مدينة من عشق

الرقة بوست – قاسم الهندي_تهاني بيرقدار

قبل فترة من الزمن ، طلبت من أحد الأصدقاء أن يبعث لي صورا من مدينتي الرقة عل هذه الصور ترأب صدعا في الذاكرة يأبى ألا أن يتسع إشتياقا لها.
لم يستطع هذا الصديق أن يبعث لي سوى صورة واحدة بسبب تشديد الدواعش على أي أحد يصور بحجة تعامله مع “الصليبين ،النظام ،قسد” ،صورة واحدة كانت لمقعد، مقعد في حديقة ،في حديقة العشاق”7 نيسان” ،و كأنه بهذه الصورة كان يصور الغياب ،غيابنا جميعا، و إنتظار المقعد لنا ، كي لا نبقى إنتظارا هائما على وجه الغربة دون مقعد.
حديقة العشاق في الرقة أكثر من حديقة و بحجم مدينة و وطن كلنا عاشقين له.
حديقة العشاق في توسطها بين العديد من الأبنية و الشوارع في الرقة، يجعلها عدا عن كونها مكانا للقاء عاشقين ،معبرا يمرر العشق مع الخطوات بين شوارع الرقة و حواريها.
فقربها من المشفى الوطني يجعلها ملتقى لأملين ،أمل أهل المرضى المفترشين أرض الحديقة آملين بشفاء مرضاهم.
و أمل بجانب من يفترش الأرض ، لكنه أمل على مقعد مغطى بالياسمين لعاشقين يأملان إستمرار عشقهما.
و لتغدو الحديقة صلة عشق بين أحياء الرقة و شوارعها، لتغدو مشاوير الذاهبين و الرائحين من شارع 23 شباط و المجمع و حارة البياطرة و الأماسي ،إلى حي الفردوس و التوسعية و الثكنة و الدرعية ،مشاوير معطرة بعشق أرض الحديقة.
لكن الكارهين للحياة و العشق و الحب و مدينة الرقة ،و بحجة “التحرير” تم قصفها بكل همجية من طائرات التحالف جوا و قسد برا، ليسقط خيرة شبابها شهداء في هذا القصف.
هذا القصف المعنون زورا بأنه “تحرير”ما هو إلا إبادة و إنتقام من سكان هذه المدينة ، إنتقام من ذنب لم يرتكبوه سوى أن مر بمدينتهم سرب من الغربان الناعقة بالدمار.
هذا القصف المعنون زورا باسم “التحرير” ،ما هو إلا قصف موجه لمفهوم “التحرير”نفسه ، و ذلك في إستثاءه حيوات الناس من التحرير، و الذين هم موضع التحرير نفسه .
هذا القصف إستهداف لكل نزوع نحو الحرية، و إستهداف للربيع العربي نفسه في نزعاته الاخيرة.
كان القصف موجها ” لمقعد الحديقة الشاهد” على لقاء عاشقين ،محولا المقعد الحجري الشاهد إلى شاهدة قبر لقراءة الفاتحة على أرواح من نحب.
و ما بين شاهد اللقاء، و شاهدة الموت ،يرفض الرقيون سوى أن يكونوا عاشقين لمدينتهم ،ليزرعوا أبنائهم ورودا في حدائقها ،تعبق مسكا من ثورة، و من حرية، و من ربيع عربي يعود مزهرا من جديد مستمدا جذوته من هذه الورود الشهداء، المندية تربتهم بدموعنا التي ستعيد للورود ثورتها ،و تستعيد حق هذه الورود ممن سرق الربيع منها.
تلك الحديقة التي تعد من أجمل حدائق الرقة وأكثرها هدوءا وصفاء أصبحت تضم بين جنباتها الوارفة رفات الشهداء .
سيزهر ربيعنا في نيسان القادم ياحديقة العشاق وستطير الفراشات من قبر لقبر لتبشر الرقة بربيعها المعطر برائحة مسك تراب شهدائنا الطاهر .
كان الله في عون العاشقين الرقيين لمدينتهم.
و كان الله في عون معشوقتهم.
الرقة مدينة من عشق

اترك رد

Translate »