البادية السورية: هل قطع النظام طريق المعارضة إلى ديرالزور؟

تضاربت الأنباء خلال اليومين الماضيين حول حقيقة وصول قوات النظام والمليشيات الإيرانية إلى الحدود مع العراق في البادية السورية. وقالت مصادر مقربة من فصائل المعارضة الموجودة في البادية لـ”المدن”: “بالفعل تقدمت قوات النظام في 9 حزيران/يونيو وسط البادية انطلاقاً من محورين؛ الأول من العليانية والثاني من جنوبي تدمر لتلتقي في منطقة رأس الوعر التي تبعد كيلومترات متعددة عن الشريط الحدودي”.

وتقع منطقة رأس الوعر على مسافة ثلاثين كيلومتر شمال شرقي قاعدة الزكف التي أنشأتها مؤخراً قوات “التحالف الدولي” و”قوات مغاوير الثورة” كنقطة متقدمة لحماية قاعدة التنف، وقاعدة انطلاق للعمليات العسكرية باتجاه محافظة ديرالزور. وتقع رأس الوعر على مسافة 15 كيلومتراً عن الشريط الحدودي، السوري-العراقي، وتفصلها عنه منطقة مفتوحة ستكون في منطق حرب البادية ضمن نطاق سيطرة القوات التي تتمركز في رأس الوعر. وتوضح الخرائط أن الواقع الجديد الذي فرضته المليشيات الموالية للنظام في البادية يعني قطع الطريق أمام قوات المعارضة السورية و”التحالف الدولي” في البادية باتجاه محافظة ديرالزور.


(المصدر: LM)

مدير صفحة “عدالة حمورابي” والمقرب من قوات “مغاوير الثورة” مزاحم السلوم، قال إن قوات النظام والمليشيات الموالية تراجعت عن النقاط التي سيطرت عليها بالقرب من الحدود العراقية السورية، بحوالي 40 كيلومتراً بعد “ضغط” من قوات “التحالف”.

الناطق باسم “مغاوير الثورة” محمد الجراح، قال لـ”المدن”، إن هذا التقدم للمليشيات أتى بعد دعم روسي، كمحاولة من موسكو لتحسين موقفها أمام حلفائها الذين تعرضوا لضربات متعددة من قوات “التحالف الدولي” بالقرب من التنف. كما اتهم الجراح قوات النظام بالتواطؤ مع تنظيم “الدولة الإسلامية” حتى استطاعت السيطرة على مساحات شاسعة تمتد على طول 110 كيلومتراً وبعرض 16 كيلومتراً خلال فترة قصيرة جداً.

ولا زالت قوات النظام تعمل على ثلاثة محاور في البادية السورية؛ الأول انطلاقاً من تدمر نحو الشرق والشمال الشرقي للسيطرة على بلدة السخنة التي تقع على الطريق نحو ديرالزور، والثاني انطلاقاً من جنوبي تدمر ومنطقة العليانية وسط البادية السورية باتجاه الحدود مع العراق بعدما حرصت المليشيات الإيرانية على تحسس الخطوط الحمراء الأميركية في البادية السورية عبر توجيه أرتال عسكرية باتجاه قاعدة التنف، أما المحور الثالث فيقع شرقي ريف دمشق حيث تحاول المليشيات التقدم على حساب “جيش أسود الشرقية” وتأمين محيط تل دكوة الذي سيطرت عليه في الأيام الأخيرة. وتتلخص خطط النظام حسب محاور تقدمه في البادية بمحاولة عزل مناطق سيطرة المعارضة جنوبي البادية عن شمال ووسط البادية، أي قطع طريق محافظة ديرالزور أمام الفصائل التي ينتمي معظم مقاتليها إلى المحافظة. هذا بالإضافة إلى تأمين وصول المليشيات إلى الحدود مع العراق الأمر الذي يعد ضمن الأهداف الأساسية للاستراتيجية الإيرانية في المنطقة والمتمثلة بتأمين خط بري من طهران مروراً ببغداد ودمشق وانتهاءً بلبنان والساحل السوري.

