونساء ورجال تحت الأنقاض ، دمار في كل مكان كافة الاحياء نالت نصيبها من القصف. عندما نسمع صفيراً في السماء فنعلم أنّ الموت آتٍ . فننام داخل الغرف لا نستطيع النوم خارجها كما هو الحال كل صيف خوفاً من القصف الذي يحمل الموت والحقد”. قبل أن يعود لبيته ختم قوله “سنبقى هنا ولن يصيبنا الا ماكتب الله لنا”.

‏غابت البسمة عن وجوه الرقيين عن غير العادة. عشرات الشهداء دفنوا في حدائق المدينة عند جذرع أشجار السرو. قدمتهم الرقة لرمضان هذا العام قرابيناً لإرضائه فهل يكتفي رمضان بهذا العدد من القرابين ؟ ام أنه استلذ بالفرات الذي يجري بعروق اهل المدينة !!
‏هي الرقة حيث المستقبل المجهول …

اترك رد

Translate »