جثتي بين الغربان والطاعون.. موتان وذاكرة

الرقة بوست – قاسم الهندي

هل الاشتياق درجة من درجات الحزن؟ يصل حد الأذية! في الصور الواردة من مدينتي الرقة ،أبحث بينها عن منزلي ،عن الشوارع ،الحدائق ، أبحث و اقلب مطولا و لا أعرفها ،أبحث كمن يبحث عن جثة مشوهة بين الجثث ،غير واضحة المعالم ،لكنها جثث أحبتني و احببتها. أقف عند صورة جثة جامعة الاتحاد لأسمع صوت حشرجة منزلنا يناديني من خلف الجامعة . أكبر الصورة أكثر علي أصل لنهاية شجرة البرتقال التي تعلو بيتنا ، و لا أصل مع ان علو شجرة برتقالنا لا نهاية لها كعلو الوطن، بلا نهاية . أحاول العربشة على الصورة كما تتعربش دالية العنب فوق سطح بيتنا ،فأتعربش بالحنين و لا أنزل ، و تبقى الصورة متسعة باتساع الوطن. أكبر الصورة أكثر لأسمع ضجيج ثمان اخوة،يملاؤون البيت ضجيجا جميلا من لعب و مرح ،يقاطع الضجيج الجميل صوت والدي(روح جيب خبز من فرن حج رزوق، لا تروح على فرن نزلة المتحف، لأن عليه زحمة، و مشان تلحق مدرستك) أعود من حنين الخبز لحنين يدي والدتي،و هي تصفط الخبز كمن يصفط الذكريات الجميلة،لتودعها في الثلاجة لنعود لها متى نشاء نقضم قطعة من خبز و من ذكرى من وطن. أتجه بالصورة ناحية الشمال قليلا ،لأعود لجثة مدرستي الرشيد الابتدائية، طفلا مشاغبا بين صفوفها و باحتها، و رغم كل شغبه و مرحه إلا أني لا زلت اسمع بكائه لدى حرمانه من التكريم على مستوى المدرسة، و المحافظة، بحجة أن هناك إبناً لقاض معروف، و آخر لتاجر قد أحرجا المدرس ليمنحهما التكريم!! ليربت والدي على كتفي مكسور الخاطر كما خاطر الوطن(وليدي الحق مو عليهم ،الحق على أبوك الما قدر غير يكون عامل)،لنقصى جميعنا من المشهد ،من الوطن، بحجة التحرير و اننا هؤلاء العوام الذين لا يستحقون ان يكون لهم وطن بحجة ،نهم دواعش، و لا من يد تربت على من أضاع وطن . أعود لأقلب بين الصور و الجثث و المنازل ،و الصور كلها من جثث. لأجد جثة لشارع هشام بن عبد الملك ،يحتضن جثثاً صغيرة منه كمن يحتضن أطفاله قبل الممات، على يسار الشارع جثة لمصرف التسليف،يقابلها جثة لجامعة الاتحاد ،و في أقصى يمين الشارع جثتين ملتصقتين كتؤام ببعضهما ،مدرستي الاعدادية عمار بن ياسر و مبنى الجوازات. اكمل المسير أقلب في الصور أكثر،باحثاً عن الحدائق و عن مواعيد عشق،أزور كل الجثث التي أحبها من حدائق ،حديقة الرشيد ،البستان ،البجعة،حديقة المرور، لأقف خاشعاً أمام حديقة العشاق قارئا الفاتحة على روح حبيب كان صديقا لمقعد من انتظار حبيب ،ليدفن فيها ورداً دون كل المقابر،ليصير هو الموعد لوطن من انتظار. في الصورة ما قبل الأخيرة، و ما قبل الأخيرة ثابتة جدا ،لا تعلم كيف تصبح أخيرة و تنهي المشهد . في الصورة أحمل جثتين لجسرين مني على فرات ، جسر الرشيد(العتيج )، و جسر المنصور(الجديد)، أحملهما محاولاً اغلاق المشهد على أمل بالعبور لوطن ،و يأبى المشهد أن ينغلق ،لأصير جثة تحمل جثة من وطن ،تحاول جثتي أن تخرج من كفنها ،محاولةً أن تجعل الاشتياق درجة من درجات الفرح ، و غير مؤذية. درجة من الفرح خالية من الغربان السود، و لون الملاريا الأصفر ،باحثة جثتي عن وطن من فرح و من وطن .

اترك رد

Translate »