وبغض النظر عن بقاء قوات النظام في منطقة رأس الوعر، أو انسحابها منها خلال الساعات الماضية، تبدو حدود السيطرة في البادية السورية وقد تم رسمها عبر استفزازات المليشيات الإيرانية والردود الأميركية. فالضربات الجوية الأميركية لأرتال المليشيات الإيرانية استهدفتها وهي على بعد 20-25 كيلومتراً من قاعدة التنف، فيما أسقطت طائرة “درون” إيرانية محملة بأسلحة عندما حلقت بشكل مباشر فوق قوات “مغاوير الثورة” التي تقاتل إلى جانب “التحالف الدولي” بقيادة الولايات المتحدة. وضمن هذه الخطوط رسمت الضربات الدفاعية الأميركية حدود السيطرة في البادية، بعدما تجاهلت تحركات قوات النظام والمليشيات الحليفة في منطقة العليانية وسط البادية، وفي مناطق بير قصب وتل دكوة شرقي ريف دمشق. وتكون نتيجة ذلك سيطرة قوات النظام على نقاط استراتيجية تمكنها من التحكم بمحاور مهمة في البادية السورية، وتمنحها القدرة الدائمة على توجيه أرتال من القوات شرقاً وباتجاه الشمالي الشرقي. ورغم تجنبهم في التحرك الأخير الصدام مع قوات “التحالف” وقوات “مغاوير الثورة”، إلا أن نتيجة هذا التحرك تعني عزل قاعدة التنف وقاعدة الزكف الملحقة بها، لتحصر دورها بحماية الحدود الأردنية في حين تقطع الطريق باتجاه محافظة دير الزور شمالاً.

وفي حين يتضمن الاتفاق بين قوات “التحالف” وقوات “مغاوير الثورة” عدم الاشتباك مع قوات النظام والمليشيات الحليفة له إلا في حالة الدفاع عن مناطقه، يمتلك “جيش أسود الشرقية” المدعوم من غرفة “الموك” هامشاً أكبر في الحركة وقدرة على مواجهة النظام، ما يجعله الخيار الوحيد للتقدم نحو ديرالزور في حال سيطرت قوات النظام بشكل دائم على الخط الفاصل بين جنوبي البادية والدير. الناطق باسم “جيش أسود الشرقية” سعد الحاج، قال لـ”المدن”: “لقد استوعبنا ضربات النظام في تل دكوة وباشرت قواتنا بهجوم معاكس سيطرت من خلاله على تل مسيطمة غربي بير قصب، وتل دخان الملاصق لتل دكوة الاستراتيجي، ونعمل الآن على تعزيز مواقعنا وسط البادية وستكون قوات النظام التي تقف في طريقنا نحو ديرالزور هدفاً مشروعاً لنا”. في المقابل، فإن مواجهة المعارضة للمليشيات الإيرانية وقوات النظام المدعومة بالطيران الروسي والتي بدأت تزج بعدد أكبر من القوات في معارك البادية، هي أمر صعب من دون دعم أكبر من “التحالف الدولي”. ومن دون موقف أميركي واضح يلزم روسيا بحدود واضحة ضمن البادية لا تستطيع قوات “أسود الشرقية” و”تجمع أحمد العبدو” من السيطرة على مساحات كبيرة ومواجهة حشود عسكرية ضخمة للنظام يساندها الطيران الروسي.

ستكون التطورات في الأيام المقبلة حاسمة في اتجاه تحديد مصير معركة ديرالزور من المحور الجنوبي، والتي كانت فصائل المعارضة في “مغاوير الثورة” و”أسود الشرقية” تعد العدة لها. وفي حين قد يميل المسؤولون في وزارة الدفاع الأميركية “البنتاغون” للاستعانة بـ”قوات سوريا الديموقراطية” في عملية تحرير ديرالزور من تنظيم “الدولة الإسلامية” انطلاقاً من المحاور شمالي المحافظة، فإن مثل هذا الوضع وخاصة بعد دخول قوات النظام والمليشيات الإيرانية على خط المعارك، سيزيد تعقيد الموقف وستكون نتيجته شبه الأكيدة هي استمرار تنظيم “داعش” الذي يتعزز وجوده عبر الصراعات الإثنية والطائفية.

المدن

اترك رد

Translate »